الرئيسية » سياسة واقتصاد » كيف تغيرت قواعد الاشتباك بين سوريا وإسرائيل؟ – د. شهاب المكاحله
kyf_ttgyr_qwd_llb.jpg

كيف تغيرت قواعد الاشتباك بين سوريا وإسرائيل؟ – د. شهاب المكاحله

 

 فالرد السوري لم يكن ليكون لولا ضوء أخضر روسي انتقاما للهجوم الذي شنته طائرات التحالف على موقع للجيش السوري والروسي في شمال شرق سوريا والذي أسفر عن مقتل العشرات من الجنود السوريين وحلفائهم. كما أنه يأتي انتقاما لحادثة اسقاط الطائرة الروسية فوق إدلب من نوع Su-25 ومقتل قائدها بعد أن تمكن من الهبوط ليقاوم نيران جبهة النصرة التي قتلته بعد أن استنفذ ذخيرته.

باختصار فإن حادثة اسقاط طائرة من هذا النوع الذي يعتبر فخر الصناعة الحربية الاميركية يعني أن قواعد الاشتباك قد تغيرت بين سوريا واسرائيل وأنه لا بد من أن تحسب تل أبيب كل الخيارات الآن خصوصا وأن الحادثة هي الأولى من نوعها منذ 30 عاماً. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي حدث؟ يبدو أن روسيا قد غيرت مزاجها العسكري  اليوم وأرادت ان تعطي إشارات للجميع في المنطقة وفي العالم أنه لا عبث معها بعد اليوم لأن المضادات الارضية السورية روسية الصنع وُضعت تحت إمرة الجيش السوري.

أدرك الروس اليوم أنه كان عليهم استخدام تلك الصواريخ لتغيير قواعد اللعبة. فرقعة الشطرنج السورية مكشوفة للطيران الإسرائيلي وغيره لكنها اليوم باتت غير ذلك وأنه على الجميع أن يحسب حسابه في حال التفكير في اختراف المجال الجوي السوري. لم ترد موسكو ودمشق في بداية الأحداث الصدام مع تل أبيب وواشنطن بنشر وتفعيل كل بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات وغيرها، ولكن اليوم وفق ما نشرته صحيفة “هآرتس” فإن تل ابيب عليها أن تعد للألف قبل أن تقدم على التصعيد مع سوريا لأنها تعلم أن إسرائيل قد تبدأ الحرب ولكنها ليست هي من ينهيها. ولعل تحطم الطائرة الإسرائيلية فوق الجولان يعني أن الصواريخ قد نصبت في مكان قريب من الحدود السورية الإسرائيلية وأنها متحركة.

وكان الطيران الإسرائيلي في الماضي يفاخر بأنه يقوم بالإغارة على مواقع للجيش السوري وحلفائه دون رد واليوم بات يحسب كل الحسابات لدرء المخاطر التي قد يتعرض لها طياروه وشعبه الذي تم إجلاؤه من مناطق قريبه من الحدود وفتحت الملاجئ على مدار الساعة.  كل ذلك ولما تبدأ الحرب الحقيقية. وهذا ما أثار حفيظة الإعلامي الإسرائيلي حين أعلن الناطق باسم الجيش الاسرائيلي عن “هجوم على اسرائيل”حاولت تنفيذه طائرة ايرانية بلا طيار وتم اسقاطها قبل توجه سرب من مقاتلات سلاح الجو الاسرائيلي لقصف المنطقة التي انطلقت منها الطائرة.

 من المهم هنا أن يعي القارئ أن التطور العسكري هذا هو منعطف مهم جدا ليس على الجبهة السورية الاسرائيلية فحسب بل على جميع الجبهات مع إسرائيل ما قد يحرج الدول التي تسعى للتطبيع مع تل أبيب ويعطل عقارب التطبيع اقتصاديا وسياسيا وأمنيا واعلاميا واستخباراتيا لما ينطوي عليه من مخاطر كبيرة على مستقبل تلك الدول خشية حدوث ربيع أسوأ من “الخريف العربي” ذي السبعة أعوام.

لقد وصلت غرفة العمليات العسكرية ( Military Operations Center) في الأردن معلومات تفيد بأن الموقف “قد تأزم بشكل مفاجئ على الجبهة السورية الإسرائيلية” ما يقود إلى احتمالات تصعيد أكبر في حال قيام الطيران الإسرائيلي بالإغارة مستقبلا في العمق السوري لتغيير المعادلة لصالح المعارضة المسلحة أو لإطالة أمد الحرب والصراع في سوريا.  إذ رصدت غرفة العمليات نيرانا كثيفة للجيش السوري ما يعني أن سياسة ضبط النفس التي كانت تحكم دمشق قد خرجت عن الإطار المرسوم لها بعد ان منحت موسكو الضوء الأخضر لدمشق بالرد على أي تحرش إسرائيلي وخصوصا بعد فشل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موسكو قبل عدة أيام.

لقد فشلت تل أبيب في تعزيز مواقع المعارضة المسلحة كما أنها فشلت في كسب تأييد العالم بعد حادثة إسقاط الطائرة وهي التي باتت تنادي الدول الكبرى بالضغط على سوريا بضبط النفس وعدم التصعيد. نعلم أن إسرائيل تريد أن تشن عدوانا على لبنان وعلى سوريا وعلى غزة ولكن ما لا نعلمه أنه هل يمكن لإسرائيل شن تلك الهجمات دون ضوء أخضر أميركيا؟

وقال مُحلل الشؤون العسكريّة في شركة الأخبار الإسرائيلية (Channel 12& 13)، روني دانييل، أن ما حدث يُعد تحولا إستراتيجيا في قواعد الاشتباك على الجبهة الشمالية مع إغلاق تل أبيب مطار اللد الدولي (بن غوريون)، لعدة ساعات.

كما أن المجلس الوزاري الأمني-السياسي المُصغّر الإسرائيلي يعقد لأول مرة منذ سنوات لبحث التطورات على الجبهة الشمالية.باختصار فإن روسيا قد انتقمت لطيارها ولإسقاط طائرة Su-25 بإسقاط طائرة  F-16 الأميركية الأكثر تطورا وكانت تلك العملية بمثابة رد اعتبار وأنه لا مجال للتهاون في كل محاولة لتهديد أمنها وأمن جنودها في سوريا أو في أي مكان من العالم كما كانت الإشارة الأقوى من سوريا لإسرائيل بأن زمن العربدة قد ولَى وأن فجرا جديدا قادم لا محالة وأن سوريا ستنهض من رماد الحرب العالمية الثالثة على أرضها وشعبها. إذا ما استمرت إسرائيل في تفادي التحذيرات الروسية والسورية فإن حربا في الجبهة الشمالية ستندلع ولن يستطيع أحد ايقافها وعندها ستتعرض “صفقة القرن” إلى صفعة سياسية وعسكرية.

د. شهاب المكاحلة