الرئيسية » اكتشف روسيا! » جمالية الخط العربي و اللوحة الحروفية – رياض كاظم عويضة
istoriya_arabskoy_kaligrafii001.jpg

جمالية الخط العربي و اللوحة الحروفية – رياض كاظم عويضة

مع ظهور الدعوة الاسلامية بدأ الحرف العربي كحالة تقديس إلى جانب كونه عنصرا زخرفيا ، فقد دوِن فيه القرأن الكريم، وكتبت به الكتب واللوحات، وفي الوقت ذاته نقش على السيوف والافاريز والمباني والمحابر والثياب والأواني والمفاتيح وشتى مرافق الحياة.  لعل السبب الأول في ازدهار وتطور الخط العربي هو الاعتقاد بتحريم الرسم عند المسلمين وهو من اهم العوامل التي ساعدت على الاهتمام بالحرف العربي تعويضاً عن التخلي عن التصوير. وهكذا اتخذ الفنان المسلم الحرف العربي وسيلة للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى، ومفردة للإبداع . اما في وقتنا الحاضر فقد وظف الحرف العربي وفقاً لما تقتضيه التيارات الفنية الحديثة، لما يمتلكه من مطاوعة في التكوين، وقد شكل استخدام الخط العربي ومفرداته عنصراً تشكيلياً مهماً في اللوحة بل واصبح ظاهرة وسمة الفن الاسلامي .

إن في تنوع وتعدد أشكال الخط العربي ميزة فنية جمالية تشكيلية قد لا نجد لها مثيل في الخطوط اللاتينية . وذلك أن الاهتمام الذي أولي بالخط العربي كان كبيراَ جداً ، وبالتحديد مع ظهور الدعوة الاسلامية التي حرمت التعامل مع التصوير المشبه . مما حدا بالمسلمين إلى الاهتمام بالخط وتزيينه كبديل عن الرسم آنذاك ، فدخل   في كل وسائل التزيين والزخرفة ، في المنزل وفي المسجد وفي الدواوين المخصصة للاستقبال . وفي الأربعينات من القرن الفائت ذهب بعض الفنانين العرب إلى البحث عن هوية للفن العربي فخاضوا غمار التجربة الحروفية التي بدات تتفاعل شيئاً فشيئاً حت أصبحت مع نهائيات القرن محط أنظار النقاد والفنانين. وأصبح التساؤل: هل يمكن أن يكون هذا الاتجاه الفني المستحدث على اللوحة التشكيلية هو الهوية الفنية العربية الجديدة ؟

   ولكي نفهم هذا التيار الفني  لا بد من التعرف على تفاصيل وأشكال الخط العربي التي أصبحت أسس جمالية طبعت العديد من فنون العرب وبعض الفنون الغربية ، وقد سمحت هذه الأسس للخطاط أو الفنان بأن يجتهد شخصياً حتى أصبح هناك أنواع خطوط خاصة ببعض الخطاطين أنفسهم .

   في الخط العربي جمالا معنويا مضافا يدركه المرء ببصيرته قبل بصره وهذا الجمال المعنوي هو فوق القواعد الخطية وهو ايضا غير تناسب الحروف والكلمات , تلك هي روح الجمال او بعبارة اخرى عبقرية الجمال ولا يدرك هذا الجمال المعنوي ولا يفهم جاذبيته الا من علا . لقد ادرك الفنان المسلم ما للجمال من وقع في النفوس فسخر اقلامه لتزيين الايات الكريمة فاطرب العيون بروعة ابداعاته التي اسلتهمها من جمال روحه ورقة عاطفته.

 

–        لمحة عامة عن الخط العربي :

[ ما قيل عن تاريخ ونشأة الخط العربي كثير. ومن هذا الكثير ما يذهب إلى التأويل الأسطوري , فأبو اسحق كعب بن مانع الملقب بكعب الأخبار, يذهب إلى أن أول من كتب بالعربية هو  "آدم" و يذهب إبن عم النبي (ص) عبد الله بن عباس إلى أن أول من كتب بها و وضعها هو ابراهيم الخليل  . وهناك العديد من الروايات التي تزعم بوجود العديد من الأسماء التي كتبت بالخط العربي.

ولكن من الضروري أن ناخذ بعين الإعتبار رأي المسعودي الذي نسب نشأة الخط العربي إلى إدريس بن نوح، ويرى ابن النديم بأنه ولد في العراق ومنه انتقل إلى الأنبار وانتشر عنها . و يخالفه في ذلك ابن خلدون  إذ يرى أنه ينتسب إلى الخط الحميري الشائع في اليمن و يسمى بالخط "المسند" .]

