الرئيسية » اكتشف روسيا! » غياب النقد الموسيقي – نصير شمه
str_mn_lhy.jpg

غياب النقد الموسيقي – نصير شمه

والناقد الفني المثقف الذي يعمل بطرق أكاديمية صحيحة يكاد يكون وجوده في عالم الفن العربي نادرا، فغالبا لا نجد من يقوم بعمل دراسات تخوض في الأعمال الموسيقية بطريقة تجعل الفنان نفسه متابعا ومهتما وتحفزه على الخوض أكثر في الابتكار أو ترسيخ أعماله. ويظن الكثير من القراء أن على الناقد أن يفسر العمل أو يشرحه، وهذا ليس عمل الناقد أبدا، مع أن كثيرا من النقاد لدينا يفعلون هذا، فتفسير العمل من وجهة نظر شخصية يشكل قتلا له، إذ أن المساحة التي يمنحها الموسيقي في تأليفه للمستمع تتيح له أن يتواصل معه وأن يفسر العمل بالطريقة التي يرغبها، وبالتالي تمنح المستمع فكرة التجاوب أو المشاركة في العمل، في حين يأتي من يفسر وجهة نظر أحادية لعمل ما تصادر حق المستمع تماما.

في المشهد الموسيقي العربي الحالي غياب كبير للنقد الموسيقي الدارس والواعي، فعدا قلة من النقاد الموسيقيين يخلو المشهد من الدراسات التي تستطيع أن تتحول من تلمس ظاهري للعمل الموسيقي الى دراسة توفر جهدا كبيرا على الطلاب الذين ينوون الخوض في مجال النقد الموسيقي فلا يجدون مراجع تُذكر، فيبدأون في دراساتهم من نقطة الصفر، وتظل منطقة الصفر المنطقة الأكثر حضورا ولا تتجاوزها إلا قلة تحمل في داخلها إصرارا.

وفي غياب النقد الحقيقي والواعي يصبح الكثير من المعايير الموسيقية غائبة، فمسألة التأثر والتأثير بين موسيقي وآخر تضيع تماما، وفي هذه الحالة قد يكون من العادي جدا أن يتلبس موسيقي شخصية موسيقي آخر فنيا، ولا يصبح هذا التلبس مجرد تأثر بل يتحول إلى سرقات علنية. وغالبا ما استمع إلى مقطوعات موسيقية وضعها مؤلفون نراها تشذ عن مجمل أعمالهم تماما لأنها ببساطة وافدة من مكان آخر، ومن ثم استمع إلى جمهور يقول إن هذا الموسيقي متأثر بذاك أو إنه من مدرسة موسيقي آخر، مع إن المسألة تتجاوز مسألة التأثر تماما، بل قد تكون سرقة حقيقية يحاسب عليها في الدول التي لديها قانون حقوق التأليف. ومع أن المعايير في السرقات الموسيقية معروفة ومحددة، إلا أنني من وجهة نظر شخصية أيضا أجد أن السرقة أحيانا قد تكون ذكية فتقوم بتغطية وتمويه المعايير، بحيث لا يستطيع أحد أن يسميها سرقة، وسرقة الأسلوب هي أخطر أنواع السرقات التي نجدها شائعة اليوم، ومن الأسلوب إلى سرقة الشخصية الموسيقية لفنان من فنان آخر.

الناقد الحقيقي يستطيع أن يفرض وجوده بحيث يتردد السارق قبل أن يقدم على سرقته، لكن غيابه يشكل "فلتانا أمنيا" تماما كما غياب السلطة أو الشرطة في مكان ما، حينها يصبح قانون السرقات حالة طبيعية وشائعة، ويصبح السارق محميا بهذا «الغياب الأمني». طبعا لا أعني أن يكون الناقد شرطيا، ولكن بمجرد وجوده سيشكل حماية للأرضية الفنية، فمن الصعب على موسيقي مثلا أن يتهم آخر بسرقته، أو أن يقول هذه المقطوعة بالأصل لي، أو أنها تحاول سرقتي بشكل ما، فهذا شيء غير جائز، مثل أن يتهم شخص آخر بسرقته من غير أن يقدم دلائل، حينها تصبح المسألة عبارة عن مهاترات ومعارك وتبتعد عن الشيء الحقيقي وهو السرقة، ولكن الناقد الموسيقي يستطيع ببساطة أن يدخل من الثغرات المتاحة والمتوفرة التي يتركها السارق في عمله.

وسرقة الموسيقى أو أي نوع من الفنون الأخرى المعروفة تؤثر سلبا على الموسيقي المسروق، فهو يحتار بينما يستمع إلى أعماله ويرى شخصيته مذوبة في اسطوانات أخرى، وحالة مثل هذه تجعل الموسيقي متحفزا لتأكيد أحقيته بالمقطوعات الموسيقية بدلا من العمل أكثر على موهبته. هي حالة تجعل من الموسيقي شخصا حائرا تجاه ما يحدث ولا يستطيع أن يدلي بدلوه فيه.

ومن تجربة شخصية، فقد تعرضت لأكثر من مرة على مدى حياتي لموسيقيين يسمعونني أعمالهم بشكل شخصي، وأعرف تماما المناطق التي لا تخصهم وقد يكون العمل كاملا لا يخصهم لكنهم يموهونه بطرقهم، وبينما كنت أستمع إلى هذه الأعمال كنت أشعر بأن هناك نوعا من الخيانة لذاتي لأنني لا أستطيع التصريح بأن هذه المقطوعة مأخوذة مثلا من المقطوعة الفلانية، أو أن هذا التكنيك أنا من ابتكرته، لأن الأنا هنا لا تستطيع أن تجابه ليس لأنها غير قادرة، بل لأن الأمر سيصبح مهاترة غير صحية، في حين أن الناقد الموسيقي يستطيع أن يقوم بدراسة تؤكد هذه الظاهرة دون أن يثير هذه المهاترات.

من الصعب جدا أن تشعر كفنان بأن فنك متاح للسرقة من آخرين، وليس هناك من يحمي حقوقك، ومن الأصعب أن تجد جهلا من بعض الأشخاص الذين يمارسون الكتابة عن الفن، فتجدهم يتحدثون عن عمل موسيقي ولا ينتبهون حتى إلى مصادره أو يكتبون عن تقنية أنت من قمت بها وعلمتها لطلابك ومعروفة بأنها تقنيتك وينسبونها إلى غيرك.

هذه الأمور كلها حدثت معي، وبالطبع تحدث يوميا مع غيري من الموسيقيين، ولهذا يجب أن نسعى سعيا حقيقيا كفنانين إلى دفع طلاب الموسيقى نحو الدراسات الموسيقية البحثية والنقدية.

 

 

القدس العربي