الرئيسية » حضاريات » حالم بصرح إنساني.. – نزار الفراوي / الجزء الثاني
حالم بصرح إنساني..

حالم بصرح إنساني.. – نزار الفراوي / الجزء الثاني

وعن سنة التحول ووهم الانسجام في كون صنعه الله ويعبث به الإنسان في عربدته الأنطولوجية؟ هل كان المفكر مفصولا عن حالة الاضطراب الكوكبي الشامل؟ يرد موران على هذا السؤال مستحضرا قولة هولدرلين التي يطيب له تكرارها: "حيث ينمو الخطر، يظهر ما ينقذ".

تجتمع في فكر إدغار موران مفارقة التشخيص السوداوي والإيمان الثابت بالقدرة على تحويل مسار الإنسانية نحو كارثة منظورة، ولعله يلخص هذه الثنائية بعبارة خاصة حين يقول محاكيا فيلسوفه الأب هيراقليط: "في لحظة انقطاع الأمل، يولد الأمل".

عمره الممتد يسمح له أن يعيش هذا الانسجام الغريب، ويبرر ذلك بالقول في حديث صحفي: "ربما أنا كذلك لأني عشت أوضاعا، حيث كانت الاحتمالات تفضي إلى تحقق الكارثة، ثم وقعت أحداث مكنت من تحقق ما كان مستبعدا".

تمسكه بالأمل، وهو يحذر البشرية من أسوأ مصير، يقرنه بكلمة لخصت مبدأ حياته الفكرية ومواقفه السياسية والأخلاقية ورؤيته الحضارية الإنسانية: المقاومة.

يحلم إدغار بالإنسانية قيما عابرة للتاريخ، ناظمة للحركة الحضارية، نظاما صلبه إنسان يحمل ذاكرة، وله أخ في الجوار إنها شعاره في الحرب الوحيدة التي يستسيغها، وهو الإنساني المنافح عن السلم والوئام في العلاقات الدولية، وعن "سياسة للحضارة" (كتاب له صدر عام 1997). هي حرب ضد أكبر خطرين يتهددان العالم: نار الكراهية التي تشتعل في الحقول، وجشع الليبرالية الجديدة الذي يسمم الهواء، ويسلب حق من يولدون غدا ويحفر خط العار بين فقراء جدا وأثرياء جدا.

يقتفي الفيلسوف في رؤية استيعادية قصة نهضة الغرب، فيجد أن الفردانية غذت حركة الإبداع، وأعادت الاعتبار للفرد المبادر، وشكلت منطلق تكريس حقوق الإنسان والحريات، لكنها كانت أيضا وجها من تناقضات البشرية، بتدميرها للروابط التضامنية التي حفظت انسجام وتكامل أفراد المجموعة في أنويتها الرئيسة (العائلة، العمل، الجوار…). لقد غدت مسلسلا جارفا ينتهي إلى ضرب قيم المواطنة ذاتها.

هي فردانية الفرد، وعلى صعيد أعم، فردانية العالم الذي يرفل في نعيم النمو والرفاه. لا يخفي إدغار إحباطه، وهو ينظر إلى أوروبا، قاطرة حلم التقدم والرفاه الشامل، بتعداد 350 مليون شخص، تنكفئ على فردوسها، في وجه بضعة آلاف من السوريين الفارين من جحيم الحرب والدمار. كذلك الشأن مع الأفارقة والمغاربيين والغجر. رهاب شامل ضد الوافدين من خلف الجدران الفاصلة. عن ذلك كتب "فرنسا متعددة الثقافات" (2012)، وقبلها أدان أوروبا في "الثقافة والبربرية الأوروبية" (2005).

في كل مرة يتكرر السيناريو الذي يدينه بعبارات مماثلة مفكر أوروبي آخر هو تزفيتان تودوروف، وهو يسخر من أوهام الغرب تحت عنوان "الخوف من البرابرة" (2011، عن روبيرت لافون). يقول إدغار: "هيمنة الربح والمال دون انشغال بمصير الإنسانية يشعرني بالرعب والاشمئزاز".