والحرف عالم شاسع رحب يختزن في ثناياه تاريخ الشعوب الإسلامية ويوحدها باختلاف لغاتها ولهجاتها ولكناتها، ويبقى الحرف المفتاح الأهم لذاكرة الأمة وخزائنها الثقافية ورمز لعظمة الرسالة المحمدية. (شكل رقم 1)

    كان يعتبر الخط عنصراً من عناصر الحياة الدينية ، يتحول فيه الخطاط إلى مسبّح ومبتهل، وكثيراً ما رأينا أن معظم لوحات الخط هي عبارة عن آيات وأحاديث نبوية ، أو تمجيداً لرموز دينية معينة ، فيكون الخطاط في هذه اللحظة يؤدي وظيفة عبادية إلى حدٍ ما. 

  تقول المصادر أن أول من وصلت إليهم الكتابة العربية القديمة قبل الاسلام هم أهل الحيرة والأنبار ، ومنهم شاع في الحجاز ثم في مكة المكرمة وفي المدينة المنورة . وقد كان النبي الكريم(ص) يحث المسلمين على التعلم والتعليم، فكان الحافزالأهم على تهافت العرب والمسلمين على تعلم الكتابة والعلوم المختلفة، " ليس مني إلا عالم أو متعلم " و " أطلب العلم ولو في الصين " . 

–         أنواع الخط

[الخط الكوفي : لعله أهم الخطوط وأقدمها لذا يجدر التعريف به . فقد ذكر صاحب " صبح الأعشى " أن الخط الكوفي يرجع إلى أصلين هما التقوير والبسط ، أي اللين والمزوي  وعلى ترتيب هذين الأصلين وجدت الأقلام " وهي موجودة حتى الآن " وقد ذكر أبو حيان التوحيدي أن قواعد خط الكوفي ترتكز على اثنتا عشر قاعدة هي : الاسماعيلي ، المكي ، المدني ، الأندلسي ، الشامي ، العراقي ، العباسي ، البغدادي ، المشعب ، الريحان ، المجود والمصري .

 ولعل أهم انواع الخط العربي المعروفة هي الرقعة والنسخ والديواني والجلي الديواني والثلث والمحقق والريحاني والإجازة والفارسي .(شكل رقم 2)
من هذه الخطوط ما هو سهل ممتنع وما هو صعبٌ بلوغ قمته كخطي الثلث والنسخ اللذين يعدان من أصعب الخطوط. (شكل رقم 3)

وبالنسبة للخطوط المشرقية الكلاسيكية تحديداً لها قواعد وموازين نقط ، أما الخطوط المغربية اللينة فليس لها قواعد مضبوطة بموازين نقط وليست مُعَقَّدة. أما الخطوط الكوفية فمعظم الخطوط الشهيرة المغربية منها تكتب بأقلام القصب كالكوفي القيرواني وهو خط جميل جداً , وأما الخطوط الكوفية المشرقية فتكتب رسماً بأدوات هندسية كالخط الكوفي الفاطمي والأيوبي والأندلسي والأموي. ( شكل رقم 4)

أما رواد الخط العربي فمن أهمهم :  أبن مقلة  توفي في بغداد سنة 272 هجري . 889 ميلادي  ،  ابن البواب في النصف الثاني من القرن الهجري وقد توفي في بغداد وهناك  ياقوت المستعصمي  توفي في بغداد أيضاً سنة 698 هجري ، ومن الخطاطين العثمانيين الذين تركوا آثاراً رائعة   الشيخ عبد العزيز الرفاعي , الشيخ حمد الله الأماسي  وحامد الآمدي  .

–         جمالية الخط العربي

إن للخط العربي جمالية تغنى بها الفنانون والشعراء ، وقد ادخله مهندسو الديكور في عالم الزخرفة حتى أصبح فناً قائماً بحد ذاته وله تسميته الخاصة التي لم تترجم إلى اللغات الأخرى فبقيت محافظة على جذورها العربية  ARABESQUE– أرابسك .

[ يقول الكاتب جون د. هوغ عن قصرالحمراء "إن هندسة هذا المبنى العظيم ينتهي به الامر إلى الاختفاء أمام عظمة الزخرفة والخطوط ، ويقول أبو حيان التوحيدي "إن للخط الجميل وشيا وتلوينا كالتصوير وله التماع كحركة الراقصين وله حلاوة كحـلاوة الكتل المعمارية".

