الرئيسية » سياسة واقتصاد » خروج القوات الروسية من سوريا وابعادها الاستراتيجية – د. فالح الحمراني
swr_bwtyn_mm_lqw_lrwsy_bswry.jpg

خروج القوات الروسية من سوريا وابعادها الاستراتيجية – د. فالح الحمراني

 

لقد اراد بوتين ان يعلن للراي العالمي ان القوات المسلحة الروسية هي التي حققت النصر على الدولة الاسلامية وقامت بتدمير اركانها واهم مفاصلها في سوريا، وليس التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، الذي ظل عاجزا ويتحرك بصورة مشوشة كانه لا يمتلك استراتجية واهدافا واضحة. علما ان عدد من الدول الغربية في مقدمتها فرنسا حاولت ان تنسب النصر لها رغم ادوارها الضعيفة وغير المرئية اساسا.

ان قرار بوتين بسحب الجزء الاكبر من القوات العسكرية بسوريا له ابعاد سياسية داخلية ايضا.  فقد يكون القرار جزءا من حملته الانتخابية لمنصب الرئيس التي اعلن عن انه سيرشح لها، اذ انه سيظهر بمظهر رجل السلام الحريص على ارواح العسكريين، وانه جاء ايفاءا  بالتعهد ان العملية ستكون محدودة، لاسيما وان هناك مخاوف من استمرارها قد يحول هذه الدولة العربية الى افغانستان جديدة.

بوتين، الذي لم تكتفِ الدول الغربية في فرض العقوبات الاقتصادية، على بلاده منذ عام 2014 على خلفية الاحداث باوكرانيا وانضمام القرم لروسيا، بل وتسعى ايضا الى عزلها على الساحة الدولية وملاحقتها في المحافل الدولية حتى في مجال الالعاب الاولمبية بتهم تناول رياضيوها المنشطات، برهن بجولته ان روسيا ما زالت دولة فاعلة على الساحة الدولية، وان لديها شركاء واصدقاء من بين الدول الاقليمية النافذة وبالدرجة الاولى مصر وتركيا وايران، فضلا عن الهند والصين وغيرها في مختلف انحاء العالم. وان الموقف الغربي لايمكن ان يقتل روح روسيا ولا يجعلها تتقاعس في الدفاع عن مصالحها وخلق نظام تعددي الاقطاب في العالم وتفعيل القانون الدولي لتسوية الخلافات بين الدول والنزاعات المحلية والاقليمية، تكون ساحته منظمة الامم المتحدة. وان القوات المسلحة الروسية التي جابهت صعوبات بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ، استعادت قدراتها القتالية والتعبوية وحازت على انواع متطورة من الاسلحة وطورت ادارتها، ان مشاركتها في العمليات العسكرية بسورية واجهازها على هياكل داعش، برهنت على جودة السلاح الروسي المتطور الذي جربته لاول مرة هناك، فرفعت الروح المعنوية في صفوفها. وجربت روسيا خلال عملية القوات المسلحة حوالي 600 نوع من التقنيات العسكرية في ظل العمليات القتالية، بما في ذلك استعملت لاول مرة الصواريخ المجنحة " كالبير" ذات الملاابطة البحرية والصواريخ المجنحة Xـ101 ذات المرابطة الجوية. وثمة راي مفاده ان العقود على شراء الاسلحة الروسية التي برهنت على جودها في سوريا، ستزيد في السنوات القليلة القادمة، الى عدة مليارات دولار.

وتيسر لروسيا خلال العمليات العسكرية اقامة تحالف بمشاركة ايران وتركيا، الذي اخذ على عاتقه مهام تسوية النزاع في سوريا. وربما سيزيد هذا من ثقل روسيا في الشرق الاوسط. 

وخلال تلك الجولة السريعة التي شملت ثلاث محطات اقليمية هامة، رسم بوتين سياسته الاقليمية. وجددت موسكو من خلال نتائج محادثاته مواقفها المعلنة من قضايا التي تخص المنطقة وبالدرجة الاولي من اشتراطات التسوية الشرق اوسطية القائمة على الدولتين الفلسطينية والاسرائيلية، ورفض كافة الخطوات احادية الجانب بشان الحل النهائي للنزاع المستدام منذ عقود طويلة. وحذر بوتين ايضا من التداعيات السلبية التي قد تنجم عن قرار الرئيس الامريكي دولاند ترامب، الجائر، باعتبار القدس عاصمة لاسرائيل ونقل السفارة الامريكية الى هناك، وقال الرئيس الروسي ان هذا القرار يتنافي والقانون الدولي ولا يساعد على التسوية بل سيزعزع الاستقرار في المنطقة باسرها، وان روسيا ستشارك في اعمال قمة منظمة التعاون الاسلامي في انقرة، كونها عضو عضو مراقب في المنظمة. كما ان  التعاون الروسي مع كل من مصر وتركيا، اتسع الى افق جديد ليشمل الطاقة النووية للاغراض السلمية والتعاون العسكري الفني، وستبيع روسيا لتركيا الدولىة عضو في حلف الناتو احدث منتجات الدفاعات الجوية التي تفتخر بنوعيتها التقنية : اس   400    فضلا عن التعاون في المجالات الحيوية الاخرى.

ووفقا للمعطيات الرسمية فان الجيش السوري استرجع خلال عامين وبدعم القوة الجوية الروسية حوالي 1000 منطقة سكنية بما فيها مناطق ذات اهمية استراتيجية كمحافظتي حلب وتدمر. وما زالت داعش لحد اللحظة الراهنة تسيطر على حوالي 5% من الاراضي السورية.  وخسرت روسيا خلال العملية 37 قتيلا بالرغم من ان المصادر الغربية تقول ان العدد اكبر من ذلك، اذ يضاف لهم المتطوعون بصورة فردية والعاملون في الشركات الامنية. وفرضت السرية على معطيات تكلفة العملية، بيد ان هناك معلومات مختلفة تقدرها ب 2.5 الى 3 مليار دولار.

ويجمع المحللون العسكريون الروس على ان النتيجة الرئيسية للعملية العسكرية الروسية في سوريا هو احتفاظ الرئيس بشار الاسد بمنصبه. وعلى وفق تقديرات الخبراء فان روسيا برهنت بذلك على انها شريك جيوسياسي موثوق به، ولا يتخلى عن اصدقائه  وحلفائه  لمهب الريح. ويؤكد اؤلئك المراقبون ايضا على انه لايمكن التوصل الى تسوية سلمية فعلية للنزاع هناك من دون اجراء اصلاح سياسي واسع في سوريا.