الرئيسية » حضاريات » فلسفة الحوار وثقافة التعايش السلمي بين الحضارات / سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات) – الجزء الثاني
flsf_lhwr_wthqf_ltysh_lslmy_byn_lhdrt_31.jpg

فلسفة الحوار وثقافة التعايش السلمي بين الحضارات / سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات) – الجزء الثاني

 

 عوائق الحوار

لكل عالم لغته (أو لغاته) ودينه ونمط تفكيره وسلوكيته. وهو بهذا متمايز لا بل مختلف عن الآخر. وهذه ظاهرة طبيعية متأصلة في التركيبة البشرية الطبيعية. ورغم ان الاختلاف يشكل العائق الطبيعي أمام تماهي كل طرف مع الآخر، إلا أنه يفرض نفسه على أطراف الحوار، ليشكل الحوار بدوره واجباً حياتياً, واجباً أخلاقياً ودينياً، فهو لكونه حواراً بين أناس مختلفين، فإنه بحد ذاته مغامرة، بمعنى أنه يحصل بين بشر متنوعي المشارب الاتنية والثقافية وهنا قد يكمن العائق الأول.

العائق الثاني، الأساسي، حسب رأيي، لا يكمن في ظاهرة الاختلاف، بل انه يتمثل قبل كل شيء في معضلتين أساسيتين. الأولى في غياب النظرة الأنتروبولوجية المنفتحة على كل طاقات الأنسان الخيرة، والثانية غياب النظرة العقلانية للذات.

المقاربة الأنتروبولوجية للإنسان تنظر الى التركيبة البشرية المكونة من عناصر بيولوجية ونفسية وعقلية وحتى روحية واحدة. والمقاربة الأنتروبولوجية للأديان على سبيل المثال قد تكون مساحة الموضوعية فيها أوسع من أي مقاربة أخرى تحمل طابعاً ضيقاً. هي تساعد على فهم الروح البشرية الواحدة الكامنة وراء خصوصية هذا الدين أو الشعب أو الثقافة. ومن جهة أخرى، يكون المرء في غياب النظرة العقلانية النقدية للذات أسير تاريخه ونصه ولغته الدينية والدنيوية الضيقة. مما يجعله مع الزمن يكرر أخطاءه ويجتر أوهامه ويعمق من رؤيته النرجسية الذاتوية لهويته وحضارته.

إن غياب هاتين النظرتين ليس فقط نستمده بوضوح لدى سواد الناس، بل هو بارز في مقاربة النخب الدينية والثقافية التي تقود الرأي وتفبرك الوعي والأذواق لدى شعوبها، وهنا مكمن الخطر الأكبر. لأن العائق الأبرز للرؤية الموضوعية العلمية الشاملة للإنسان والدين والثقافة يتشكل في هذا الغياب.

العائق الثالث البارز هو ثقل الذاكرة التاريخية على البشر. فالخلافات بين حملة وحراس العقائد المتنوعة لها جذور متعلقة بتمايز النصوص والطقوس، ومرتبطة بالصراعات التي دارت بينهم على مدى عصور كثيرة على مناطق النفوذ، والتي أدت الى صراعات ومشاحنات وحروب كثيرة.

فهذا يتطلب تواجد فريق عمل من الباحثين الكبار في التاريخ والسوسيوثقافة واللاهوت والفقه والسياسة، للانكباب على تأسيس استراتيجية معرفية جديدة هادفة الى الهدم التدريجي للإرث السلبي للتاريخ، وإلغاء الجدران العازلة بين الثقافات. وفي هذا السياق، من الأهمية بمكان من أجل الوصول الى هذا الهدف المرغوب التركيز في الاستراتيجية المعرفية المنشودة على أربع مهام :

أ‌-        الدراسة المتأنية لمخلفات الذاكرة التاريخية ولقوتها الراهنة.

ب‌-    اتباع المنهج المقارن بعين أنتروبولوجية موضوعية.

ج‌-      دراسة حركة التجاذب بين اللغة الدينية واللغة التاريخية والفكر الذي يحمل هاتين اللغتين.

د‌-   تبيان مسببات حالات التوتر بين ما يقوله العقل العلمي المتواضع وبين ما تفرزه المتخيلات الاجتماعية من أوهام ومخاوف دائمة. فالمعرفة والثقافة كما يقول المفكر محمدأركون "تزداد غنى وانتشاراً، عندما تملك معايير دقيقة لتحقيق الحق والخير والجمال وبحيث لا يكون الحق والخير والجمال حقاً وخيراً وجمالاً بالنسبة للعشيرة أو القبيلة أو المجموعة أو الجماعة أو الأمة فقط, بل بالنسبة الى مجموع البشر.