والجدير بالذكر أن الفن الاسلامي يعتمد بصورة واضحة على الحرف العربي،  ويؤلف معه ذلك الترتيب الفني الذي ترك بصماته على سائر الفنون، فلا ينفصل عن الزخرفة والموزاييك والعمارة والمشربيات والموسيقى الشرقية برمتها وسائرالمنتجات الحسية سمعية كانت أو بصرية. (شكل رقم 5)

فللحرف مكانة سامية روحية وهو رمز الكلمة ، ذو قابلية للتطويع ، لذا اُعتمد عليه في اللوحة التشكيلية الحروفية لجماليته الخاصة المميزة .

  إن الخط العربي اليوم أفضل من الأمس من حيث وجود الكتب ووجود الإعلام الذي صار يهتم بالخط والخطاطين ووجود مجلات تعنى بشؤون الخط كمجلة حروف عربية  ووجود المسابقات الدولية التي شجعت الخطاطين ومحبي الخط على الحفاظ على هذا التراث العظيم . أما المخاطر التي تهدد الخط فهي العولمة ومنها قيام بعض الفنانين بتشويه الخط العربي تحت مسميات التحديث تارةً وعالمية الفن تارةً أخرى . كما أن الحاسوب لا يخدم رهافة التعبير وعفوية الأحاسيس .

إن نقل اللوحة من الطابع التقليدي إلى نوع من الحداثة دون الخروج على القواعد أو التخلي عن القراءة اللغوية الصحيحة ومضمونها والربط بين الشكل والمضمون أمر جيد . كما حاول بعض الخطاطين ، وإن كان على غير المستوى المطلوب لبدائية التفكير ، كمن كتب " أسد الله الغالب " على شكل أسد . وهناك جمال خارجي وجمال داخلي للخط الذي أوجد طبيعة جديدة نابعة من داخل الفنان نفسه من خلال جمالياته المتعددة بتعدد خطوطه ، والتي أوجدت نوعـًا من الترابط بين الشكل والمضمون . وينظر الكثير من الناس إلى الخط من خلال محلات الخطاطين التجارية ، ومعلوماتهم التاريخية الخاطئة ، أو من خلال باحثين ليس لهم صلة بفن الخط . ونقد اللوحة الحروفية يتلخص في سلامة القواعد الفنية والتأليف وتوزيع الفراغات والمساحات والكتل دون النظر إلى أهمية الخط وقواعده . وفي حين طوّر البعض تجربته وأغناها بالبحث والتجريب الدائمين , سقط البعض الآخر في النمطية والتكرار والشخصية المغلقة .

اللوحة الحروفية

كان الحرف في بدايته وسيلة للكتابة والاستفهام وحالة لغوية بين الناس ، ولكن هذه الحاجة تحولت فيما بعد إلى حالة جمالية وفنية مميزة ، وخاصة مع الحرف العربي التي شهدت مسيرته محطات كثيرة أغنته وأثرت فيه من زوايا مختلفة ولاغراض مختلفة، فالحرف العربي يوازن ما بين الموسيقى والرسم . (شكل رقم 6)

كما للحرف حركات موسيقية مختلفة ، سمعية " ادغام ، غنة ، مد ، وصل ،خفيف وثقيل " كذلك نجد أن هذه الحركات هي بصرية أيضاً ، إذ تتفاعل هذه الحروف مع بعضها في اللوحة فتألف تشكيلاً جمالياً يحسه الناظر وكأنه قصيدة بل ملاحم شعرية ، ذات رنات وأنغام بصرية  وأشكال تتفاعل بتناغم وإيقاع .

و يرى الفنان محمد خارشو في أحد المقابلات الصحافية أن الخط يمر في أثناء الصناعة بألطف ما يجد من الحس في الحس، ولطيف الحس متصل بالنفس اللطيفة، وكما يخـضع نظام الأحرف لآلية تشكيلية متفردة، إذ تختفي أجزاء من الأحرف حسب موقعها من الكلمة فتخرج الاحرف من طابعها الثابت إلى الطابع التشكيلي المرن، هذا ناهيك عن لا نهائية الاشكال التي تتولد من كتابة كلمة ما بانواع الخطوط العربية أو حتى ضمن النوع الواحد . والحروف ذاتها مشتقة بصريا من أشكال مادية ورمزية ودلالية أو وصفية كحرف العين المأخوذ من العين البشرية كعضو جسماني، ومنها العين الصادي "من فم القطا والعين الفنجاني والثعلبي والثعباني، حتى في حالة معينة للحرف وفي خط واحد للحرف عدة هيئات يظهربها. فهو مادة طيعة قابلة للتكون ومفتوحة الإمكانية على لا نهائية الأشكال، مما يجعل لكل نص أدبي نصا بصريا يوازيه، ربما صنوه، ولعل التصدي للحديث عن الحروفية هو أشد الاموراضطرابا في مجال الخط العريي،  ذلك لاختلاف مرجعية كل تجرية وأهدافها وتقنياتها ومشاربها ] [1]

