الرئيسية » سياسة واقتصاد » هراء «خبير» روسي يتحدث عن الشرق الأوسط – فيتالي نعومكين
nwmkyn.jpg

هراء «خبير» روسي يتحدث عن الشرق الأوسط – فيتالي نعومكين


يفغيني ساتانوفسكي هو رئيس معهد خاص وصغير، تحت تسمية الشرق الأوسط، وعادة ما يظهر على شاشات القنوات التلفزيونية وفي محطات الراديو. السؤال الرئيسي: إلى أي درجة يعكس يفغيني ساتانوفسكي في طرحه رأي المواطنين الروس؟ أستبق الجواب للقول: إنها شريحة صغيرة للغاية لا تكاد تذكر. لكن مع ذلك سأتطرق باختصار وبشكل عام لبعض «مصارحاته» المسرودة في كلمة هذا الخبير. 
هذه الكلمة موجودة في مقطع فيديو مدته نصف ساعة، في موقع «يوتيوب» لمن يرغب في الاطلاع عليها.
أول مصارحاته هي: أنه في الشرق الأوسط نصف الدول لا وجود لها، فهذه الدول مقسمة إلى قبائل، وهي تحت سيطرة «تحالفات لقادة ميدانيين». لقد ألغى بكل بساطة نصف دول الشرق الأوسط من الوجود. نعم لدى السيد ساتانوفسكي ما يكفي من الجرأة كي يهين الجميع – أناساً كانوا أم دولاً بحد ذاتها.
أما مصارحته الثانية، فهي حول المملكة العربية السعودية: فحسب رأي هذا الشخص لا داعي لروسيا أن تقع في غرور تقاربها مع السعودية. عزاؤه الوحيد بحسب ما يتوهم به هذا الخبير، هو فقط تطابق مصالحنا في الحد من إنتاج النفط.
هنا ينتقل المتكلم إلى شمال القوقاز الروسي. وإليكم مصارحته الثالثة: 50 في المائة من الطوائف المسلمة في داغستان هي «راديكالية» أو لها «ارتباط وثيق بالراديكاليين».
أما الرابعة فهي بشأن سوريا، حيث يدعي أن تقييم القدرات القتالية للإيرانيين في هذه الدولة من قبل العسكريين الروس فيه بعض المراوغة. من غير المفهوم لماذا يأخذ ساتانوفسكي على عاتقه نقل تقييماتهم) – «الإيرانيون لا يتحركون ويعطون دور القتال للآخرين»، أما «حزب الله» فهو قوة لديها قدراتها القتالية.
المصارحة الخامسة، فهي وكما يقولون في روسيا «لا يمكن أن تدخل في أي باب»، لذلك أنا أتفهم امتعاض أصدقائي العرب من المراسلين. فهو يقول إن إسرائيل تعمل في سوريا في المناطق المحاذية لحدودها فقط، لكن في نفس الوقت لديها استخباراتها الفعالة. 
في مصارحته السادسة، يقول المتكلم ما لا تعترف به إسرائيل نفسها (رغم أنها لا تنفيه). فلقد صرح بأن إسرائيل تعتبر دولة نووية منذ عام 1950، والأكثر من ذلك فإذا كان لدى باكستان ما بين 100 و120 رأساً نووياً، فإن إسرائيل – وألفت انتباهكم هنا إلى ما قاله! – تدخل ضمن الدول الثلاث الأولى في العالم التي لديها أحدث التقنيات النووية، بعد روسيا والولايات المتحدة.
فيما يلي بعض التصريحات المذهلة «بشأن الوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط». ما يثير دهشة المراسلين هي تنبؤات هذا الخبير. وأي تنبؤات؟ مرة أخرى باختصار شديد.
ويقول عن السلطة في الجزائر بأنهم «ينظرون بغيرة إلى تعاوننا مع المغرب في المجال العسكري والتقني».
لقد تجاهل تونس. أما ليبيا فهي ببساطة لا وجود لها. يقول السيد ساتانوفسكي إن الإيطاليين يقفون خلف السراج والفرنسيين والإمارات العربية المتحدة ومصر خلف حفتر، و«نحن نقدم له شيئا ما». ما الذي يقصده هذا المتكلم الذي يعرف كل شيء؟ فكما هو معروف، روسيا ملتزمة بالحظر المفروض على توريد «شيء ما» إلى ليبيا. أما في فزان فيتصارع الإيطاليون مع الفرنسيين للسيطرة على الحدود. فهم حسب تأكيدات المتكلم، يستخدمون شرطة الجنجويد لقطع الطريق أمام المهاجرين الأفارقة، الذين ينوون الهجرة من الصحراء إلى أوروبا عبر ليبيا. وتبلغ أعدادهم مئات الآلاف من الأشخاص. وبأي طريقة يقومون بمنعهم. يبدو الأمر سهلاً جداً: فهم يقومون بقتلهم. هذا يعني أنهم يقومون بذلك طبقاً لطلب الأوروبيين. «أما نحن فنعمل هناك – ونعرف مدى أهميتنا حسب ما يشير إليه السيد ساتانوفسكي – عبر التعاون في المجال العسكري والتقني مع حفتر. هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن الحصول منه على نتيجة نظراً لوجود النفط هناك».
