الرئيسية » سياسة واقتصاد » هل يغير ترامب وجهة سفينته؟
trump-china.jpg

هل يغير ترامب وجهة سفينته؟

 

الحدث الأول "غير المتوقع" كان تراجع ترامب عن تصريحاته الهجومية ضد الصين التي كان أطلقها خلال الحملة الانتخابية إثر صمت طال بعد الانتخابات الرئاسية. وها هي تظهر فجأة بضع إيماءات تصالحية واتصالات تحضيرية من قبل شخصيات في الإدارة الرئاسية مع الصينيين تنتهي إلى اتصال هاتفي رسمي من قبل رئيس الولايات المتحدة بالرئيس الصيني. رافقت ذلك الاتصال زيارة ابنة ترامب السفارةَ الصينية بمناسبة عيد رأس السنة الصينية الجديدة، وبرقية ترامب للرئيس الصيني بمناسبة عيد "الفوانيس"، والإعلان عن تعيين الحاكم السابق لولاية إلينوي (وهو صديق للرئيس الصيني منذ السنوات السابقة) سفيرا أميركيا في بكين. كل هذا يشير إلى أن ترامب وفريقه بات مستعداً لقبول شبه كامل بـ"المطالب الصينية" ولإعادة النظر، على ما يبدو، في النهج المعادي إلى حد ما سابقاً لبكين. وأبقيت طي النسيان، مؤقتا على الأقل، وربما إلى الأبد، تأكيدات ترامب حول تحدي الصين "استراتيجياً" على النطاق العالمي، وحول إمكان إعادة النظر في سياسة "الصين واحدة"، و"فرض رسوم على السلع الصينية" في الآتي من الأيام بنسبة لا تقل عن 45 في المئة، ومقاومة الصين عسكرياً وسياسياً في بحر الصين الجنوبي. كل هذا أزيح من الواجهة. وتم في الوثيقة المشتركة بشأن نتائج المحادثة الهاتفية إعطاء صورة حول اتفاق كلي في المواقف على قاعدة الشروط الصينية.

بمقابل ذلك جاء الإعلان عن استقالة الجنرال فلين، الذي كان عين مؤخرا من قبل ترامب نفسه لتسنم أحد أعلى المناصب، وهو منصب "مساعد الرئيس للأمن القومي" المسؤول عن نشاط الولايات المتحدة برمته سواء على صعيد الأمن أو على صعيد السياسة الخارجية. وجاء في طلب الاستقالة من قبل الجنرال فلين (أقله حسب تلفزيون  CNNالأكثر عداء لترامب وإدارته)، إن فلين أجرى اتصالات غير مصرح بها مع السفير الروسي كيسلياك، وهو ما أفادت به وزارة العدل (في الواقع مكتب التحقيقات الفدراليFBI ). علما أن من مهمات مستشار الأمن القومي الاتصال بسفراء وساسة الدول الأجنبية. ولكن المثير للاهتمام واللامنطقي، أن فلين لم يتحدث مع كيسلياك سرا، بل بصراحة تامة عبر الهاتف، كما هو معتمد أصلاً. وبما أن الجنرال فلين كان ابلغ السفير في سياق هذا الاتصال، حسب زعمهم، أنه لا ينبغي أن تولي روسيا الأعمال العدائية من جانب إدارة أوباما المرتحلة اهتماما، وأن الإدارة الجديدة ستكون قادرة على تصحيح المسار، فهذا ذريعة كافية لأن يستقيل، وهو الذي كان يجلس إلى طاولة واحدة مع بوتين يوم الاحتفال بقناة "روسيا اليوم" التلفزيونية، وذلك تحت ضغط "الهستيريا المعادية لروسيا" التى تدور رحاها في الولايات المتحدة كل هذا الوقت لتبلغ حدة غير مسبوقة. ترامب نفسه لم يقترح إقالة من عيّنه هو نفسه، لكن الجنرال إياه ارتاع نفسياً وجبن واضعاً بذلك ترامب ومعه كامل فريقه في وضع "البطة الجريحة" بعد أن أطلق عليها الصياد النار. فباتت الإدارة الجديدة تبدو أشبه بسفينة تغرق ما دامت تقفز منها الفئران.

هذان الحدثان يدعوان بكل قوة إلى المقارنة والمقابلة. فهناك داخل إدارة ترامب "لوبي صيني" مؤثر جدا، يقوم على نفوذ مجموعات مالية وتجارية قوية في جانب واحد. وهذه المجموعة لا تجد لها معارضة في في المجال السياسي الداخلي من قبل السلطة السياسية والإعلامية الأكثر نفوذا في الولايات المتحدة. هذا اللوبي يسعى إلى مراجعة نهج ترامب نفسه تجاه الصين. ولكن هناك في المقابل داخل إدارة ترامب وفي النظام السياسي الأمريكي تحالف قوى مناهضة لروسيا يتعزز أكثر فأكثر، وهي قوى أخافت جدا على ما يبدو الجنرال الذي أبدى "بطولة" استثنائية، والذي يسعى حسب زعمها إلى تحسين العلاقات مع روسيا. والنتيجة الوحيدة لهذا هي أن أمل الكرملين في "تهدئة" ما مع الولايات المتحدة والغرب لا أساس له. وأن من الضروري الإعداد ليس فقط لمواجهة مع الولايات المتحدة، ولكن أيضا لمواجهة حروب إقليمية قاسية جداً. ويكاد يكون من المؤكد أن ترامب الذي أظهر ضعفا وتخليا عن المواقف السابقة سيكون من الممكن الآن إقناعه وإخضاعه والتلاعب بمواقفه. ومن بين أكثر الأمور احتمالاً هنا تطوير آلية في الولايات المتحدة ترتبط بهجوم عنيف تشنه كييف على جمهوريتي الدونباس دونيتسك ولوغانسك، باستخدام جميع القوات المتاحة، وهو ما يفترض أن يضع الكرملين في مأزق بين خيارين لا ثالث لهما: إما تسليم الدونباس، مع احتمال الحصول من ثم، بجريرة "ضعف" الموقف، على بؤر نزاع مماثلة في شبه جزيرة القرم والقوقاز وآسيا الوسطى؛ وإما ضربة سافرة لقوات كييف المهاجمة تلحق بها الهزيمة، ولكنها تستثير مواجهة شاملة مع ترامب نفسه ومعه المجموعة الغربية كلها. في الحالة الأولى سيأتي الموت طبيعيا، وفي الثانية ستدشن خط دفاع جديداً من الغرب. تلك هي الصورة التي تتكشف خيوطها منذ الآن.