الرئيسية » سياسة واقتصاد » هل الاستثمارات الروسية الموعودة وراء إشعال حرب اليمن؟ – د. صادق علي محمد
sbb_lhrb_fy_lymn-lmkhlfy_wlfrwf.jpg

هل الاستثمارات الروسية الموعودة وراء إشعال حرب اليمن؟ – د. صادق علي محمد

 

ولعل أهم المشاريع التي يقصدها لافروف استثمارات الشركات الروسية في مجال التعدين والتنقيب عن النفظ والغاز في اليمن، بموجب الاتفاقيات الثنائية التي تم التوصل إليها بين القيادتين الروسية واليمنية أثناء زيارة الريئس عبده ربه منصور هادي إلى موسكو عام 2013 والتي ينظر إليها مراقبون للعلاقات الروسية اليمنية على أنها أحد أسباب انقلاب الرئيس السابق علي عبدالله صالح و الحركة الحوثية على هادي في 2015.

زيارة الرئيس اليمني عبده ربه منصور هادي لموسكو في أبريل/ نيسان 2013  كان سيكتب لها النجاح لو تمكنت الحكومة اليمنية من تنفيذ بنود ما اتفقت عليه القيادتان الروسية واليمنية في الجوانب الاقتصادية والعكسرية والأمنية.

وكان الرئيس اليمني هادي في زيارته هذه قد التقى كلاً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء ديميتري ميدفيديف، وأعطت القيادة الروسية لهذه الزيارة أهمية لاستئناف كافة الاتصالات واستمرارها وتطويرها في كافة القضايا، وعلى كافة المسارات بما فيها نشاط الشركات الاستثمارية والتعاون العسكري والتقني والإنساني.

ففي الجانب الاقتصادي، أبدت القيادة الروسية الاستعداد لبذل كل الجهود والمساعي لتهيئة الظروف لإعادة بناء البلاد وتنميتها ورفع مستوى المعيشة كما عبرت عن رغبتها الكبيرة في الاستثمار والتنقيب في مجالات النفط والغاز والتعدين في اليمن. ورحب الجانب اليمني بذلك وأبدى الرغبة الكاملة لتسهيل نشاط شركات الاستثمار الروسية وإعطائها الفرصة لمنافسة بقية الشركات المتعددة الجنسيات العاملة في اليمن.

منافسة الشركات الروسية في مجال الاستثمار كانت ستضع حداً للامتيازات المهولة التي تمنحها لنفسها الشركات الأخرى وستعطي حكومة هادي فرصة تاريخية للاستفادة من عائدات الثروة النفطية، والإنفاق الرشيد في المجالات التنموية المختلفة، بعدما ظلت نهباً للشركات الأخرى لفترة طويلة.

وفي الجانب العسكري والأمني، كانت القيادتان الروسية واليمنية اتفقتا على ضرورة محاربة الإرهاب وأبدت موسكو استعدادها لتقديم الدعم العسكري والتقني لإنجاح هذه المهمة ووضع حد للاستغلال السياسي لقضية الإرهاب على الصعيدين الداخلي والخارجي.

تلك الزيارة فتحت الباب لصفحة جديدة في تاريخ العلاقات اليمنية الروسية وبآفاق مستقبلية واسعة على أساس تكافؤ المصالح والاحترام المتبادل، خصوصاً أن الوضع بدا مهيأ لذلك بعد إجبار ثورة فبراير/شباط 2011 السلمية الرئيس السابق علي صالح على التنحي من السلطة التي دام فيها 33 عاماً انتهج خلالها سياسة تبعية شبه مطلقة للملكة العربية السعودية والولايات المتحدة ما يعني أنه كان عليه وضع علاقات بلاده مع روسيا على الهامش.

 لكن تحالفاً عريضاً من الخارج والداخل تقاطعت مصالح أطرافه كلها عند الانقلاب على نظام الرئيس هادي، وتشكل هذا التحالف من لوبي الشركات النفطية الغربية المؤثرة في سياسات حكوماتها وأنظمة إقليمية عربية حملت على عاتقها مهمة إسقاط الحكومات التي صعدتها ثورات الربيع العربي إضافة إلى الحركة الحوثية التي كان طموحها في السيطرة على السلطة يتزايد باطراد ونظام صالح الساعي للانتقام من مرحلة ما بعد ثورة فبراير/شباط 2011 التي أطاحت به.

فالشركات النفطية الغربية التي تفعل ما تشاء في الثروة النفطية اليمنية ما كان لها أن تفسح المجال للشركات الروسية التي ستشعل المنافسة وقد تزيح منافساتها.

وللإشارة إلى ما قد يدفع الشركات الغربية المدعومة من حكوماتها لمنع الشركات الروسية من منافستها في اليمن فإن شركات الاستكشافات الغربية تقدر مخزون آبار النفط في اليمن خصوصاً في البحر ومنطقتي الربع الخالي والجوف بنسبة تعادل 70 بالمائة مما تحتويه آبار النفط في السعودية.

بالإضافة إلى ذلك فمن نافل القول، عند الحديث عن اليمن، التذكير بموقعه الاستراتيجي المهم والذي يتحكم بمضيق باب المندب الذي تمر منه أكثر من 20 بالمائة من التجارة العالمية، فضلاً عن امتداد الجغرافيا اليمنية على شاطئ يصل طوله إلى نحو 2000  كيلومتر تتخلله موانئ متعددة أشهرها ميناء عدن.