ومع نهاية القرن الماضي ، وعندما كثر التساؤل عن الهوية الذاتية للفن العربي ، لجأ  العديد من الفنانين إلى الخط العربي لينهلوا من مميزاته الجمالية وأضافوها إلى أعمالهم الفنية ، محاولةً منهم العود إلى الأصول التاريخية للفنون العربية والرد على المفاهيم الغربية المستوردة . (شكل رقم 7)

والجدير بالذكر أن الصعوبة التي واجهت الفنانين الحروفيين كبيرة ، وذلك أن اللوحة التشكيلية الكلاسيكية لها ميزات مختلفة ، فهي ثلاثية الأبعاد وتخضع لشروط التأليف الفني وتقنيته . أما موضوع الحرف فمختلفُ جداً ، فهوعنصر تجريدي ذو بعد واحد ولا يخضع لنفس الشروط الأكاديمية الجمالية ، من هنا يصبح الحروفي أكثر حرية وغير مقيد بالمعطيات الكلاسيكية والأكاديمية في لوحته الحروفية .

ويرى الفنان التشكيلي محمد غنوم أن الخط العربي هو أحد المجالات في الفن التشكيلي ، بل هو الفن التشكيلي العربي الأصيل الذي وضع أسسه الجمالية فنانون عبر أجيال متعاقبة فوصل إلى أعلى درجات السموّ الفني .

إذن الحروفية العريية فن ثنائي الروافد: رافد بصري شكلي ورافد دلالي عقلي: فالرافد البصري هو الرافد ذو المرجعية المادية الشكلية كقواعد الخط وآلية اللغة. والرافـد الدلالي هو المحمول الأدبي والمعاني المنبثقة من الكلمات والأحرف. فاللوحة الحروفية ذات وجهين الأول اللوحه التشكيلية بمشروعها الذي قطع أشواطا من المدرسة الكلاسيكية، ومرورا بالتأثرية والواقعية والانطباعية والتعبيرية وصولا إلى التجريدية . وعالم لوحة الخط بما تنضوي عليه من معاني وأحاسيس وجماليات بعيدة عن القياسات والقواعد .

هناك الكثير من اللوحات الحروفية الحديثة لا تتمتع بأي قدر من الصوفية بل هي تشويه للخط والحرف تحت مسميات واهية . [ أما إذا كانت اللوحة الحروفية ذات قواعد خطية مدروسة، وذات تراكيب غير مألوفة شريطة التقيد بشكل الحرف الحقيقي، فعندئذٍ يكون التشكيل في الخط مقبولاً وبناءً وسائراً على الطريق الصحيح . (شكل رقم 8)

   لأن سقوط الشروط الأكاديمية تبريراً للتجريد المطلق في الخط ، يجب أن لا يكون سبباً للابتعاد عن أصول الحرف وأشكاله الصحيحة .  

–        حروفيون

لا شك أن بعض التجارب الفنية في اللوحة الحروفية اتجهت إلى خلق مناخ فني  جديد وناجح ، والبعض  حاول المحافظة المطلقة على ذاتية الحرف العربي وإدخاله في عالم اللوحة التشكيلية كعنصر أساسي في نغمه ولحنه ومدّاته . ولعل جماعة البعد الواحد الذين استلهموا صوفية الحرف وقيمته المقدسة  تجاوزوا القواعد التي اعتبروها نظاما صارما يقف حائلا أمام الخلق والابداع الفني، فما على الفنان إلا المزج بين العطاء الذاتي والقواعد. فيكون العمل الفني رموز وصيغ بصرية تأتي عفوية  وغير خاضعة للمفاهيم والاعراف والتقنيات الخطية المتعارف عليها . وهنا يخرج الفنان من القالب الكلاسيكي للحرف ويذهب به بعيداً ، حتي يصبح مجرداً تجريداً كاملاً . فيتحول من غاية توثيقية إلى حالة ابتكار جديد ووسيلة تجلِ لمعاني خفية خاصة لدى الفنان ، من هؤلاء الفنانين ، سعيد عقل. الذي جرد الحرف حتى من شكله المجرد شكلا ووسيلة، فأصبحت خطوطه أشبه بخيط أو حبل ينحدرعموديا، يتعقد ، يتموج ويتدلى .