أما مصر فهي الأخرى كان لها حصة في كلمته. فهو يرى مسترسلاً في مصارحاته: «إنها على أبواب كارثة جيوسياسية ومالية.
إن أكثر ما أدهش المراسلين العرب هي أقوال السيد ساتانوفسكي بشأن القضية الفلسطينية. في المقدمة كان قد صرح بأنه يدرس هذه القضية منذ سنوات عدة، ويدعي بأنه يعرف كل شيء «من داخل النخبة الفلسطينية». وما يتبع – هو أعمق!. الدولة الفلسطينية لم تتشكل، ولا يمكن تشكيلها، ولن يشكلها أحد، لأن كل الأموال تسرق. المنفذ الوحيد – هو تحويل فلسطين إلى ما يشبه بورتوريكو، التابعة للولايات المتحدة الأميركية، أما فلسطين فستكون في هذه الحالة تابعة لإسرائيل. «حتى حماس في غزة لا تعترف بأي عملات أخرى عدا الشيقل»، بحسب ساتانوفسكي. ويشتكي ساتانوفسكي من أن الأمم المتحدة تصرف أموالاً طائلة على الفلسطينيين المهجرين وعلى السلام وغيره، والبيروقراطية أيضاً تهدر أموالاً كبيرة. فليستمروا في هذه الحرب «الدبلوماسية التي لا معنى لها».
ومن ملاحظات ساتانوفسكي أيضاً – يقول: عمل معنا الجميع في الشرق الأوسط ومن ثم «سلمونا للأميركيين». لا يجوز إعطاء القروض إلى أحد في تلك المنطقة، فهم لن يسددوها، «هذا هو المتعارف عليه عندهم».
أما عن سوريا فيقول: «نحن قمنا بسحق عدد كبير من المسلحين» – وكأنه بنفسه شارك في ذلك – «وإلا لكان لدينا في شمال القوقاز حرب إرهابية خطيرة». وفي سياق كلمته يسمي الجولان «إسرائيل» (!) فلا يكترث هذا الخبير لا بالموقف الدولي ولا بالموقف الروسي الرسمي. وعبر عن رأيه تجاه الأسد أيضاً، فقد أعلن وبشكل قطعي: أن «الأسد يثير الامتعاض لدى الجنرالات السوريين الذين يحاربون على الجبهة» (من أين له هذه المعلومات؟) ويضيف أيضاً: «ومن عندنا يتابعون هذا الأمر باهتمام» (فمن يقصد عندما يقول: من عندنا؟).
أما آستانة، ومرة أخرى يستخدم ساتانوفسكي ضمير «نحن»، نحن أخرجناها خارج إطار جنيف. بوضعه آستانة مقابل جنيف يتجاهل هذا الخبير الإعلان الرسمي للرئيس فلاديمير بوتين ووزير الخارجية سيرغي لافروف عن تمسك روسيا بالتسوية السياسية تحت رعاية الأمم المتحدة. وهو ما أكده من جديد الرئيس بوتين خلال قمة «أبيك» في فيتنام.
ومصارحته عن العراق. «مسعود بارزاني يسلم كل ما أمكن من أجل الحفاظ على السلطة». ويعلن ساتانوفسكي بشكل قاطع قائلاً: أما الإرهابيون فقد رُحلوا إلى منطقة الأنبار، التي يدعي أنها باتت مركزاً لـ«داعش»، وهم فيها سالمون ويتم نقلهم منها إلى سوريا، «لضرب القوات الروسية».
وتطرق الخبير إلى خطة العمل الشاملة المشتركة مع إيران قائلاً: «الأكيد أن ترمب سيلغي هذه الخطة في الكونغرس، وإيران سوف تصبح دولة نووية بعد عقدين، وعلينا أن نتعايش مع هذا الأمر».
ويطرح نفسه هنا سؤال آخر: هل يعقل أن كل هذا الهراء يقوله واحد من «الخبراء» الروس (هذا إذا أمكن اعتباره كذلك)، وزد على ذلك أين؟ في قاعة مجلس الاتحاد الفيدرالي (مجلس الشيوخ)؟ نعم إنه مبدأ تعدد الآراء – أحد مكاسب الديمقراطية.
لكن يبقى السؤال: ما الجهة التي يمثلها السيد ساتانوفسكي؟ ليكن أصدقائي العرب مطمئنين، مثل هذه الرؤية التي تحمل في طياتها الكراهية للعرب والإسلام لا يمكن أن تلقى دعماً في المجتمع الروسي، وإن لاقت من يدعمها فهي شريحة صغيرة للغاية. صغيرة إلى درجة لا تكاد تذكر.

فيتالي نعومكين

رئيس «معهد الاستشراق» التابع لأكاديمية العلوم الروسية/ موسكو

 

الشرق الأوسط 16 نوفمبر 2017 مـ رقم العدد [14233]