 

العائق الرابع الذي يحول دون فتح أبواب الحوار مشرعة، هو الجهل بالنصوص والنفوس. والجهل كما يقول الفيلسوف الألماني هولباخ هو ابو الخطايا. فهناك الكثير من نقاط الخلاف بين المؤمنين، لم يكن مصدره الضغوطات الخارجية، أو محاولات الغزو والاقتناص التي تتلبس بثوب ديني، بل إن مصدره هو غياب ثقافة المعرفة في جوهر النصوص الدينية نفسها التي تحضر بكثافة فيها روح المحبة والسلام والتعبد النقي لرب العالمين. فالذين يختلقون النزاعات والصدامات الكلامية والجسدية ويؤججون الحروب ويسفكون الدماء ويمارسون كل أنواع الإرهاب من أتباع هذا الدين أو ذاك هم الذين يركزون على نقاط الخلاف الحادة في كل نص ديني حيال النص الديني الآخر. بينما الذين يسعون الى توسيع القواسم والمساحات الانسانية المشتركة بين مريدي أو مؤمني الأديان المتنوعة هم الذين يسعون بصدق إلى تأكيد طهر الرسالة السماوية للأديان المرتكزة بشكل أساسي على المحبة والعدل والسلام الداخلي والرجاء بالحياة الأخرى ليس فقط لأبناء دينهم أو ملتهم بل لأبناء البشر كلهم.

العائق الخامس هو الصراع الضاري بين المقاربة العلمانية والمقاربة الدينية لقضايا الوجود والدنيا. فغياب الاعتراف المتبادل بالحدود المعرفية والامكانيات العقلية والمادية والروحية لكل طرف يجعل مساحات التوتر دائمة الحضور بينهما. فالفكر الديني الذي يربط المصير البشري بمشيئة خالقه، ويحاول أن يضع مسافة بين الخالق والمخلوق، وذلك لكي يحرر الوهج الرباني من انحرافات الزمان والتحولات الدراماتيكية الدائمة في التاريخ وهذا، بلا شك شيء حسن.

 في حين نرى في المقابل أن الفكر العلماني يربط المصير البشري  وحوار الحضارات بالمسار العام للعملية التاريخية للبشر، أي بجدلية الحركة التاريخية المتغيرة دائماً، التي تترافق مع التغير الدائم لكل انواع الوعي الاجتماعي للبشر. الفكر العلماني بهذا المعنى يحصر مجاله في شؤون الدهر، في شؤون الدنيا فقط. وهو بهذا لا يريد أن يربط كل أشكال الوعي البشري بمرجعية نصية فوق تاريخية، فوق بشرية، أو بالمعنى الديني، بالمرجعية النصية المقدسة، الموحى بها من الله. وبهذا يضع الفكر العلماني نفسه خارج فكرة الخلاص أو الثواب والعقاب التي تشكل واحدة من الأركان الأساسية للنصوص الدينية الكلاسيكية.

بهذا المعنى يكون كل فكر، سواء أكان دينياً ام علمانياً، محرراً نفسه من قيود معينة، ومقيداً في الوقت نفسه بمحاذير معينة. وهذا الأمر لا يشكل فقط الحاجز المعرفي الكبير في عملية الحوار الانساني الشامل. بل انه يخلق الشرخ الكبير، داخل البنية الفكرية والثقافية للحضارة الواحدة والشعب الواحد، وحتى بين أبناء الدين الواحد من مؤمنين وعلمانيين.

ما لم تقم العقول الحكيمة في الفكرين بهدم الهوة بين التاريخي والميتاتاريخي, بين المادي والروحي, والزمني والأبدي، تبقى هذه المساجلة الحادة والمدمرة قائمة بين ابناء الجنس البشري الواحد.

العائق السادس الخلط بين البعد الثقافي للدين والبعد الطقوسي والتداخل المصطنع بين السياسي والديني. كل هذا يقف حجر عثرة أمام إمكانية التعارف والتلاقي الايجابي ليس بين المجالين فقط، بل بين أبناء الشعب الواحد المنتمين الى أديان ومذاهب متنوعة. فالبعض يخلط مثلا ً بين المعرفة الدينية والوحي. فالمعرفة هي بكل بساطة القراءة البشرية للوحي. فإذا كان الدين الموحى به مصدره الله فإن المعرفة أو الثقافة الدينية مصدرها البشر. والثقافة المعمقة بالنصوص الدينية والعلمية تفتح أفق الحوار للمرء. فبواسطة الحوار الخلاق المعتمد على ثقافة دينية واسعة تُفتح الأبواب لكل رئة دينية لكي تتنشق وجهة النظر الأخرى من أجل إضافة علامات مشرقة جديدة على فهم الحقيقة الدينية، التي هي كل متكامل تتشارك فيها كل الأطراف من أجل إتمام الصورة الايمانية عن الحقيقة الإلهية.

العائق السابع المتواجد في العوالم التي لم تتنشق بعمق وتهضم قيم العصر. ولعل البارز في هذا السياق الثقافة المنقوصة في الديمقراطية. فغياب الثقافة الديمقراطية والممارسة الديمقراطية في شق واسع من المعمورة يجعل معظم أنظمة الحكم منها أقرب الى الانظمة المتسلطة. والكثير من هذه الأنظمة التي لم تستطع أن تثبت حكمها بالاستناد الى النظام الديمقراطي، تلجأ الى موروثها الديني أو السياسي القديم. ومن جهة أخرى نرى الغياب الكاسح لقيم الأخلاق في عقلية الحاكم في مجتمعات الغرب والشرق معا". (يتبع)