الرئيسية » سياسة واقتصاد » إستقرار شرق اسيا بين أرجل الفيلة – أمين قمورية
إستقرار شرق اسيا بين أرجل الفيلة

إستقرار شرق اسيا بين أرجل الفيلة – أمين قمورية

ومنذ فترة تتبادل الصين والولايات المتحدة، الاتهامات بالتصعيد ، وتجري كل منهما مناورات حربية في مختلف مناطق شرق آسيا، كما تتصاعد التوترات، وتمتد من بحر جنوب الصين، إلى بحر شرق الصين إلى شبه الجزيرة الكورية، وسط سباق تسلح إقليمي. في قلب هذه التوترات، يكمن النزاع على جزر تقع في بحر جنوب الصين، الى الانقسام الآخذ في التزايد بشأن كيفية الرد على برنامج الأسلحة النووية الكوري الشمالي، وهو ما ينعكس على علاقات الصين مع كوريا الجنوبية، واليابان، والولايات المتحدة.

والاسبوع الماضي التقى وزراء خارجية الصين واليابان وكوريا الجنوبية في طوكيو في ظل تعاظم التوتر حول مسائل الأمن الإقليمي والنزاعات الإقليمية. وسعى اللقاء الى تعاون أمني واقتصادي، وعبّد الطريق أمام قمة حوار بين الدول الثلاث التي يشوب التوتر العلاقات بينها. واذا كان البعض يعتقد ان قمة العشرين المرتقبة قد تساهم في تخفيف حدة التوتر الا ان المراقبين يستبعدون ان يتبدد قريبا، ذلك ان الخلاف بين الجيران الثلاثة ينخر أواصر علاقاتهم. فالنزاعات الإقليمية بين الصين واليابان على جزر دياويو (سينكاكو) محتدمة منذ وقت طويل. وتواطؤ طوكيو مع واشنطن يخالف المصالح الاستراتيجية لبيجينغ.

وتقول المحررة الرئيسية للشؤون الصينية لدى "مجموعة الأزمات الدولية" في بكين يانمي شيه، إن علاقات الصين مع جيرانها تدهورت بشكل كبير، بسبب استمرار انخراط المنطقة في سباق تسلح. وتوضح " سابقا كانت المنطقة تمر بعملية تكامل اقتصادي، وبناء للمؤسسات متعددة الطرف، والحوكمة الإقليمية القائمة على الإجماع، بيد أن ما حدث في السنوات الأخيرة، أن كل هذه الأشياء أخذت في التفكك، ليحل محلها سباق تسلح، وحشد لأسلحة الردع، وتفكيك للمؤسسات متعددة الطرف، وهو أمر غير جيد". وتضيف أن الصين والولايات المتحدة لهما تفسيرات تختلف اختلافاً جذرياً في شأن التدهور في البيئة الإقليمية، وإذا سألت الصين فسيقول لك مسؤولوها إن الولايات المتحدة هي المسؤولة عن ذلك، بسبب سياستها الخاصة بتعديل محور اهتمامها نحو آسيا، وإذا سألت آخر، سيقول إن السبب هو الصين، التي تزداد ثقة في نفسها، وحزماً في التعامل مع الآخرين.

وفعلا ففي بحر جنوب الصين، اجرى حرس السواحل الصينية، الاثنين الماضي، خمسة مناورات بالذخيرة الحية في خليج تونكين الواقع بين فيتنام الشمالية وجنوب الصين، وهو التمرين الأخير في سلسلة تمارين عسكرية تجرى في المنطقة، منذ أن اثبتت لجنة التحكيم في لاهاي، عدم صحة الكثير من الادعاءات الصينية، في شأن المناطق البحرية المتنازع عليها في بحر جنوب الصين، كما تخطط الصين لإجراء مناورة بحرية مشتركة مع روسيا، في بحر جنوب الصين، الشهر المقبل، وهي خطوة قالت الولايات المتحدة إنها تضر بالاستقرار الإقليمي.في الوقت نفسه، استمرت الصين في تطوير مراكزها الاستطلاعية المتقدمة في الجزر المتناثرة المتنازع عليها، على رغم حكم محكمة التحكيم. وفي بحر شرق الصين، اجرت بيجينغ تمارين عسكرية في بحر اليابان.

