الرئيسية » اكتشف روسيا! » إيلين والروح الرّوسيّة الخلاقة* – د. سهيل فرح (2)
ylyn_wlrwh_lrwwsyw_lkhlq2.jpg

إيلين والروح الرّوسيّة الخلاقة* – د. سهيل فرح (2)

ديالكتيك العلاقة بين القلب والعقل:

   يحاول في البداية عرض المميزات الخاصة للطرق التي تكوّن الذات الجماعية لكل شعب، وتحاول إبداع الجديد عنده. ويرى بأن الشعب الرّوسي هو شعب المشاعر. والفعل الخلاق والأساسي فيه هو فعل القلب. فهو شعب يميل إلى التأمل. والمجال الأساسي الذي يكون كل طاقات المشاعر والوجدانيات وحتى عالم التصورات يأتي من نداء القلب ومن البحث الدائب عن الخلاب والجميل… تلك هي بدايات الينبوع الروحي.

 بيد أن هذا لا يعني إطلاقا بأنه لا يملك قوة التفكير وقوة الإرادة. وهنا يقدم العديد من الأمثلة على قدرة العقل الرّوسي على الإبداع في العلوم الطبيعية والإنسانية. إلا أنه يرى بأن هذه القوة تنمو وتتطور في أحشاء القوة الأولى. فيها تجد قيمتها وديمومتها التي تظهر لاحقاً.

 هنا يطرح إيلين جدلية العلاقة بين القلب والعقل. ويرى بأن القلب هو الخزان الأساسي للقوة الروحية. والعقل على أهميته العظمى عنده، يراه امتداداً لحرارة روح القلب. فالمفكر الرّوسي ينمو صعوداً كمفكر حتى أرقى المراحل منطلقاً مما يخزنه قلبه من تأملات. ومن هذا الينبوع يمكن أن تفسر أسراره الكثيرة. ومنه تتسربل الأضواء الساطعة على الشخصية.

من هنا الجواب على السبب الذي يجعل من النظرية المجردة للمعرفة ليس نتاجاً قومياً روسياً. فإيلين يرى بأن أرقى ما يتوصل إليه العالم الرياضي الرّوسي يجد المرء بصمات الحب والتأمل حاضرة في إبداعات ( أمثال لوباتشارسكي ولوزين).

كما أن التيار الغالب على فلسفة الرّوسي يراه ينبع من حرارة الإيمان وحب الاستطلاع. والحقوقيون الروس وعلماء الاجتماع والسياسة هم إنسانيون تواقون دائماً للتعلق بالمثل العليا. و علم الطب في روسيا أضحى يسري في شرايينه شحنات واسعة من المشاعر الفنية التي تطمح لعلاج الشخصيَّة المتألمة والمعذبة. هي تركيبة تجمع بين قوة العلاج العلمي وقوة الأحاسيس القلبية. وحيث هناك لا تربة للمحبة، للشعر والتأمل والجمال والإيمان، يشعر الرّوسي بضجر حقيقي، وأمام مثل هكذا إحالة وفي الحصيلة العامة يحول كل هذا إلى مادة للدراسة والتحليل العقلاني.

    من هذا يخلص إلى القول بأنه وانطلاقاً مما قيل فإن الإرادة الرّوسيّة لا حدود لقوتها وصلابتها وحتى لبطولاتها إذا ما عززت وجودها وجذورها في أعماق القلب، وإذا ما عملت بشكل دائم على نفسها من أجل أن تتخلص من جراثيم الألم والاستبداد والتغطرس.

