الرئيسية » حضاريات » جذور الحكاية الشعبية وفنونها – عبد الله البردوني / الجزء الاول
العهود العربية أو الشرقية

جذور الحكاية الشعبية وفنونها – عبد الله البردوني / الجزء الاول

العهد الثالث عهد التحضر أو الحديث زمن الفكر، ومن أهم آدابه المسرحية لامتزاج فنيتها بعناصر الفنون الموروثة من العهدين عن رؤية فكرية تجريبية.

ولعل هذا التقسيم ينطبق على العهود الأوربية، أما العهود العربية أو الشرقية فلا تخضع لهذا التقسيم، ولعل عهدها الأول عهد الإشارات ثم الأساطير ثم العهد الغنائي المعبّر عن أهواء النفس الجماعية أو الفردية، ثم استمرار الغنائية مصاحبة لآلة بسيطة أو قائمة بذاتها على تعاقب الأديان بمختلف اعتقاداتها، وعلى تعاقب فترات الجاهلية. ويمكن أن يلي عهد الإشارات والأساطير عهد الأديان ثم الجاهلية الأولى ثم النبوة الإبراهيمية، ويستمر هذا العهد حتى ميلاد المسيح، ثم تأتي الجاهلية الثانية من القرن الثالث الميلادي وفيه سادت الوثنية والمجوسية والكواكبية مواكبة للموسوية والمسيحية على شبه جزيرة العرب وعلى أكثر بلاد ما بين النهرين. يلي الجاهلية الثانية العهد الإسلامي وكان الفن الغنائي على مختلف إيقاعاته الحماسية والعاطفية هو التعبير الوحيد عن الأشواق الإنسانية وإلحاح الواقع الهش، وقد تمكن هذا الفن الشعري الغنائي من نقل الأحاسيس الفردية وتصوير الأحداث القبلية والفرقية، ثم أحداث الأمة عندما اشتبكت بما حولها من الأمم أيام الفتوحات وأيام ردّ الغزوات، وكان هذا الفن الغنائي يتطور من داخله، عن تأثير القرآن والسنّة وثقافة الأمم المفتوحة، فانتقل من الفطرية إلى الوجدانية الذاتية، ثم الوجدانية العشائرية، ثم الوجدانية الشعبية عندما أصبحت الخلافة ملوكية تناوئها تنظيمات شعبية، كالخوارج والعلويين والزبيريين… وكانت اليمن أميل إلى العلويين لحرمانها من السلطة بعد انهيار حضارتها.

وكانت فكريات الشعر الغنائي تتنامى بمقدار تزايد الأمة، وبمقدار رقي الحضارات، ومع هذا الفن المتطور تطورت الحكاية الشعبية من أساطير أو شبه أساطير إلى أخبار أو شبه أخبار كوّنت التاريخ وطوّرت الفن الحكاياتي: كرحيل بلقيس إلى «أورشليم سليمان» على جناح عفريت سمّته الحكايات «آصف»، وكطيران «معبد القمر» بمأرب ليلاً، وكشقّ الملائكة قلب النبي محمد وغسله من الأدران البشرية، حتى وصلت أطوار الحكايات بداية نضجها كما في «ألف ليلة وليلة» وكما في «سير الأنبياء» للثعالبي، ثم انتقلت القصة من الرواية السردية إلى التمثيل في القرن السادس الهجري، كامتداد لمواكب الخلفاء وحوار مضحكيهم من الظرفاء،

وكان أول من مسرح الحكاية هو أديب ماجن كما وصفوه يسمى محمد بن دانيال الموصلي، الذي لجأ إلى مصر أيام الغزو التتري للعراق عام 665 هـ، وفي مصر قدّم مسرحياته فتساءل الحكام الأيوبيون ووزراؤهم عن تحليلها وتحريمها، ولما شاهدوها وجدوها تقصّ العظات والعبر وانقراض الممالك وإدالة الدول.

 

غير أن هذه لم تكن كل الأعمال وإنما كانت هناك مسرحيات تسلية لا تخلو من عظة، أو مواعظ لا تخلو من تسلية، وكانت تسمى المسرحية «بابة»، وكان يسمى ذلك بالفنّ السامر، وأشهر تلك المسرحيات أو التمثيليات ثلاث: «طيف الخيال»، «عجيب وغريب»، «المتيّم والضائع اليتيم»… إلى جانب تمثيلية «لعب التمساح» و»لعب المنار» و»حرب العجم». وكانت  «لعب التمساح» عن فلاح ضاق به مجال الرزق في الأرض، فتحول إلى صياد، وكان أول صيده تمساح ابتلع صياده الفلاح حتى رأسه، فاستنجد الصيادون بساحر مغربي أخرج الفلاح من بطن التمساح.

– يتبع….