الرئيسية » اكتشف روسيا! » “حفل القرن” – باسم الاشقر / (الجزء الأول)
shtwkhwzn.jpg

“حفل القرن” – باسم الاشقر / (الجزء الأول)

كان حجم الإقبال على الحفل السيمفوني يوم السبت، الخامس من تشرين الثاني نوفمبر، الذي استضافته قاعة تشايكوفسكي في مبنى الفلهارموني بموسكو، ظاهرة لا تقل بحد ذاتها أهمية عن المحتوى الموسيقي لهذه الفعالية التي وصفها بعض النقاد بأنها "حفل القرن"، نظرا للاهتمام غير المسبوق من قبل الجمهور بموسيقا لم تعتاد أن تحظى بشعبية بهذا الحجم، ولعل خير دليل على ذلك، هو امتداد ظاهرة البحث عن تذاكر "زائدة"، إلى خارج شبابيك تذاكر صالة تشايكوفسكي، لتصل إلى محطة مترو، ماياكوفسكايا، التي يقف إلى جانبها مبنى الفلهارموني، ثم يلفت الانتباه، كثافة حضور الموسيقيين من شتى الفئات العمرية، بدئا من البروفسورات، ونهاية بطلاب المدارس، مؤلفين وعازفين ونقاد.

وقد يكون هذا منظرا "اعتياديا" لو لم يكن برنامج الحفل مكونا من مقطوعات لمؤلفين موسيقيين، عرفوا بـ "صعوبة" الاستماع لموسيقاهم، ليس من قبل الجمهور العريض وحسب، بل ومن قبل فئة عريضة من الموسيقيين "الملتزمين" بالموسيقا التقليدية،حيث تضمن الحفل، العرض الأول في روسيا لمقطوعة "المجموعات" للألماني كارلهاينز شتوكهاوزن، وسيمفونية الإيطالي لوتشيانو بيريو، بالإضافة إلى سيرينادا للأوركسترا "1791" للمؤلف الأذربيجاني، فرج كارايف.

-"المجموعات" لشتوكهاوزن– العرض الأول

ولعل عرض "المجموعات" للمؤلف، شتوكهاوزن، للمرة الأولى في روسيا، هو أحد الأسباب الرئيسية لهذا الإقبال الحاشد على الحفل، فما هي "المجموعات" وكيف كتبت، ولماذا سميت بهذا الاسم، ولماذا لم تقدم للجمهور الروسي من قبل؟

قد يكون أحد الأسباب الرئيسية لقلة تقديم هذا العمل "الضخم" بشكل عام، وعدم تقديمه سابقا في روسيا، هو "ضخامة" العمل ذاتها، حيث كتبت هذه المقطوعة بين عامي 1955 و 1957، لثلاث أوركسترات تعزف بالتزامن تحت قيادة، "مايسترو" لكل منها، وتتطلب فضاء جغرافيا خاصا، إذ من المفترض أن تقف أوركسترا أمام الجمهور وتوزع اثنتان إلى اليمين وإلى اليسار منه، لتكوِّن محيطا موسيقا واحدا حول المستمع، يؤدي كل جزء منه دوره في تقديم عالمه الخاص، والمكون في حد ذاته من "مجموعات" تلتقي وتفترق فيما بنيها لتخلق نسيجا صوتيا موسيقا يحاكي أصوات "العالم الجديد" الذي بدأ يزخر بالأصوات الإلكترونية.

كانشتوكهاوزن، ولِهاً بكل ما هو جديد، وملتزما في نفس الوقت بتاريخ وتقاليد الموسيقا الأكاديمية، فارتكز إلى تلك التقاليد في كل تجاربه ولدى كل محاولاته ضم الجديد إليها، ومن هنا كانت فكرته في بادئ الأمر، بكتابة عمل موسيقي للأوركسترا السيمفونية بتشكيلتها "الشتراوسية" المكونة من 109 عازفين، أي حسب التقاليد التي نشأ وترعرع عليها، مضيفا إليها موسيقا إلكترونية، الأمر الذي تخلى عنه لاحقا، ليستغل الأوركسترا في محاكاة "الواقع الصوتي" الجديد، الذي فرضته التكنولوجيا الإلكترونية في عصره.

