الرئيسية » سياسة واقتصاد » إيمانويل ماكرون: خمس تحديات رئيسية – د. ناصيف حتي*
mkrwn.jpg

إيمانويل ماكرون: خمس تحديات رئيسية – د. ناصيف حتي*

 

هنالك العديد من الدروس والعبر لفرنسا ولأوروبا وللعالم من هذا الانتخاب:   

أولاً: اذا انتصرت الشعبوية في الولايات المتحدة وفي بريطانيا عبر البريكست، وللتذكير فان الانتصار البريطاني كان نصف انتصار في دولة اطلسية النزعة والتوجّه اساساً، فانه في القارة القديمة هزمت الشعبوية في كل من هولندا والنمسا والآن في فرنسا. كل ذلك لا يعني ان الشعبوية قد انتهت، وبخاصة مع التأييد المرتفع (٣١,٩ في المئة) الذي حصلت عليه مارين لوبن. ان الشعبوية ما زالت قوية تقتات على تراكم الأزمات وتعمّقها. والجدير بالذكر ان حوالى ٢٥,٢ في المئة من الناخبين الفرنسيين امتنعوا عن التصويت، كما ان هنالك حوالي اربعة ملايين ناخباً اسقطوا ورقة بيضاء او اعتبرت اوراقهم ملغاة. مما يعني ان هنالك ٣٢ في المئة من المقترعين لم يشاركوا في الانتخابات. وهذه نسبة تعتبر عالية وذات دلالة كبيرة.

ثانياً: كانت الشعبوية بالأمس الممثلة باليمين المتشدد والعنصري تقوم جاذبيتها على تداعيات سياسات التهميش الاقتصادي والاجتماعي والبطالة. واليوم يمكن اضافة رافد آخر أكثر أهمية للشعبوية وعنصرياتها. رافد يزداد قوة يقوم على القضية الهوياتية: فشل عملية الاندماج الوطني في حالات عديدة والعودة والانطواء في ظل الهويات الأصلية كردّ فعل على عولمة جارفة. رافد يقوم ايضاً على مشاكل اللاجئين والتحديات التي تواجه عملية اندماجهم وصعود التيارات الاسلاموية وبخاصة المتشددة التي تهدد منظومة القيم الثقافية والاجتماعية المستقرة عبر الزمان في اوروبا. أضف الى ذلك انتشار ظاهرة الارهاب: الظاهرة الاكثر والاسرع تأثيراً في نمو الفوبيا العنصرية في جهة الأخرى.

ثالثاً: سقوط مدوٍّ للحزبين الرئيسيين في فرنسا وتراجعهما مما يعكس فقدانهما لشرعية الخطاب والسياسة والدور، وتآكل هذه الشرعية وما تمثله من منظومة قيم سياسية عملية استقرت وحكمت المشهد السياسي الفرنسي في الجمهورية الخامسة. جاء الانتصار لطرفين خارجين عن هذه المنظومة في ثنائيتها: اليمين واليسار المعتدل. حكم انتخابات الرئاسة الفرنسية الصراع في إطار ازدواجية الانغلاق في "قلعة" ماضوية من جهة، والعولمة ولو بسرعات مختلفة في الشأنين الاقتصادي والاجتماعي تحددها لدرجة ما السرعة التقليدية الأوروبية من جهة أخرى.

رابعاً: ان فرنسا بحاجة لتغيير جذري ولو تدرّجي في منظومة القيم الاقتصادية الاجتماعية الحاكمة وفي دور الدولة التدخلي الذي بدأت انعكاساته السلبية تطاول بقوة المكانة الاقتصادية لفرنسا والقدرة التنافسية للاقتصاد الفرنسي من جهة، كما تطاول الوضع الاجتماعي لطبقات واسعة في المجتمع الفرنسي كان يفترض لهذه المنظومة ان تحميه وتحافظ عليه من جهة أخرى.

خامساً: ان هنالك أزمة هيكلية وأساسية في إطار البيت الأوروبي لا يمكن التفرّج عليها واعتبارها أمراً ثانوياً أو إتخاذ موقف ضد الفكرة الأوروبية من أساسها. فالحل يبقى في اطار البيت الاوروبي.

أمام الرئيس الفرنسي المنتخب الآن تحديات رئيسية خمسة: 

أولاً: معالجة الانشطار الحاصل والقائم في المجتمع الفرنسي كما كشفت عن ذلك بشكل واضح الانتخابات الرئاسية ومعالجة مسببات هذا الانشطار على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي لما لهذا الانشطار من تداعيات على التركيبة الوطنية.

ثانياً: يجب إيلاء عملية الاندماج الاجتماعي في الضواحي الفرنسية الأهمية القصوى التي تستحقها. ضواحي البؤس والتهميش والتي تشكل أرضية خصبة لكافة أنواع الراديكاليات بالأمس واليوم، والتي توظّف من قبل أعداء فرنسا للدفع بإتجاه نشر مثل هذه الراديكاليات العنصرية. 

ثالثاً: المطلوب اعطاء اولوية لاعادة بناء دور القاطرة الفرنسية الالمانية، وهي قاطرة تاريخية للمنظومة الأوروبية ولعملية بناء الاتحاد الاوروبي. فالمطلوب بلورة رؤية جديدة ومهام جديدة لاتحاد أوروبي تم توسيعه مرات عديدة وبشكل سريع وتكلفة مرتفعة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتحرر دول اوروبا الشرقية وعودتها الى البيت الاوروبي.

رابعاً: ان اعادة تعزيز عملية البناء الاوروبي شرط أكثر من ضروري لتفعيل وتطوير السياسة الاوروبية المشتركة. فدور القطب الاوروبي صار باهتاً وهامشياً ومفقوداً، وقد غاب ما يمكن ان نسميه سياسة مشتركة عملية وبقيت السياسة الاوروبية تتراوح بين السقوط في خلاف في المواقف السياسية تجاه قضايا اساسية او بلورة مواقف عامة لا تقدّم ولا تؤخر في أي مسألة دولية اساسية. يحصل ذلك في مرحلة ما بعد "بعد الحرب الباردة" وفي مرحلة بناء نظام عالمي جديد. وتبقى اوروبا قطباً اساسياً اذا ما أحسنت استخدام أوراقها في هذا المجال. وينتمي الرئيس الجديد الى المدرسة الديغولية الميترانية في السياسة الخارجية، الامر الذي يشكل استمراراً لسياسة مستقلة ناشطة باستثناء المرحلة الساركوزية. سياسة خارجية غير ملتحقة بالولايات المتحدة ولكن حليفة لها.

خامساً: المبادرة نحو تنشيط سياسة أوروبية فاعلة تجاه منطقة المتوسط التي تشكل دائماً اولوية فرنسية وتحديداً في بعديها العربي والافريقي. سياسة شاملة تتناول مختلف جوانب هذه العلاقات، والتي صارت اليوم أكثر من ضرورة استراتيجية للطرفين الأوروبي والعربي من جهة والاوروبي والافريقي من جهة أخرى.

هذه بعض التحديات المطروحة أمام الرئيس الفرنسي الجديد حتى تعود لفرنسا مكانتها على الصعيدين الاوروبي والعالمي ودورها الفاعل بشكل مباشر أو عبر الاتحاد الأوروبي.

*د. ناصيف حتي: ممثل سابق للجامعة العربية في باريس، مفكر وأستاذ جامعي. 

النهار: ٢٥-٥-٢٠١٧