إلا أن تجارباً أخذت الحرف كقيمة "جرافيكية " تصويرية لها ممارساتها الشكلية المنحنية أو المتكسرة وقيمها التشكيلية كتجربة نجا المهداوي التي أخذت إيقاعات الأسياف والخناجر والحروف المنحنية المتكسرة، كالخطوط الكوفية وبعض أنواع الديواني، لتخلق حقولا نغميه "جرافيكية " تصويرية .

وهناك الفنانين : حامد عبد الله ويوسف سيدة ومحمد طه حسين وسامي رافع وسعد كامل ومحمد الشعراوي وخميس شحادة من مصر؛ وعبد اللطيف الصمودي وأسعد عرابي وسامي برهان وعيد يعقوبي وتركي محمود بك ومحمد غنوم وسعيد نصري من سوريا ؛ ومهدي مطشر ورافع الناصري وفائق حسن وضياء العزاوي وجميل حمودي من العراق ؛ ومحمد المليحي من المغرب ؛ ونجيب بلخوجه من تونس ؛ ومحجوب بن بلا وطاهر ومان من الجزائر ؛ وأحمد عبد العال واحمد شبرين من السودان ؛ وعارف الريس وسامي مكارم  ووجيه نحلة من لبنان ؛ وغيرهم من الفنانين الذين اتخذوا الحرف مفردة أو عنصراً تشكيلياً أساسياً لخلق قيم جمالية وتجليات تشكيلية ذات طبيعة رمزية وتأملية , وأبعاد روحية وحضارية لها جذور تاريخية في التراث الفني العربي وتدور في أجواء ومناخات الحداثة العصرية . ( شكل رقم 9)

وفي الواقع يلعب الفنان على تغيير ديناميكية الحرف وإعادة تشكيله ، متجاوزاً النظام البصري المعروف ويجنح كثيرا في تجريد الحرف واستخدامه كمفردة بصرية رمزية كالفنان محمد المليحي الذي حوّل الحرف إلى موجة لونية أو حساب هندسي لوني دقيق فيه التردد النغمي اللوني، أو الصدى اللوني العالي الذي يختلط فيه الصوت "المصدر" مع صداه موجدا صورا وحدودا وهميه وتجليات للحرف .  

وهناك العديد من التجارب استلهمت الحروفية من زوايا مختلفة وتقلبات الحرف وأنواعه ، فاتخذ الحرف مكانا إلى جانب الرمز والشكل واللون ، إضافة إلى استعمالاته الكتابية والتوثيقية ، ولكن معظم هذه التجارب ابتعدت عن الشروط التأليفية للحرف . إذ أنه لا بد من فهم سمات كل فن من هذه الفنون على حدة، والتمكن من أدواته للخروج بنتيجة فنية مبدعة ، وذلك بتناغم دائم بين القواعد التشكيلية والقواعد الحروفية ، فالكثير من تجارب الخطاطين الحروفية وقعت في مطب الجهل التشكيلي بشتى قراءاته فخرجت اللوحة هزيلة تعاني ضعف الصياغة وسذاجة التعامل مع معطيات بناء العمل الفني التشكيلي .

ولا تختلف الحال عند الفنانين "الرسامين" الذين أقحموا الحرف في أعمالهم فخرجت اللوحة خالية من الشروط الأكاديمية لفن الخط وعاجـزة عن استلهام مكامن الجمال في الحرف.

على هذا يقول الفنان الاماراتي محمد مندي [ من هنا يُرى أن اتجاه بعض الفنانين التشكيليين إلى استخدام نماذج الخط العربي دون الاعتماد على قواعده ، ليس له علاقة بالفن وخطأ لا بدّ من مقاومته .

– الحروفية والحداثة

تبقى اللوحة الحروفية محوراً لبعض النقاد الفنيين الذين اهتموا بالفن العربي الحديث والمعاصر . هذه اللوحة التي بدأت في الأربعينات ، ولكنها لم تنل نصيبها من النقد والمتابعة ، لذا كان من الطبيعي أن تقتصر على التجارب الفردية بدل أن تتحول إلى فن قائم بذاته ذو هوية فنية ثابتة وواضحة .

وتجدر الاشارة هنا إلى أن الحروفية جاءت متزامنة مع القصيدة العربية الحديثة، والقصد هنا أن القصيدة الحديثة نالت من الجدل والنقد ما يكفي ، وكانت تذكرنا بردة الفعل على اللوحة الانطباعية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين .

واقتحمت القصيدة العربية الحديثة ميدان الأدب الحديث وغدت الصورة الشعرية الحديثة تطغى على القصيدة الكلاسيكية المقفاة ، مما حدا بكل شاعر عربي معاصر أن يطرق باب الحداثة ، حيث ظهر ما يسمى بالشعر النثري أو الحديث .

