الرئيسية » حضاريات » جيل دولوز: ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية (4) – بقلم : فتحي المسكيني
thwr_kwbrnyky_fy_fhm_lhwy.jpg

جيل دولوز: ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية (4) – بقلم : فتحي المسكيني

"عندما وُضع قسريًّا في هوية قائمة مسبقا، عندما وُضع على منحدر الـ’’هوهو’’ هذا الذي يحمله بالضرورة حيث تريد الهوية ويجعله ينعكس حيث تريد الهوية، أي في السلبي"(نفسه). 

بذلك لم يكن الاختلاف دوما مخيّرا إلاّ بين أن يعترف بالهوية وبتمثيلها له أو أن يقف في خانة السلبي. "ولكن هناك دوما فرادة غير ممثّلة لا تعترف" (ص135). تعوّل الهوية دائما على "كلّي" ما قادر على امتصاص كل ما جزئي. لكنّ ما يفوت هذا الكلي هو "الفرادات" الحرة، تلك التي ترفض الابتزاز القديم للهوية: أنّه لا يمكننا أن نقول "نعم" لأنفسنا إلاّ بعد "المرور ببؤس الانقسام والتمزّق" (ص137). كأنّ التفكير ضرب من "التكفير" عن سلب ما أو "لعنة" ما (نفسه).

ما يخيف في كلّ هوية هو تحوّلها من حيث لا ندري إلى "ذاكرة ضخمة" تعمل كدائرة لا متناهية لها "في كل مكان مركز وحيد يحفظ في ذاته كل الدوائر الأخرى"(ص 138). هي ذاكرة "الثور الجدلي" أو "حمار" زرادشت: ذاكرة العبد الذي يظنّ أنّ "حمل الأثقال" هو فضيلة. ولذلك "ليست عبقرية العود الأبدي في الذاكرة، بل في الإسراف، في النسيان الذي صار نشطا"(ص140).

وبدلا من ذاكرة هووية، يقترح علينا دولوز "هوية خاصة مغمورة في الاختلاف، بما أنّ كل واحد لم يعد إلاّ اختلافا بين اختلافات" (ص142). هنا يصبح الاختلاف عملا "تفاضليا" رائعا: "مسرحا حقيقيا، مكوّنا من التحولات والاستبدالات. مسرحا بلا أيّ شيء ثابت أو متاهة بلا خيط (شنقت أريان نفسها)"(نفسه). 

لا تقف هوية خاصة على حقيقتها القصوى إلاّ عندما "تجرّب" على نفسها من الداخل، أي تقف خارج ميدان وحاجات "التمثّل". حين لن يعود أمام "موضوع" تتمثّله أو "باطنية" تعمل على الوعي بها. بهذا الثمن فقط هي تصبح ضربا من "التجريبية المتعالية". تلك التي تعلّمنا "المتكثّر وكاوس الاختلاف (التوزيعات البدوية والفوضويات المتوّجة)" (ص143). 

ما ينبغي على كل هوية خاصة أن تقرّ به هو أنّها ليست "أولى" ولا "أصلية" بل مشتقة من غور سحيق من الاختلاف والتكرار. عليها أن تقرّ بأن "الاختلاف وراء كل أمر إنما وراء الاختلاف ليس هناك أي أمر" (نفسه). 

لذلك على "الأنا" أن يقف على الصدع العميق الذي يحمله في نفسه. وهو أمر ندين به حسب دولوز إلى كانط معيّن حتى كانط نفسه لم يقف عنده (ص146، 194). ليس الأنا كوجيطو جاهزا أو معطى بلا رجعة، يؤسس ما يريد ويحوّل العالم متى أراد إلى موضوع. في حقيقة الأمر ليس الأنا غير بنية هووية تمّ اختراعه من "الهوهو" المفترض في طبيعة الأشياء. كلّ أنا هو حصيلة متأخّرة عن عملية إلغاء للكثرة الداخلية لأنفسنا وردّ اختلافها الشديد إلى "الهوهو". لذلك ينبّهنا دولوز إلى أنّنا لا يمكن أن ننقد "إله" الفلاسفة دون أن ننقد جهاز "الأنا" الذي يشدّه. طالما هناك "أنا" بشري مطابق لذاته بشكل هووي، سيكون هناك على الدوام "إله" ليعبده. أحدهما لا يُحفظ بدون الآخر (ص145). 