يحلو له أن يستدعي مونتاني : "أرى في كل إنسان مواطنا لي، هذه شعلة يتعين الإبقاء عليها متقدة في وجه الرياح والأمواج، خصوصا في ظرفية يطبعها الانكفاء".

فيلسوف الفكر المركب

يحمل الفيلسوف الذي ينظر دائما إلى الأفق الأبعد، ولو منغمسا في تفاصيل اللحظة، هم إنسانية تترنح. مشاكلها كانت دائما مركبة، لكنها تصبح أكثر تركيبا وتعقيدا في زمن العولمة المتلاعبة بالحدود الجيوسياسية التي تتعرض للخرق والانتهاك من كل ناحية. تحولات المناخ، الفقر، الإرهاب، الأمن، الأوبئة…كلها لم تعد شأن جماعة دون أخرى. كذلك الأجوبة عليها لا يمكن أن تصدر عن جهة بمفردها، ولا يمكن إيجادها في شعبة علمية لوحدها. يتحدث عن مغامرة إنسانية مركبة، تستدعي منهجا وفكرا مركبا، لا تقنعه تقارير الخبراء وتوصيات المختصين، بل يلاحظ أنه "كلما ازداد لجوؤنا إلى الأرقام لفهم الوضع البشري، كلما ازداد جهلنا به".

ليس هناك حل، يقول موران، ولكن هناك "طريق" شكل عنوان كتاب له سطر فيه تصوره للإصلاحات الضرورية في مجالات عدة حيوية: التعليم، السياسة، الاقتصاد، البيئة… (الطريق، 2011). إنه "طريق الأمل" (2011). هذه الرؤية الشاملة المتعددة الفروع هي التي تشكل ركن الإسهام النظري الفلسفي للكاتب الذي جسده مشروع معرفي ضخم أثمر ستة كتب تحت عنوان " المنهج". إنه المشروع الموسوعي الذي حلق من خلاله الفيلسوف الفرنسي عبر التخصصات المعرفية متوخيا استجماع أكبر العناصر التي تسمح له بفهم العالم وتتبع مساراته، وبالتالي استخلاص الخيارات والسبل المطروحة نحو وجهة آمنة للإنسانية. لقد ضم المشروع "طبيعة الطبيعة" (1977)، و"حياة الحياة" (1980)، و"معرفة المعرفة" (1986)، و"الأفكار" (1991)، و"إنسانية الإنسان، الهوية الإنسانية" (2001)، و"الأخلاق" (2004). كانت الأجزاء المتوالية للمشروع كشافة لعقل موسوعي يملك ليس فقط جرأة القفز بين التخصصات، بل كفاءة إرساء الجسور بينها.

السينما.. الحديقة الخلفية

هذا الرجل لا يرهقه الفكر والتأمل في المعادلات الصعبة للحياة، لأن ملاذه حديقة تزهر بالفنون. لقد كان في مرحلة من حياته ناقدا تشكيليا معترفا به. أما في السينما، فهو أثر بصري وكتابي حي. ألف في السينما ونظر لها، وساهم في الدفع بموجة "سينما الحقيقة في فرنسا"، انطلاقا من أواخر خمسينيات القرن الماضي. هنا أيضا تميز إدغار عن مفكرين استصغروا أهمية السينما وسيجوا وجودها في باب الترفيه، بينما احتفى بها، بل مارسها إخراجا وكتابة، ثم نقدا وتفلسفا.

هذا الرجل لا يرهقه الفكر والتأمل في المعادلات الصعبة للحياة، لأن ملاذه حديقة تزهر بالفنون

قد يفتر حماس الفيلسوف لحضور ندوة أو تنشيط محاضرة، لكنه لا يتأخر عن تلبية دعوة لحضور مهرجان سينمائي يهديه صورا من عمق العالم، تستفزه دون أن تنتشله من فلك أسئلته، بل تجعله يقاربها من زوايا أخرى. يشبه السينما بالمرآة التي يقع من خلالها الانفصال بين الذات وصورتها، ذلك الضوء الكاشف للطابع المعقد للذات الإنسانية، متذكرا كيف صنع شارلي شابلن تعاطفا مع الشخص "المتشرد" لم يكن يحلم به في الواقع.

 

نزار الفراوي – إعلامي مغربي