الرئيسية » حضاريات » غنى الحضارة السريانية تراثها واطباقها القديمة – رلى معوض
ليست اللغة والموسيقى وحدهما بطاقة تعريف عن حضارة ما

غنى الحضارة السريانية تراثها واطباقها القديمة – رلى معوض

من خلال مبادرة اطلقتها السيدة ندى مسعود والزميلة باتريسيا خضر، وأرادتا من خلالها تقديم الثقافة السريانية من خلال بعض الاطباق. هذه المرة استقبلتهم في 3 ايلول، السيدة غريتا جرجي وأصلها من اورفا، في "طاولة بيت القمر" في دير القمر التابعة لـ "طاولة" كمال مزوق. هذا اللقاء هو الثالث بعد لقائين في "الطاولة" في بيروت – مار مخايل حيث حضر العديد من اللبنانيين لاكتشاف اطباق يعرفون بعضها من دون أن يدركوا أنها اطباق سريانية، وأخرى اكتشفوها غنية بالسميد والباذنجان ولحم الغنم. أطباق منوعة ابرزها الـ "بوراني" وهي طبخة تحضر في أيام الأعياد، خصوصاً عيد الميلاد، فيها السلق وكبة اللحم بأحجام صغيرة والحمص وموزات الغنم، يضاف اليها اللبن والثوم. ثم الكباب بالباذنجان والذي يستغرق طبخه 4 ساعات على الفحم، حيث يشوى ويترك ليتختر ببخاره. كذلك المحاشي مثل المحشي سلق بالبرغل والفوارغ بالبرغل والجوز والـ "كيبال" والـ "كبيبات" اساسهما السميد والبرغل، يتم حشو طبقة رقيقة جداً منهما باللحم المفروم والبصل والبقدونس، ويتم سلقها بالماء المغلي. وكذلك يتمتع الذواقة في كل مرة بالحلويات السريانية وأساسها دبس الخروب والتمر مع الدبس المقلي والـ "كليجا" وتشبه كعك الشعنينة أي كعك السميد والسكر وجوزة الطيب والعديد من التوابل تحشى بالتمر أو تترك كما هي.

الفكرة إنطلقت بمبادرة فردية من سيدتين لبنانيتين اصولهما سريانية، بدأت بالإهتمام بأسرة حلبية سريانية نازحة، كي لا تذهبا فارغتي اليدين، حملتا "الكبيبات" اليها وهي وجبة سريانية شهية، اعدتها لهما سيدة سريانية و"هكذا انطلقت الفكرة لتعريف الأصدقاء اللبنانيين على هذه الأطباق. وبعد 4 اشهر من التحضير والبحث عن سيدات بارعات في هذا المجال، كانت الوليمة الأولى في "الطاولة" عند كمال مزوق. في المرة الاولى تذوق نحو 120 شخصا المأكولات لاكتشافها الى اخرين اشتاقوا الى اطباق الأمهات والجدات. وفي المرة الثانية ايضاً حضر 120 شخصاً، فقررنا التوسع في المناطق لتعريف اللبنانيين على هذه الاطباق ولشد أواصر علاقة السريان بجذورهم من خلال أكلهم الخاص" كما اوضحت لـ "النهار" الزميلة خضر. وقالت إن المشروع سيتوسع ليصبح مرة في الشهر في مكان مختلف.

يبلغ عدد ابناء الطائفة السريانية بشقيها الارثوذكسي والكاثوليكي في لبنان نحو 60 الف شخص. "أبناء هذه الطائفة كانوا دائماً في لبنان، وإسم لبنان مشتق من اللغة السريانية "لب نون" اي قلب الله" كما اوضح لـ "النهار" رئيس الرابطة السريانية في لبنان حبيب افرام، وفق ما جاء في كتاب انيس فريحة "أسماء المدن والقرى في لبنان"، ويعيد جذور العديد من اسماء المدن والقرى الى الشق السرياني. هذا الحضور السرياني التاريخي أصبح مارونياً مع الوقت ليعتبر البعض إن مار مارون ولد وعاش ومات سريانياً والموارنة هم زهرة السريان.

في الهجرة الحديثة بدايات القرن الماضي بعد ما سمي بمجازر "سيفو" اي سيف عام 1915 ومجازر العثمانيين ضد الأرمن والسريان والآشوريين والكلدان واليونان في المناطق التاريخية السريانية في "طور عابدين" اي جبل النساك في جنوب شرق تركيا، جيء بمن بقي حياً الى بيروت – المصيطبة والخندق الغميق والأشرفية وزحلة، وأصبحوا لبنانيين منذ الإحصاء الاول.

ثم كانت هجرة ثانية كبيرة مع بدايات الانقلابات والوضع الاقتصادي في سوريا والعراق الذي قابلته ثورة الحريات والحداثة والوضع الاقتصادي الجيد في لبنان، فجاءت موجة كبيرة ثانية وعملت وعاشت وازدهرت، خصوصاً في المتن وزحلة. وحصلت على الجنسية اللبنانية بموجب مرسوم التجنيس عام 1994. ثم الهجرة الثالثة الحالية، هجرة ما بعد احتلال العراق و"داعش" واقتلاع المسيحيين من أرضهم، ولكنها هجرة ترانزيت للحصول على تأشيرة للمغادرة الى بلدان غربية".

حافظت هذه المجموعات على لغتها مع الإبقاء على محاولات لانعاشها كي تبقى لغة حية، كما حافظت على حضارتها وطقوسها وليتورجيتها عبر المدارس والكنائس والجمعيات والمؤسسات المختلفة السياسية والرياضية والكشفية والاجتماعية والخيرية، وحتى في عادات الأكل وتقاليده.

 

المصدر جريدة النهار