هذا التحديث ، ترك أثره في الفن فنشأت اللوحة الحروفية التي اعتمدت على الحرف بالدرجة الاولى كأهم العناصر الفنية التأليفية  

من الفنانين الذين خاضوا غمار هذا الفن ، نذكر على سبيل  المثال لا الحصر : أحمد المفتي – محمد قنوع– حميد عجمي– توحيدي طبري– عدنان الشيخ عثمان– أحمد إلياس– محمود برجاوي- سلوى روضة شقير- جميل حمودي – محمد حمام – محمد غنوم … والعديد من الفنانين المعاصرين . (شكل رقم 10)

وقد تنوعت أساليب تناول هؤلاء الفنانين للحرف العربي في اللوحة التصويرية تنوعاً شديداً حتى أنه ليصعب القيام بتصنيف دقيق لهذه الأساليب إذ نجد أن فئة من الحروفيين التزمت القرب من المفهوم التقليدي لبنائية الخط وحافظت على تقاليده العامة , وجماعة أخرى وظفت القيمة البصرية للحرف حيث أدخلوه في السياق العام للوحة ليصبح عنصراً أو علامة بارزة فيها . ومجموعة أخرى أبقت على النص مقروءاً محتفظاً بقيمته المفهومية والبيانية إلى جانب التشكيلية حيث يتساوى الشكل والمعنى في الأداء جنباً إلى جنب .  وقد وظف بعض الفنانين النص العربي كنسيج خطي يملأ اللوحة كلها ويكون منفرداً في فضاءها التشكيلي دون الالتزام بأي قواعد في رسم الخط وأي دلالات بيانية أو مفهومية ؛ وهناك أعمال أخرى اتجهت إلى الاختزال في بناء لوحات حروفية   اعتمدت على فن الخداع البصري وأخرى جمعت في اللوحة الواحدة بين النص المقروء والنص غير المقروء مع تحوير الخط إلى اشكال نباتية وحيوانية وإنسانية .

– الحروفية وتناقضات فناني الحرف

  للخط العربي خاصيته وأسسه وهو يقوم على ميزات عديدة  ، ومن أوسع التيارات التشكيلية مدعاة للجدل في السنوات الأخيرة مسألة اللوحة الحروفية إذ لا ينقضي شهر إلا وينتظم معرض حروفي في هذه المدينة أو تلك، والنتاج الحروفي حاضر في البيت والمطار والإدارات الرسمية وفي الهواء الطلق والمتاحف .

وعند المراجعة للكثير من نشرات وكتيبات معارض الحروفيين نجد أن بعض هؤلاء الفنانين مجرد استغلاليين للحرف العربي ولأغراض تجارية محضة فمنهم ما كان يلصق الحرف العربي بلوحته كيفما اتفق دون مشقة البحث والابتكار . كما نجد في نشرات وكتيبات أخرى ما يمنحنا الثقة بهذا  الفن لدى مجموعات قليلة من المبدعين . فنقطة القوة في الحروفية العربية هي أنها تربطنا بتراث أصيل غني متجذر في البيئة والتقاليد .  

    والحروفيون العرب إجمالا يستعيدون صلتهم مع الماضي أي مع بعض القواعد الجمالية العربية القديمة ، وبرغم كل ما يقال عن صلة الحروفية بماضي فنوننا الجميلة فثمة اعتقاد مفاده أن الحروفية العربية المعاصرة تُنتج فنا قائما علي قواعد الرسم الغربية ولكن أي الحروفية رغم ذلك تبقى الصيغة الأكثر تداولا الآن من اجل تطهير النفس العربية من إثم تخليها عن فنونها القديمة واعتمادها للتقنية الغربية في الرسم والتصوير في بداية القرن العشرين . (شكل رقم 11)

 

   وتقع مسئولية كبيرة علي عاتق الحروفيين العرب ، ليجعلوا من هذا الفن ، الصيغة المعاصرة ، صيغة تشق لنفسها حالة متفردة ضمن حركة الفن العربي الحديث لتتميز إسهاماتها . وعلى الحروفيين تعميق أبحاثهم لأنها ما تزال رغم مرور أكثر من نصف قرن علي مولدها تحتاج إلى مضمون مكثف وأبحاث معمقة .  وفي مقابلة تلفزيونية على قناة الجزيرة  يقول الباحث وفنان الخط العربي "يوسف ذنون" [ الحروفيون ليس لهم علاقة بالخط العربي ، إلا القليل منهم . والغالبية من الحروفيين لا يجيدون الخط ، وإنما استعملوا الكتابة الاعتيادية التي هي صورة باهتة للخط وأدخلوها إلى لوحاتهم.

