الرئيسية » سياسة واقتصاد » إجماع دولي يدعمه الفاتيكان حول القدس – د. فالح الحمراني
jm_dwly_hwl_lqds.jpg

إجماع دولي يدعمه الفاتيكان حول القدس – د. فالح الحمراني

 

وكان رد فعل المنظمات الدولية وغالبية الدول على قرار الرئيس ترامب بشأن القدس قد تطور كما كان متوقعا له. فالاتحاد الأوروبي أعرب عن «الأسف والرفض»، وشجبت جامعة الدول العربية هذا القرار بشدة، وبدبلوماسية اكثر اتخذت منظمة التعاون الإسلامي الموقف نفسه، وقال المستشرق الروسي الخبير في شؤون الشرق الأوسط فيتالي ناؤومكين انه كان يتوقع ردا إسلاميا/‏‏ عربيا اكثر حدة. ومن بين المواقف الأكثر شدة تميزت فرنسا، نظرًا لعلاقاتها العريقة بسوريا الكبرى، واهتمامها بالأراضي والأماكن المسيحية المقدسة.

وقيّمت روسيا والصين قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بأنه يتنافى والقانون الدولي وسيزعزع الاستقرار في الشرق الأوسط، وأكد البلدان مواقفهما السابقة التي تتمثل في ضرورة أن تتم تسوية قضية مدينة القدس في إطار مباحثات فلسطينية – إسرائيلية حول الوضع النهائي، وألا تتخذ أي قرارات أحادية الجانب بشأنها. ولم تشذ عن الإجماع الدولي إلا بعض الدول التابعة للولايات المتحدة الأمريكية أو التي تطمع في استثمارات إسرائيل الموعودة.

وانضمت الفاتيكان، المركز الرئيسي للدين المسيحي الكاثوليكي إلى الأطراف الدولية المعارضة لقرار ترامب، وهذا بحد ذاته عامل مهم في اصطفاف القوى الدولية حول هذا الموضوع. وقال سفير روسيا لدى الفاتيكان الكسندر افدييف في تصريح لوكالة أنباء "نوفستي" الروسية: إن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية من تل ابيب إليها مستقبلا أظهر تقاربا في موقفي روسيا والفاتيكان حيال هذه المشكلة الدولية الحادة. وأفاد افدييف أن من السهل أن نلاحظ، علاوة على ذلك، إذا ما تحدثنا عن وضع القدس، أن للفاتيكان كدولة وكمركز للكنيسة المسيحية بشطرها الكاثوليكي، وللكنيسة الأرثوذوكسية الروسية، ولحكومة روسيا الفيدرالية، مواقف متقاربة جدا من هذه المشكلة. وأوضح أننا ننطلق من ضرورة تفعيل المباحثات الفلسطينية – الإسرائيلية. خاصة أن الكلام يدور حول تسوية مصير الشعب الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية، وتسوية علاقاتها مع إسرائيل، وبالتالي بصدد وضع القدس. وأشار الدبلوماسي الروسي إلى أن الحبر الأعظم البابا فرانسيس قال مؤخرا في إحدى رسائله:  ينبغي أن تتمتع المدينة المقدسة (القدس) كما في السابق بوضع خاص. بعدها شهدت منظمة الأمم المتحدة فعاليتين متتاليتين تتعلقان بقرار الرئيس ترامب. إذ عقد مجلس الأمن الدولي في 8 ديسمبر الماضي بطلب من اربع دول أوروبية ودولتين من أمريكا اللاتينية وأخريين عربيتين وإفريقيتين ومصر جلسة لمناقشة مشروع القرار الذي تقدمت به مصر في 18 ديسمبر الماضي. وتضمن مشروع القرار أن لا يتمتع أي فعل يتعلق بتغير وضع القدس بأي قوة قانونية. وحصل مشروع القرار على 14 صوتا من بين 15 هم كل أعضاء مجلس الأمن الدولي، لكن الولايات المتحدة استعملت حق الفيتو فحالت دون مروره. وبالتالي طرح قرار مشابه على الجمعية العامة للأمم المتحدة فشجبت 128 دولة قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وتجاهلت التهديدات الأمريكية. وفي كلا المحفلين بدت الولايات المتحدة، الدولة التي استقرت فيها المنظمة الدولية، معزولة تماما على هذا المنبر،. وانتقد رئيس بوليفيا ايفو موراليس بحدة قرار جواتيمالا نقل سفارتها من تل أبيب إلى القدس، بعد الولايات المتحدة.

إن قرار ترامب، الذي وصف بالمتعجل، هو من وجهة نظر البعض مخالفة للقانون الدولي، الذي كان السند الرئيسي للحفاظ على التوازن في العلاقات بين الدول. وهو بمثابة سابقة من قبل دولة كبرى ونافذة، ولاعب رئيسي في الشؤون الدولية، وتشجع إمكانية تجاوز الاتفاقات والقرارات الدولية وتجاهلها، علما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت طرفا في اتخاذ تلك القوانين في فترات سابقة. ثمة قرارات أممية وإقليمية بشأن القدس من بينها قرار التقسيم 181 والقرار 242 والقرار 2234 لمجلس الأمن أيضا، حيث تطالب قرارات كثيرة صادرة عن الأمم المتحدة إسرائيل بالانسحاب من المناطق المحتلة إبّان حرب 1967، وتشدد على ضرورة إنهاء احتلال تلك الأراضي. وفي ديسمبر من العام الماضي، وافق مجلس الأمن على القرار 2234 الذي ينص على عدم الاعتراف بأي تعديل في خطوط الرابع من يونيو 1967، من بينها ما يتعلق بالقدس، عدا ما يُتفق عليه خلال المفاوضات المشتركة. وبهذا الشكل فإن دولة كبرى كأمريكا تخلت عن الإيفاء بالتزاماتها الدولية حيال هذه القضية المؤثرة على استقرار الشرق الأوسط.

إن هوة قامت من دون شك بين الولايات المتحدة وباقي العالم. وتجلى ذلك بوضوح لا يقبل الشك في تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 ديسمبر الماضي على قرار يعارض قرار ترامب بشأن القدس. ورغم التهديدات الأمريكية، صمدت تلك الدول، وصوتت ضد القرار، انطلاقا من موقف أخلاقي بدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن شعور بالمسؤولية إزاء القانون الدولي ودور منظمة الأمم المتحدة. في هذه الحالة بدت أمريكا مهزومة على الأقل أخلاقيا. وأثار قرار ترامب حراكا سياسيا على الساحة الدولية، وأصبح كموجة بحر حرّكت ما كان ساكنا على الضفاف. وضمن هذا السياق عادت القضية الفلسطينية التي كاد النسيان يغمرها، لتحتل صدارة القضايا الإقليمية والدولية مرة أخرى، وارتفعت الدعوات من اجل إيجاد تسويات عادلة وشاملة للأزمات في الشرق الأوسط، بما فيها القضية الفلسطينية.