من أجل ذلك فإنّ استيلاء الإنسان الحديث على مكان الإله التقليدي وبسط سيادته المتعالية على الطبيعة هو حسب دولوز موقف "مخيّب" للآمال: "إنّ التبديلات بين الإنسان والله مخيّبة ولا تجعلنا نتحرك خطوة واحدة"(نفسه). 

إنّ عصر ديكارت لا يزال هو عصر الهوية. إذ "أنّ إحلال وجهة نظر الأنا محل وجهة نظر الله هي أقل أهمية بكثير مما يقال مادات الواحدة تحفظ هوية يجب أن تكون بالضبط للأخرى. ويستمر الله بالعيش مادامت الأنا تتمتع بالبقاء والبساطة والهوية، التي تعبر جميعها عن تشابهها مع الإلهي."(ص194). 

ورغم أنّ كانط قد أخرج الأنا والإله من نطاق العقل النظري فهو سريعا ما رأب هذا الصدع الذي أدخله فيهما من خلال حلّ أخلاقي لوجودهما، وذلك "بواسطة شكل جديد للهوية"(نفسه). وماذا ترك لنا كانط : إلها "ميّتا" تأمّليا و"أنا مصدوعة" أو "متحللة" (ص 195، 201). "أنا" صدعها "الزمن" الذي "خرج عن طوره" وصار "شكلا فارغا ومحضا ومتخلصا من محتوياته" (ص232). 

كلّ هوية هي "أنا نرجسية" لئن كانت تعيش في الزمن إلاّ أنّها ممنوعة من "الزمن" أو هي "لا تكوّن إطلاقا محتوى زمنيا" (نفسه). لا تقوى الأنا النرجسية على ملء زمنها بل هي تقف قبالته بشكل كسول. ولذلك فكلّ ما هو نرجسي أي هووي لا يحرّره إلاّ "غريزة الموت" (ص233). لذلك تحاول كل أنا نرجسية أن تملأ الزمن بالذاكرة، أن تختزل الموت في السلبي، أن تخضع تكرار الاختلافات الحيوية إلى "الهوية الخارجية لمادة ميتة أو للهوية الضمنية لنفس خالدة"(ص235). 

والحال أنّ الموت لا يمكن اختزاله. "الموت هو بالأحرى الشكل الأخير للإشكالي، مصدر المشكلات والأسئلة، سمة دوامها فوق كل إجابة"(نفسه). وحده الحرّ والفريد يمكن أن يسخر من موته الخارجي، أي من كوجيطو الموت : "أنا أموت". ما يموت فينا شيء مختلف عن "الأنا". و "هناك دوما امرؤ ما ’’يموت’’، أعمق من الـ’’أنا أموت’’"(ص237). 

ولذلك فأكبر رهان هو التحرّر من موتنا. ونحن لا نفلح في ذلك إلاّ متى صرنا "اختلافات حرة" (ص236) لا يختفي وراءها أيّ "أنا فاعل" مزعوم. 