 

أنارشيزم (فوضى) العواطف والسلوكيات:

 

   صفة المثالي والحالم كانت وما تزال ترافق السياسي الرّوسي. لذا فإن الميل إلى تمثل قيم النفعية والبراغماتية في الممارسة السياسية الرّوسيّة الداخلية والخارجية كثيراً ما تكون مجبولة بركام هائل من الأخطاء وخيبات الأمل والفوضى العارمة…

     وبهذا السياق يجيب إيلين عن التساؤل الذي يحير الكثيرين وهو لماذا يوجد بين السبعة الأكثر شهرة في العالم والأكثر انسجاماً وتنظيماً لعقيدة " الأنارشيزم" ثلاثة من الروس وهم باكونين، كرابوتكين، وتولستوي… ومن هنا نفهم بدورنا ميل السياسي الرّوسي إلى المفاهيم السياسية في الأخلاق. ونرى أيضاً لماذا يحلم الرّوسي بفكرة الخلاص الجماعي ذات البعد الأرثوذكسي وفكرة الأممية ذات البعد الشمولي الماركسي… فهو يفتش عن أساس كوني-عاطفي- روحاني لكل مشكلة كبرى.

إن الإفراط في سكب المشاعر والأفكار هو معطى من المعطيات الواقعية للشعب الرّوسي، هي الموضوعة، هي نقطة البدء، هي موقعه ومهمته في الحياة.

    بيد أن الإفراط هذا يرتجف، يتنفس، يتحرك في فضاء هيولي وفي فوضى الطبيعة والسهوب  والصحراء، وبساط الثلج الرّوسيّ المترامي الأطراف. إنها فوضى العواطف وسلوكياتها.

     الروح الرّوسيّة تواقة دائماً للروح الأرضية و السماوية معاً والآتية من خصوصية المكان والزمان الرّوسي. روح تنشد الأحلام الكبرى المنطلقة من وسع المكان، روح تنشد التسامي والجمال والخير وكل ما ينطلق من عقيدتها الإيمانية …

    يرى إيلين بأن الذي يدرك هذه السمات بالعمق يدرك حقيقة الكنوز الفنية الرّوسيّة المتمثلة بكل إبداعات الخيال والذهن واليد. ويتمكن من الدخول إلى حقول أسرار هذه الروح المبدعة الممثلة بأعمال أدبائه وشعرائه وموسيقيه ورساميه وفنانيه وعلمائه.

يعطي في هذا السياق العديد من الأمثلة التي لا يتسع المجال لذكرها… فهي حاضرة في الرواية والقصة القصيرة، في الشعر والموسيقى والسينما والمسرح، في الرسم والبالية، وفي النحت والغناء وغيرها… من يريد أن يتعرف عن كثب على الروح الرّوسيّة الخلاقة عليه أن يتعرف على فن الرقص الشعبي على الباليه والرقص الكلاسيكي عموماً. عليه أن يتابع باهتمام الرقص فوار العواطف عند الجنود المنتصرين العائدين من ساحات القتال أو من مهام العمل والتدريب.  عليه أن يرصد حركة الجسد الرّوسي عند المزارعين، عند العامة والخاصة، إنها حركة تتماهى مع الفرح الواسع الحدود. ومع كل نداءات المشاعر والوجدانيات. فالرّوس يتوّاق في طبيعته إلى التحرر من الضوابط أثناء التعبير عن مشاعره. وعندما يفتح قلبه للآخر يفتحه على مصراعيه، كاسراً كل الحواجز النفسية…

     وعندما يعيش هموم الآخر يجعلها جزءاً لا يتجزأ من همومه. فهموم المزارع السيبيري هي هموم كل مزارع في هذا الكون. وتوق كل فرد للحرية يسكن على ضفاف الفولغا هو توق كل إنسان على هذه المعمورة إلى الحرية التامة.

 

ثقافة الأذن ودفء الروح

 

   إذا أردت أن تتطلع بعين جمالية في أعماق الرّوسيّة تجدها -كما بتصور إيلين- في الموسيقى والغناء إذ يحتلان مكاناً واسعاً فيها. ومن هنا يرى البروفسور الألماني فيستفل عندما درس فن الغناء الرّوسي في السنوات المئة الأخيرة، بأن الأغنية الشعبية الرّوسيّة تحتل مكاناً مميزاً في عالم الأغنية وعالم الموسيقى العالمية… وفنون الفلكلور والرومانس  والأوبرا. عندما يطلق الرّوسي العنان لصوته يملأ فضاء المكان والزمان. وفعلاً فإن الصوت الرّوسي في هذا السياق يذكرنا بالصوت اليوناني الذي يتمايز قليلاً عن المعايير الأوروبية الغربية لدراسة التناغم في الصوت. فالصوت الفردي والجماعي يعبر عن نفسه بشكل عفوي من دون ضابط محدد من دون مايسترو وتحضيرات موسيقية.