 

 

إلى جانب هذا السبب الاقتصادي المهم رأت القوى الغربية الكبرى المهتمة بقضية الحرب على الإرهاب في الحركة الحوثية المسلحة حليفاً ممكناً وفاعلاً في محاربة الإرهاب داخل اليمن باعتبارها منظمة شيعية مدعومة من إيران وبالتالي فهي ستندفع بلا تردد لمحاربة تنظيم القاعدة وباقي الجماعات المتطرفة لأنها تمثل عدواً طائفياً لدوداً للحوثيين قبل أي اعتبارات أخرى.

أما الأنظمة الملكية في الخليج فقد شعرت بالرعب مع انطلاق ثورات الربيع العربي في تونس وامتدادها إلى مصر واليمن وليبيا وسوريا وخشيت من أن تمتد إلى بلدانها فبدأت تحركاتها المضادة برسم صورة قاتمة عما آلت إليه الأوضاع في بلدان الربيع وتحذير مواطنيها من تقليد ما حدث .

وتمثلت الخطوة التالية للأنظمة المعادية للربيع العربي بعسكرة الحياة في بعض بلدانه وبإجهاض أي انتقال ديمقراطي حقيقي في بلدان الربيع الأخرى وعرقلة أي إنجاز اقتصادي أو اجتماعي تحققه حكومات الثورة العربية وذلك من أجل تقديم دليل محسوس لمواطنيها على أن الثورات لم تجلب لبلدانها غير الدمار وعدم الاستقرار، وما زال الإعلام الرسمي في البلدان المعادية للربيع العربي يعمل على تثبيت هذه الصورة في عقول مواطنيه إلى اليوم.

لذلك كان لا بد من أن تنال اليمن نصيبها من ذلك المخطط الهادف إلى إفشال حكومات الثورة وزعزعة استقرارها.

وفي اليمن كانت الأدوات المحلية لتنفيذ المخطط على اعلى مستويات الجاهزية. إنها الحركة الحوثية الطامحة إلى السلطة والتي كانت قد بدأت شن معارك متفرقة ضد خصومها الأيديولوجيين في حزب الإصلاح الإسلامي الذي كان يقود حكومة ما بعد ثورة فبراير 2011 وهو كذلك خصم لدود في نظر الأنظمة الخليجية باعتباره فرعاً للإخوان المسلمين في اليمن.

هناك أيضاً كان الرئيس السابق علي عبدالله صالح الذي أطاحت به ثورة فبراير من السلطة ينتظر الفرصة المناسبة أكثر من غيره للانتقام من خصومه السياسيين الذين أسقطوا نظامه والذي كان قد أتخذ قبل ذلك الكثير من الخطوات العملية لافشال عمل حكومة التوافق الوطني والتخلص من رأس النظام هادي وهذا ما حدث في مجمع العرضي الطبي في العاصمة صنعاء ديسمبر/ كانون الأول 2013، حيث كان مستوى التخطيط للعملية الارهابية البشعة وتنفيذها في غاية الدقة، ولا يمكن لاي جهة اتقانه الا عصابة محترفة تمتلك رصيداً كبيراً في الإجرام، وتعرف خبايا "جدران" المجمع الطبي بدقة.

وهكذا تكامل المخطط الهادف إلى محو كل ما أدت إليه ثورة فبراير بما في ذلك نظام الرئيس هادي وحكومته.

لهذا الغرض، وفقاً لمصادر سياسية مطلعة، اجتمع ممثلو أطراف تحالف الإنقلاب وقوى الثورة المضادة الخارجيون والمحليون في إحدى العواصم الخليجية صيف 2014 للاتفاق على تفاصيل المخطط وخطوات تنفيذه.

وكان لهذا التحالف الواسع من خطط له… فبالمساعدة الكاملة من قبل الرئيس السابق صالح العسكرية والأمنية والقبلية، استولت الحركة الحوثية على السلطة مطلع 2015 بالقوة المسلحة ووضعت هادي تحت الإقامة الجبرية قبل أن تتغير التحالفات نسبياً وتكتشف أنظمة الخليج التي خططت للإطاحة بحكومات الربيع العربي مدى ورطتها بدعم الحوثيين في اليمن خلال المراحل الأولى من إعدادهم للسيطرة على السلطة.

وبهذا تكون الشركات الغربية النفطية قد حققت هدفها الأساسي من الإنقلاب، والذي تمثل  بقطع الطريق على الاستثمارات الروسية من القدوم إلى اليمن، من جديد.

ومن جديد، يبدو أن حديث الوزير لافروف حول استعداد موسكو لاستئناف العلاقات مع اليمن وتعزيزها بعد انتهاء الحرب الراهنة قد أيقظ مخاوف خصوم موسكو فأوعزوا بافتتاح صفحة جديدة من إثارة الحرب وعدم الاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن كما حدث يوم 28 يناير/ كانون الثاني الماضي من اقتتال بين القوات الموالية للرئيس هادي وقوات موالية للمجلس الانتقالي الجنوبي الساعي إلى الانفصال بجنوب اليمن في دولة مستقلة عن شماله والذي تجهز له دولة الإمارات على نار هادئة بعد إعدادها لكل محافظة جنوبية نخبتها العسكرية التي ستفرض سلطتها بالقوة في حدود جغرافية النخب الإجتماعية التي حكمت قبل ثورة اكتوبر/تشرين الأول 1963.