أما تحول الخطاط المتقن إلى بعض التجارب الحروفية ، فقد تعطي شكلاً جماليـًا مقبولاً ، كما حدث مع الفنان " خليل  الزهاوي " ، فهو فنان تشكيلي إلى جانب كونه خطاط متقن . أما الأتراك فقد اعتنوا بالخط العربي ، ولم يتجهوا إلى الحروفية ، إنما بذلوا الجهد في لوحات خطية بارعة المستوى ، والخطاط الفنان لا حد لإبداعه ، فالبسملة مثلاً من العهد النبوي إلى الآن مازال الخطاطون يبدعون فيها ، فلا حدود للفن والتطور والابداع .

 

– عَلاقة الحَرْف العربيِّ والفن التجريدي

في الحقيقة أن الحركة التجريدية استلهمت وأخذت من الخط العربي والزخرفة الاسلامية الكثير. وما الفنانين بول كلي وكاندنسكي وخوان ميرو وموندريان إلا رواد  للحركة الحروفية في العالم ، وهم الذين استلهموا من الشرق وأخذوا عنه ومنه الأصول  الأولى للتجريد . (شكل رقم 12)

   والتجريد يعتمد على عنصرين: اللون والشكل، في حين أن الحرف العربي يعتمد على أربع دعائم: الشكل، واللون، والصوت، والمعنى. والحرف بأساسه هو صورة ملحوظة عن صورة حقيقية، بمعنى أنه رمز لصورة حقيقية واللوحة ككل قطعة موسيقية كاملة، ومن المفروض أن تُدرَس كليًا لتتكامل هذه الأنغام بعضها مع بعض..

 

–        اللوحة الحروفية في مواجهة العولمة 

تبدو فكرة الخصوصية كما هي مطروحة في الإطارات النظرية للثقافة العربية وكأنها ردة فعل على التيار الأوربي الحديث . انها وهي تستجمع قواها من التراث والأصالة والعراقة الحضارية تبدو وكأنها إستلهامات ذكية من الماضي: كتجربة النحات المصري محمود مختار في صياغة النحت الفرعوني وأيضاً الفنان العراقي جواد سليم في عودته الى بهجة الأقواس الإسلامية . كما نجد مجموعة كبيرة من الفنانين تستلهم الحرف العربي اليوم كأساس يطرح نفسه لعالمية اللغة البصرية .   

      ان اللغة البصرية هي نظام إتصال عالمي بمقادير نسبية تجمع الكثير من الثقافات والأحاسيس المشتركة  . وهي إمكانية متاحة لجميع الثقافات بقراءة جميع الأعمال التشكيلية القادمة من مختلف أصقاع المعمورة  كاللوحة التجريدية الحديثة . وبالرغم من أن اللغة البصرية هي لغة عالمية إلا أنها ذات قواعد قد تصطدم بالإرث التاريخي، والحساسيات المحلية، التي تؤدي إلى طريقة نظر معينة الى الأشياء. (شكل رقم 13)

   لقد دخل الخط العربي كقسم من زينة المساجد والأماكن المقدسة يعرض بعضاً من معتقدات المسلمين ، والغرض من ذلك التأثير نفسياً وروحياً على من يدخل تلك الأماكن وتقريب الهدف الذي أنشئ هذا المكان من أجله . (شكل رقم 14)        

والحرف العربي بالتحديد تأخر عن الرسم والنحت والفنون التشكيلية الأخرى،  إلا أنه  بدأ يستقل ويدخل في مرحلة التجريب والتجريد والتكعيب  ، وقد حرص الخطاطون على تجسيد المفاهيم وربما العمل على تخليدها فهم إلى حد كبير كانوا ينظرون بشكل خاص وتجريدي للخط، ويعمدون إلى التفنن في استخدام الكلمات وتزيينها ، ويبدعون أشكالاً جديدة للحرف وصل إلى قمة التخيل والإنسجام .

  وفي موجة التطور العالمي للفنون وايجاد لغة عالمية مشتركة لها ، كان على الفنان العربي أو الحروفي إيجاد سبل جديدة ، تساعده في الحفاظ على التراث المتآكل تدريجياً من الغرب ، وسطوة العولمة واستعمال الحرف اللاتيني حتى في كتابتنا العربية ، كاستعماله في عالم التكنولوجية والبرمجة والاتصالات ، هذه السبل دفعته للقيام بأعمال فنية أُعتمد فيها على التجريد المطلق في استخدام الحروف، بحجة أن تصبح بعد ذلك لغة مشتركة للجميع، فتأتي اللوحة غير مقروءة ، وهذا فن خاص ومعاصر لم يعرف من قبل ، وبهذا يعتبر و يعتقد بعض الفنانون أنهم توصلوا إلى ابتداع طريقة حديثة للحفاظ  واظهار الهوية المحلية الحديثة للفنون العربية .