   يسعى دائماً لنشيد الحرية التامة ولإطلاق الصوت عالياً من بواطن الحنجرة. يريد أن يمضي بها بعيداً بعد الجغرافيا الرّوسيّة.  وحتى فضاء الكلمة في الأغنية الرّوسيّة نراه يخترق كل الحدود والمسافات. فهو واسع وسع الغابات والسهوب الرّوسيّة. متمدد إلى الدرجة القصوى على الصقيع الذي يهاجمه معظم أيام السنة. يحلم دائماً بالدفء وعشق الشجرة والخشب ، منهما يستمد الحرارة في جسده المادي وبواسطتهما يبني بيوته الريفية وأماكن راحته ولعب أطفاله وأماكن عبادته وغيرها تلك التي تشعل الدفء الروحي والإنساني في كل ثنايا كيانه.

    أذنه مكان خصب لكل خوالج الحزن والفرح، التي يعبر عنها أثناء طقوس الموت والألم و الولادة والعمادة، الأعراس وغيرها.

    أرقى نتاجات الأذن نراها في الموسيقى الكلاسيكية. وهنا يكفي أن نعطي نموذجاً سريعاً على سبيل المثال لا الحصر أعمال رحمانينوف…فهذا الفنان العظيم ، هذا البيانيست العالمي هو بمثابة النسيم الهادئ الذي يتنزه في فضاء الأذن الموسيقية الرّوسيّة. لم يكن مروره على الروح الرّوسيّة مجرد لحظة عابرة… ذلك النسيم ساهم في تشكل الأوكسجين الروحي الذي تتنفس به الرئة الرّوسيّة لا بل العالمية…وأعماله الملهمة هي دائمة الحضور في الفضاء الموسيقي، يمكن أن ينتزعها المرء من الأثير، يلتقطها في الغابات وسكون الليل. أفكاره الموسيقية في لحظات سكونها وسرعة ديناميتها، تدخل السلام الداخلي إلى النفس حيناً، وتهدر وتحتدم أحياناً عندما تتحول إلى نغمات موسيقية…

قد يطول الحديث عن البعد الإبداعي لهذه الثقافة، إلا أن هذا يتطلب دراسات متعددة تلك هي باختصار شديد هذه الروح الرّوسيّة. معطياتها الأساسية المشاعر البركانية القوية، الصبر منقطع النظير، قوة الشكيمة، نزعة التأمل، التوق إلى التمرد، بناء الأحلام والمشاريع والأفكار الكبرى. لعلها أبرز السمات الإيجابية العامة التي منها تبدأ لغة القيل والفعل الرّوسيّة… وفي لحظات ليست نادرة الوجود، بل هي كثيرة الوقوع تستسلم الذات الرّوسيّة في الجانب السلبي من تركيبتها للسكينة ولسلطة العبث والتدمير وارتكاب الخطايا الكبرى…هذا الذي يجعل العقل الرّوسي المتوقد في لحظات استنفار قصوى للتصدي لنقاط الضعف والوهن والسلبية، يعبر عنها بمواد متفجرة المشاعر والأفكار والاقتراحات والمشاريع…

إنها بكلمات قليلة هي لعبة الصراع الأزلية بين نقاط القوة والضعف في هذه الروح الرّوسيّة…

 

_____________________________________________

*  لقد تناولت فكرة " الروح الرّوسيّة الخلافة" عند إيلين من مؤلفاته المختارة , المجلد السابع الكتاب (ص590-610). كانت قد ترجمت المجموعة من اللغة الألمانية إلى الرّوسيّة وقام بنشرها دار " الكتاب الرّوسي",  موسكو, 1996.( ملاحظة من المؤلف س. ف.).

 سهيل فرح – عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس التحرير.