الرئيسية » حضاريات » حذارٍ أيّها الرجال!!!! – د. لاهاي عبد الحسين (كاتبة من العراق)
lhy_bd_lhsyn0.jpg

حذارٍ أيّها الرجال!!!! – د. لاهاي عبد الحسين (كاتبة من العراق)

 

انقسام يصبح فيه طرف متعنت ومتجبر ومنتفخ بالغطرسة وآخر يظهر المسكنة والتقبل والاستسلام. وقد يستغرق هذا الانقسام العائلي عقوداً من الزمن تكفي لترسيخه وتعميقه حتى ليبدو طبيعياً ومتعايشاً معه، فيما يحجب بالحقيقة مشاعر مكتومة بالغيظ والحنق والمظلومية التي تعد بالثأر والرغبة في الانتقام من جانب الأضعف ضد الأقوى أو النساء ضد الرجال، أو الزوجات ضد الأزواج. هذا سيناريو غير مألوف نظرياً وأدبياً واجتماعياً، ولكنّه ممارس عملياً ومؤكد تجريبياً ومرصود واقعياً.

يستطيع كثيرون التأمل في هذا المشهد ليوافقوا على حالات عديدة شاهدوها وربما جربوها وعانوا منها. يعبر عن ذلك من قبل النساء بصيغة استفزازات أو سخرية واستهزاء وتسطيح لآراء وأفكار بل وحتى قرارات الزوج التي سبق له أنْ اتخذها من قبيل اختيار منطقة السكن وتصميم بناء البيت وتعليم الأولاد. وقد يصل الأمر حد ممارسة الضغط للاستحواذ على مزايا وحقوق ينظر إليها على أنّها مشروعة ومفترضة، وطال أوان تأجيلها والامتناع عن تلبيتها. إنّه الاستضعاف المنقول من قبل الرجال إلى النساء. أولئك الرجال الذين قادوا حياة يقل فيها الاحساس بمطالب وتوقعات وآمال وأحلام الطرف الآخر مما سمح بتنامي المشاعر السلبية لدى النساء للنيل منهم متى ما توفرت الفرصة وآن الأوان. وليس أفضل من فترة المرض والعجز وتداعي السلطة العائلية بسبب التقاعد أو ضمور ميدان العلاقات الاجتماعية واستقلال الأولاد وتوفر الكثير من أوقات الفراغ التي لم تعد لتشغل بنشاط أو فعالية.

لعل جذور هذا التطور غير المرغوب به تعود إلى أنْ يأخذ الطرف الأقوى، الرجل، مكانته ودوره كمسلمات تعفيه من أنْ يدخر فيها ليعالج نعرة أو يصحح عادة درج عليها أو سوء ظن عبر عنه واتهام بالتقصير لم يحصل أنْ تراجع عنه حتى بعد اتضاح الحقيقة. يغيب عن أذهان أمثال هؤلاء أنّ الحياة الاجتماعية المشتركة تتطلب إعادة نظر ولكن البعض يسير فيها دون اهتمام يذكر وبخاصة على مستوى الرسائل اليومية من خلال التفاعل الروتيني الذي يتطلب إظهاراً للمودة والألفة والتفهم والدعم والانتصار للشريك في مواجهة خصومات و"مؤامرات" عائلية لا حصر لها. وقد يبرر كثير من الرجال ذلك بالقول "هذا ما وجدنا عليه آباءنا".

يتمثل الإدخار والاستثمار على مستوى الحياة الاجتماعية بموروث المحبة والتسامح والتراضي بين الأشخاص وليس التعايش والتغاضي فقط وقلب الصفحة. يغفر الإنسان لرفيق العمر زلة أو زلتين بل قُل زلّات، ولكنّه لا يغفر جبلاً من الزلات بحجة العمل والالتزام وصحبة النظراء والأقران على حساب حاجة ورغبة العصبة الأهم التي اختار الدخول فيها عرفياً وقانونياً وأخلاقياً، العائلة. قد تبدأ هنا مرحلة جديدة غير متوقعة بحسب المقاييس الاجتماعية الشائعة والمتعارف عليها تتمثل في أنْ يضمر المتأسي المشاعر السلبية ويتعلم فن التستر عليها مراعاة للعائلة أو تفادياً لمصير غير مرغوب به أو المحافظة على سمعة اجتماعية أو الخوف من المجهول والقلق على مستقبل الأولاد اذا ما اختار طريق التحرر والخلاص من منظومة غير مشبّعة لمشاعر إنسانية جوهرية يفترض أنْ تعبّر عن نفسها بالمحبة والتكاتف والانسجام. ولكنْ ما أنْ يحين أوان التعبير حتى لو كان بصيغة إنتقام وثأر بل وإيذاء مباشر وبخاصة على مستوى العلاقة الثنائية الخاصة بعيداً عن أعين القريبين وغير القريبين، فإنّه لا يتوانى عن إظهارها اعتماداً على سمك مشاعر الحنق والغيظ والإهانة والإذلال بسبب انعدام الثقة والعجرفة سواء على المستوى الفردي أو على مرأى ومسمع من الآخرين. تظهر مثل هذه السلوكيات في مراحل متقدمة من العمر وبخاصة في حالات المرض والشيخوخة والعجز البدني والذهني. أعطت فترة الحصار الاقتصادي نماذج من هذا النوع تعرض فيها الرجال إلى مختلف أنواع الهوان عندما انهارت مكانتهم الاقتصادية، وبالتالي الاجتماعية وتقدم غيرهم من أعضاء العائلة عليهم كالأبناء وأحياناً الزوجات، فكان أنْ ذاقوا طعم النزول من قمة الجبل إلى قاعه. ولم يكن ذلك سهلاً عليهم. يتوقع أنْ يحصل ما يشبه هذا في ظل ظروف غير اقتصادية، إنّما عمرية واجتماعية. نشهد هنا مواجهات صريحة وإيذاءً مبطناً يعبّر عنه بترشيد الخدمات المطلوب تقديمها وحتى الحرمان منها، مما يؤدي بالمتضرر إلى البحث عن تفسير يسلط ضوءاً على ما يسمّيه المجتمع تنكر وقلة وفاء، ويسمّيه الفاعل إحقاقاٌ للحقوق وإنزالاً للقصاص، وإنْ كان بصيغة غير مكشوفة أو مكتومة وغير مُعلنة.