كذلك يشوب العلاقات بين بيجينغ وسيول توتر واضطراب منذ نشر كوريا الجنوبية منظومة "ثاد" المضادة للصواريخ. وسيول قلقة من التجارب النووية الكورية الشمالية. لذا، تتوق الى حماية أميركية شاملة والى الانضواء تحت مظلتها النووية، وتتقرب من واشنطن. وعلى رغم أن نظام "ثاد" غير قادر تقنياً على الردع النووي وأن الكوريين الجنوبيين يعارضون نشره، قررت حكومة سيول نشر هذه المنظومة لارضاء أميركا. وهذه الخطوة تخالف مصالح الصين الاستراتيجية. فقدرات منظومة "ثاد" على الرصد والمراقبة تفوق الحاجات الدفاعية في شبه الجزيرة الكورية، وتبلغ المناطق النائية في آسيا، وهي تهدد أمن الصين وغيرها من الدول الإقليمية. وتعارض بيجينغ نشر هذه المنظومة. ويهدد نشر "ثاد" استقرار العلاقات بين بيجينغ وسيول – ومثل هذه العلاقات هو نواة الاستقرار في شمال شرق آسيا، ويفاقم الشقاق بين البلدين ويزيد التوتر في المنطقة. وأثر نفوذ كوريا الشمالية والولايات المتحدة في العلاقات الثلاثية بين الصين وكوريا الجنوبية واليابان، كبير. فبيونغيانغ أطلقت صاروخاً من غواصة يوم اللقاء الثلاثي، ورمت من وراء ذلك الى تشجيع سيول على نشر "ثاد". وفي وقت لا ترغب كوريا الشمالية في إجماع أميركي- صيني على قرار ضدها في مجلس الأمن، يسرها الخلاف بينهما. ويرجح أن بيونغيانغ تعد لتجربة نووية خامسة. ومثل هذه التجربة تقوض الموازين الجغرافية – السياسية في شمال شرق آسيا. والولايات المتحدة لايضيرها توتر العلاقات الكورية الجنوبية – الصينية. لذا، يسعى البيت الأبيض الى استغلال التحالف مع سيول ومنظومة "ثاد" لتقليص الحيز الاستراتيجي الصيني والروسي. وفي رأي الأستاذ في جامعة هيوستن داون تاون في بيتر لي ان شرق آسيا خصوصا يحتل مكانة إستراتيجية في السياسة الخارجية الأميركية التي تقوم دائما على حسابات دقيقة للمصلحة الوطنية الأميركية". ويوضح انه "على سبيل المثال، كانت الولايات المتحدة هي من ساعد الحكومة الصينية عام 1947 على استعادة جزر بحر الصين الجنوبي. أما اليوم، فمن الواضح أن الولايات المتحدة غيرت موقفها. وهذا التغيير في الموقف، القائم على أساس فهم جديد للوضع في شرق آسيا والقوة الناهضة للصين. ويضيف أن تعزيز واشنطن تحالفها مع دول رابطة دول جنوب شرق آسيا "الآسيان" وتوطيد الصلات الأمنية القائمة تخدم الهدف الإستراتيجي لواشنطن المتمثل في إضعاف مكانة الصين بالمنطقة، مشيرا إلى أن "الولايات المتحدة ترى أنه يمكن جذب الصين إلى نزاعات ممتدة. وحينئذ يتم تحويل الموارد إلى الاستعدادات العسكرية، ما يؤثر على مستوى معيشة الصينيين".

وفعلا بدأ نحو 25 الف جندي أميركي المناورات العسكرية السنوية المشتركة مع كوريا الجنوبية، وهي خطوة استدعت تحذيرات بالانتقام من جانب كوريا الشمالية. وانضمت وكالة الصين الجديدة للانباء "شينخوا" لإدانة تلك المناورات، وكتبت إن تلك الخطوة تعرض السلام والاستقرار في شمال شرق آسيا، ويمكن أن تؤدي، دون قصد، إلى إثارة حرب حقيقية. وقال مصدر في لجنة الهدنة العسكرية، التابعة للأمم المتحدة، التي تقودها الولايات المتحدة، إنها أخطرت كوريا الشمالية إن التمارين "غير استفزازية" من حيث طبيعتها، ولكن كوريا الشمالية، كعادتها، استنكرت تلك التمارين، وقالت إنها بمثابة تمهيد لغزوها، وهددت بتوجيه ضربة نووية استباقية.

ولا شك في أن مآل العلاقات الثلاثية بين الصين وكوريا الجنوبية واليابان يحدّده الملف النووي الكوري الشمالي. ويبدو أن بيونغ يانغ لن تتخلى عن طموحاتها النووية. لذا، فالتوتر سيشوب شمال شرق آسيا لوقت طويل. لكن الاهم من ذلك ، هل ستنجح واشنطن في ادارة هناك الصراع وابقائه تحت السقف السيطرة اما ان سستصرف هناك كما تصرفت في الشرق الاوسط، كالفيل وسط مخزن للخزف، فتدفع نحو تدمير الاستقرار في منطقة صارت هي قلب العالم اقتصاديا؟

 

المصدر – النهار