الرئيسية » سياسة واقتصاد » غوبلز لم يمت – أمينة خيري
غوبلز لم يمت - أمينة خيري

غوبلز لم يمت – أمينة خيري

. وكلما ظهر أحدهم على شاشة، أو سُمِح له بالتنظير عن آلات الحرب الإعلامية، وغسل الأدمغة الجماعية، اتخذ منه مدخلاً للحديث ومنصةً للتحليل وإن ظل حبيس خانة الوصم وصفة النصب.

وبعد مرور ما يزيد على سبعة عقود على وفاته، أو بالأحرى انتحاره، اتضح أن في داخل كل منا، وشاشاتنا، وإعلامنا جوزيف غوبلز. صاحب المقولة الأشهر والأوقع في عالم الإعلام "إكذب حتى يصدقك الناس"، لم يكن مختلاً أو محلقاً في سماء الخيال. بل أثبتت السنوات، بخاصة العقد الأخير أنه كان عاقلاً، بل وسيد العاقلين. أو فلنقل كان واقعياً، شديد الواقعية، فاهماً العقل البشري وأبعاده وطرق استعباده. صاحب الكذب المنظم والنصب الممنهج وغسل الأدمغة المنمق، كان على قناعة تامة بأن من امتلك وسائل الإعلام فقد انتصر على خصومه في كل أنواع الصراعات. استغل وسائل الإعلام "الحديثة" وسخرها لأغراض النازية السياسية، فغسل الأدمغة، وامتلك المصائر وتلاعب بالمقدرات. وبصرف النظر عن المحصلة النهائية، أو النتائج المأسوية، فقد نجح ونجحت النازية لبعض الوقت بفضل البروباغاندا. وما الشاشات الحديثة إلا بروباغاندا متفاوتة، وآلات حرب متصارعة، وأدوات استغلال متناحرة تتنافس على الأدمغة المرصوصة على الكنبات المواجهة. مرةً تستخدم خطاب الحرية الإعلامية، وأخرى تستغل الحرب الكونية، وثالثة تلجأ إلى المصالح الوطنية، ورابعة لا تتحدث إلا عن الديموقراطية الغربية، وهلم جرا.

العجيب والغريب أن تكون المحصلات النهائية في تلك الخطابات التلفزيونية أقرب ما تكون إلى التطابق والاستنساخ. صحيح أنها تبدو متناقضةً متباينة، فهؤلاء يتحدثون عن حريات مطلقة السماء حدودها، وأولئك يلوحون بقيود وأولويات معروفة، لكن أدمغة المتلقين تبقى ملك يمين الشاشات.

الشاشات اليوم بعد سبعة عقود من انتحار غوبلز تقدم نكهات مختلفة وأشكالاً متنوعة، لكن الأطباق متطابقة والمكونات هي ذاتها. الرأي العام في الغرب هو حصيلة ما تبثه الشاشات، والرأي العام في الشرق هو نتاج ما تنضح به الشاشات أيضاً.

صحيح أنهما يبدوان على طرفي نقيض، لكنهما يظلان صنيعة الآلات الإعلامية. رحم الله غوبلز، وغفر له. لكن ما لا يمكن غفرانه هو تركه باب الاجتهاد في السيطرة على أدمغة العباد مفتوحاً، فترك الغرب يسيطر عليها من بوابة الحريات المطلقة والحقوق المقدمة. وأطلق الشرق العنان للإطباق على مصائر شعوبه بالتهديد بالكفر حيناً، والتخويف بالمؤامرات حيناً آخر، والتلويح بورقة الخصوصية الثقافية والسرية القومية أحياناً.

غوبلز لم يمت، فإرثه ما زال حياً على الشاشات..

 

المصدر الحياة