دأبت النظريات الاجتماعية التقليدية على صعيد الحياة الزوجية على وضع صورة مثالية يحصل فيها التحول نحو مزيد من الرفقة الحسنة والمشاركة المثمرة بين الزوجين، ولكنّها لاعتبارات أدبية وأخلاقية لم تسلط الكثير من الضوء على ما يحدث وراء الحجب لالتقاط الجوانب المخالفة الا باعتبارها شاذة وغير عامة وغير سائدة. قد يحصل التوافق والرفقة المحترمة في مجتمعات يختار فيها الزوجان العيش المشترك بصورة وعي فردي وإرادة متبادلة، ولكنّ الأمر يختلف في مجتمع ذكوري ما زال ينكر أنّ للمرأة ذاتاً فردية وأحلاماً وطموحات، وإنّها أكثر من مجرد "وعاء للنسب". الواقع يحطم تلك المشاهد المسيّدة أدبياً وأخلاقياً من عائلية وقرابية وعشائرية. فقد ظهر التمرد من جانب النساء وحتى الرجال في حالات استثنائية.

القضية قضية استقواء طرف على طرف أو استضعاف طرف من قبل طرف. ويشاء العمر أنْ يعطي فرصة للتنمر والتجبر والاستمكان من قبل من شعر بعدم الرضا والهوان، فكان أنْ تنامى لديه الشعور بالحيف والفشل في أحسن الأحوال. الزواج مؤسسة تقوم على منظومة معقدة من المعايير الاجتماعية التي تربط الرجل بالمرأة في نسق من الالتزامات والحقوق المتبادلة التي تعتبر لازمة لوظيفية الحياة الاجتماعية وأدائها الهادف لتحقيق المودة والتراحم. ولكنّه في غياب الشعور بالمسؤولية المشتركة وبذل الجهد بالتواصل والتبادل البناء وتصحيح الأخطاء وإعادة ترتيب المساقات بما يحقق الشعور بالتعاون والوحدة ليس فقط البنيوية والتي تقوم على علاقات الدم من خلال إنجاب الأولاد فحسب، وإنّما أيضاً على مستوى العلاقات الإنسانية المجردة بين الزوجين، فإنّه يصبح حكماً بالسجن ومصدراً للهم والغم والكمد. تنبهت المجتمعات الحديثة لذلك الفخ القاتل الذي طالما أرّق الرجال والنساء فكان أنْ شجعت على التبادل المفتوح على أساس حرية التعبير والتأمل فيما يعتمل الحياة الخاصة واتباع آلية الاستفتاء الدائم والمستمر لسلامة الصلة بين الزوجين، فكان أنْ صدرت الروايات وتعددت الدراسات وأقرت السياسات والقوانين المصمّمة لحماية العائلة والحث على أنْ تحيا بصورة نوعية وليس فقط تقليدية مسلكية بعيداً عن الاهتمام الحقيقي والصادق بمشاعر الأطراف ذات الصلة. وكانت النتيجة أنْ حصل تعديل جوهري على نمط العائلة في ظل مجتمع أبوي ذكوري تسلطي أحادي النظرة والتفكير والسلوك لتكون العائلة واحة محبة وأمن وسلام لكل أفرادها وليس ساحة مواجهة وتقاتل وعناد. أهمل هذا الجانب في مجتمع مثل المجتمع العراقي من قبل الكثيرين ربما بسبب الظروف السياسية العامة وانعدام الأمن والاستقرار الذي شجع على العنف وغذّاه.

يتصور البعض ببساطة أنّ القضية اقتصادية وأنّ المال كفيل بمعالجة الكثير من مشاعر الحنق والغيظ وخيبة الأمل، ولكنّ الواقع يدحض هذه الفكرة. فالتوترات المشار إليها والميل إلى الثأر والانتقام في مراحل متقدمة من العمر لا تظهر لدى الفقراء بل لدى الميسورين من متوسطي الحال ممن يقودون حياة تبدو أو توصف بأنّها "مقنعة" مادياً واقتصادياً. قد يضطر الفقراء للتراحم بحكم محدودية آفاق التحرك اجتماعياً، وبالتالي فإنّهم يصبحون أكثر قرباً وتوحداً وانسجاماً مع بعضهم البعض. ولكنّ المشكلة تظهر لدى آخرين ينظرون إلى الحياة الاجتماعية كما لو أنّها حزمة قوائم إنفاق في مجالات أساسية دون بذل ما يكفي من الجهد وإتاحة الوقت الكافي والنوعي للتوادد والتقارب أدبياً وإنسانياً وهذا هو الأغلى والأهم لضمان سلامة الحياة الزوجية والعائلية.