وفي الوقت الذي أحدث فيه ظهور الأشرطة الممغنطة، ثورة في ترويج الموسيقا وتسجيلها ونشرها وإيصالها إلى شريحة أوسع من المستمعين حول العالم، بعد أن كانت تقنية ألمانية سرية كشف عنها الستارعند غزو الحلفاء لألمانيا في أواخر الحرب العالمية الثانية،كان ما لفت اهتمام المؤلف الألماني، ليس استخدام هذه الأشرطة لترويج الموسيقا "التقليدية"، بل استخدامها كظاهرة موسيقية قائمة بحد ذاتها، وكانت الخاصية التي أثارت اهتمامه أكثر من غيرها في تلك الأشرطة، هي إمكانية تسجيل عدة طبقات صوتية بعضها فوق بعض، لتتزامن أصوات لم يكن لدمجها أن يكون في تلك الحقبة الزمنية لولا تلك التقنية.

ومن هنا جاءت فكرة محاكاة هذه التقنية باستخدام الأوركسترا، الأمر الذي تطلب تقسيمها إلى مجموعات، تعزف كل منها في فضائها الزمني والهارموني الخاص، غير آبهة بما يدور لدى جارتها، وربما كان أي مؤلف آخر، قد اكتفى بهذه الفكرة تاركا تزامن المجموعات والتنسيق فيما بينها لظاهرة الصدفة أوالارتجال أو الألياتوريكا(Aleatoric) وإلى آخره، إلا أن المؤلف يبقى مخلصا لثقافته الألمانية، التي تتميز بتصنيف وترتيب كل ما يمكن تصنيفه وترتيبه، رافضا ترك شيء للصدفة، حتى أوصله هاجس السيطرة على كل التفاصيل الدقيقة، إلى ضرورة الاستعانة بثلاثة قادة للأوركسترا، وبالتالي تقسيم الأوركسترا إلى ثلاث، توزع عليها المجموعات الـ 22 التي يتضمنها العمل.

هكذا، ببساطة الالتزام بالموروث، والشغف بما هو جديد والعمل لسنتين، ولد أحد أكثر الأعمال الموسيقية في القرن العشرين إثارة وجمالا وربما غرابة وجدلا.

وفقا لشتوكهاوزن، فإن المجموعات، هي تلك "الوحدات" الموسيقية – الهيكلية، المجتمعة بواسطة  قوة الصوت "الدينكاميكية" ولونه أو نبرته "تيمبر" ودرجة ارتفاعه "register"،وما إلى ذلك من مختلف الأبعاد موسيقية، يبنيها المؤلف على أساس نسب عددية، تشكل على حد تعبيره "مجموعات" صوتية متعددة شديدة الاندماج، لا يستطيع المستمع تمييز نغماتها كل على حدة أو ترتيب ظهورها، مشيرا إلى أن النغمات بحد ذاتها، ليست مهمة لتلقي هذه الموسيقا، بقدر أهمية خصائصها الصوتية "sonoric"، والكثافة والسرعة "tempo" وقوة الصوت واتجاه الحركة.

وتصدح الموسيقا في "مجموعات" شتوكهاوزن، بسرعات مختلفة في آن واحد، حيث يضع المؤلف جدولا من 12 سرعة مختلفة، محددة بمنتهى الدقة إلى درجة استخدام الأرقام الكسرية لتحديد عدد الضربات في الدقيقة الواحدة، وذكر المؤلف ما قاله، المؤلف الروسي، إيغور سترافينسكي عندما رأى نوطة "المجموعات" للمرة الأولى، بأن مثل هذه الملاحظات المتعلقة بعدد ضربات "المترونوم" كـ 63.5 و 113.5 ضربة في الدقيقة، "لا يمكن تصورها في الموسيقا التقليدية"، واصفا إياها بأنها "علامة الدقة الألمانية في التفاصيل".

ما لا يجب تجاوزه، هو الإشارة إلى منتهى الدقة والوضوح الذي أبهر المستمعين والنقاد على حد سواء، في الأداء الذي استعرضته أوركسترا  "سفيتلانوف الأكاديمية الحكومية الروسية" بقيادة المايسترو، فلاديمير يوروفسكي، وأوركسترا "عزير حجي بيكوف السيمفونية الحكومية الأذربيجانية" بقيادة المايسترو، فؤاد إبراهيموف، و "فرقة" "كويستا موزيكا" بقيادة المايسترو، فيليب تشيجيفسكي، ليتركوا انطباعا عن تلك الموسيقا، يتميز بالانسيابية والرقة والتناسق التام، خلافا للصورة النمطية التي كثيرا ما تعتبر غياب "اللحن التقليدي"، مجرد ضوضاء لا يمت للفن الموسيقي بصلة.