ولذلك فأكبر ما فعله كيركغارد هو تجنيد نوع من "كوجيطو الإيمان" من أجل "تجاوز موت الله التأمّلي وتغطية جرح الأنا"(ص206). أجل، يستطيع الإيمان أن يهدم "أنا العادات وإله التذكّرات"(نفسه). لكنّ المؤمن لا يستطيع أن يمنع نفسه من الإحساس بأنّه ليس فقط خاطئا أو محروما بل أنّه كذلك بوجه ما "هزلي ومهرّج، مظهر خدّاع لذاته، بما أنّه منشطر" من الداخل. ولذلك يعلّق دولوز قائلا : "لا ينظر مؤمنان أحدهما إلى الآخر من غير أن يضحكا"(ص207). ولذلك فإنّ المؤمن متى ذهب إلى أقصى تجريبه على ذاته، فهو لا يستطيع أن يمنع "محاكمة المؤمن من قبل الملحد العنيف الذي يسكنه، المسيح المضاد المعطى بشكل أبدي في النعمة" (نفسه) ذاتها. 

ينبغي الاعتراف بأنّنا "ّذوات يرقانية"(ص180) لا توجد إلاّ بقدر ما تتعدّل وتتحوّل أي تتكرّر بشكل نشط، في معنى عود أبدي لا يعود الشيء "عينه" إلاّ "مختلفا" كأشدّ ما يكون، أي "أعلى" و"أقصى" و"تفاضليا" و"إشكاليا". إذْ "لا تمتلك الأنا تعديلات، بل هي ذاتها تعديل"(نفسه) و"اختلاف منتزَع"، ذلك بأنّنا "لسنا إلاّ ما نمتلك" (ص181). إنّ الأنا "قناع لأقنعة أخرى" (ص231). "ذرة أبيقوية"(ص356). فرادة بلا هوية :" فرادة ما، وصولا إلى مجاورة فرادة أخرى" (ص384)، وذلك بعد أن تكون "كل الهويات القائمة" قد تحللت وفتحت الوجود على "التكرار" أي على "إعادة بدء الكائن" (ص385) من جديد. 

لكنّ الأنا التي صارت "فرادة" حرة ليست "نفسا جميلة" لا ترى إلاّ "اختلافات، ولا شيء إلا اختلافات"(ص395) ولا هي أنا هووية تعيش في "مجتمع أبيض" وتتكلم "لغة بيضاء" (ص393) بل هي أنا "تفاضلية" من فرط "المحتوى الافتراضي" للفكرة التي تعبرها بقدر ما هي أنا "تخالفية" من فرط "ترهين هذه الافتراضية في أنواع وأجزاء متنوعة" (ص393). مع تمييز "الافتراضي" عن مجرّد "الممكن" (ص401). 

هي أنا "ثورة" لأنّ "الثورة هي القدرة الاجتماعية للاختلاف"(ص396) ولكن ليست ثورة "السلبي" الذي يقول لا حتى يقول نعم، السلبي الذي لا "يؤكد" شيئا (نفسه) لأنّه ثورة حزينة تعتاش من نزاعات الاعتراف. فالمطلوب البعيد هو "قلب خضوع الاختلاف للهوية"(ص402). في انتظار ذلك "يتابع الاختلاف حياته السفلى"(ص451). قد يُلغى الاختلاف بشكل "هووي" لكنّه يعود في شكل تكرار متنكّر. وحين يعود هو لا يعود عودة الشبيه والهوهو بل عودة المختلف، ذاك الذي "لا يفترض مسبقا أية هوية" (ص453). لأنّ ما يعود ليس له هوية بل هو محض "شدّة" اختلافية لم تعد "تخضع لشرط الهوية" (ص456) ومحض "مكان اشتدادي للاختلافات الإيجابية" (ص457). لكنّه لا يدعي أبدا أن يملك اختلافاته: "يحمل الفرد كلّ الاختلافات، إلاّ أنها ليست لهذا فردية"(ص463، 469).

وحده المفكّر يمكن أن يحاول حقا أن يعرف ماذا يستطيع "اختلاف فردي" أن يكون (ص464) لأنّ "المفكر هو الفرد عينه"(ص471) أو "من يجعل من كلّ الأشياء اختلافاته الفردية" وهو "الفرد، الفرد الكلي" (ص473).

المصدر : http://www.ahewar.org