خلاصة

     من البديهي القول أن الحرف العربي هو جزء من حياة الانسان العربي والمسلم والفنان التشكيلي الذي أدرك هذه العلاقة ،حاول ان يستجيب لمعطيات حسية وذلك في اظهار التعلق بالحرف واستخدامه في اللوحة التشكيلية للوصول لجمالية فنية تبنى على أساس حركة الخط وتعابيره ، اما استخدام الشكل على حساب المضمون فهذا يعتمد على مدى قوة الفنان في ايصال المضمون .

  إلا أن هنالك معطيات فنية تتطلب قدرة على العمل ، كالدمج والاختزال والتركيب ، دون المس بخاصية الخط الفنية والتشكيلية ، وهذا ما يتطلب أحياناً وقتاً طويلاً من العمل ودقة متناهية وخبرة في مجال الفن و الرسم والكتابة في آن معاً لانجاح اللوحة الحروفية.
   ولا ننسى دور الفنان في انتقاء أجزاء العمل التي تساعد في انجاح اللوحة الحروفية، كالخامات والألوان وغير    ليتسنى للفنان إصال مضامين لوحته للمتلقي مراعياً بذلك الأدوار الأخرى كالإطار والزخارف والتعبير المكتوب.    

   ولا شك أن الفنان الحروفي لا يكتب بالحرف العربي بل يستغل جمالية هذا الحرف وتركيباته ليؤلف منه تخطيط جمالي معين يخدم أغراضه الفنية ، ولكن الجرأة تكمن في أن يعترف الفنان بأنه لا يكتب خطاً و لا نصاً بل يرسم حرفاً .

  لذا فإن طريقة ايصال الفكرة تختلف من فنان لآخر ولكن على الجميع إدراك مكامن الجمال في الخط وعدم تشويهها والعمل على ترويض الحرف ليصبح اداة تعبير تشكيلية  . وهذا يُعتبر أمرا في غاية الصعوبة ً ويتطلب جهداً حثيثاً و فهماً عميقاً ولكنه ممتع في نفس الوقت لأنه أداة تعبيرية من الدرجة الأولى.

  ولعل أنجح رسامي الحروفية هم الفنانين الذين بدأوا خطاطين ثم درسوا التشكيل وعملوا عليه ، أو هم التشكيليين الذين درسوا الخط العربي وعملوا عليه .     

   إن ما بين واقعية المشهد الحروفي وجماليته تتحاور الفرشاة مع اللون والخط الذي تقحمه في مشروعها بعد ان تطوعه . وربما كانت فلسفة اللون  و الشكل في اللوحة الحروفية  هي المختبر الحقيقي لقراءة جمالية الاشياء ليس كما تبدو للعين وانما كما يقترح لها الفنان من المقولات التشكيلية الواعية بشعوره و بنظرته الداخلية الغنية بتراكم الخبرات الثقافية، الفنية و التراثية.

د أن عددًا كبيرًا من الفنانين التشكيليين أرادوا ركوب موجة التراث واندفاع الناس نحوه، دون أن يكنّوا للخط العربي التقدير اللائق ، وأخذوا يُقيمون أعمالاً تجارية، غايتها الربح والوصول إلى المسؤولين الذين يَرعَون الفن في الوطن العربي، وللأسف فإن معظم هؤلاء الفنانين يجهلون جذور الحرف العربي وخاصيته وجماليته، وبطبيعة الحال فإن فاقد الشيء لا يعطيه ، وإذا أردنا أن نبني بناء شامخًا قويًا علينا أن نُعمّق الجذور ونُقوّي الأساسيات، وإلا فإنه سوف ينهار. لذلك فإن هناك خوف من  أن اللوحة الحُرُوفية قد تصل إلى طريق مسدود . لذا على الفنان الحروفي أن يحب الخط العربي، ويحبه بشغفٍ كبير، ليكمل الطريق الذي وصل إليه الرواد ، ويصل إلى التجريد والابداع والعمق الروحي الذي يتوخى من اللوحة الحروفية.

كلمات مفتاحية: رياض عويضة، أستاذ فنون، جامعة لبنانية، الحرف العربي، زخرفة ، جماليات، حداثة، ثقافة