الرئيسية » حضاريات » فلسفة الحوار وثقافة التعايش السلمي بين الحضارات / سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات) – الجزء الثالث والأخير
flsf_lhwr_wthqf_ltysh_lslmy_byn_lhdrt_2.jpg

فلسفة الحوار وثقافة التعايش السلمي بين الحضارات / سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات) – الجزء الثالث والأخير

 

المرتجى ليس فقط ثقافة التعايش السلمي!

هناك مساحات ثقافية وفلسفية ودينية وروحانية وسياسية واقتصادية واسعة يمكن الحوار العقلاني حولها والاتفاق معاً على رسم استراتيجية تعاون وشراكة فعلية بين الحضارات في أكثر من مجال تأسيسي معرفي – أخلاقي وعملي- حياتي.

        فلكي تُحيي النخب الفكرية والشعوب الطاقة الايجابية عندها، ليس فقط من أجل تأصيل ثقافة قول وفعل يومية للتعايش السلمي بين التكوينات والأطراف المتغايرة، بل العمل على تشكيل قاعدة إنسانية متماسكة ومتناغمة للشراكة والتعاون بين كل الحضارات والبلدان والثقافات والأديان والمعارف. فالأزمات المستفحلة في كل بقاع الأرض تدعو الجميع بحكم الحاجة والمتغيرات إلى ديناميات جديدة وإلى لغة جديدة للحوار تهدف الى تأسيس شفاف للشراكة الحقيقية بين الحضارات. هذه اللغة التي يفترض علمياً أن تتحرر من المفاهيم الماضية وأن تبتكر لغة معرفية ومنهجية مرتكزة على فكرة التكامل بين العلوم لاستحداث استراتيجيات جيوسياسية وجيوثقافية جديدة واقعية، إنسانية – عادلة. فالمطلوب لا الركون إلى زهو الغرب المنتصر ولا إلى التحصن ضمن جدار الهويات المنغلقة، علينا أن نتعلم باستمرار كيفية التواصل الخلاق بين ما هو عالمي ووطني وكوني. ولعل هذا يتطلب فلسفة أخلاقية وثقافية وأمنية واقتصادية وروحية من نوع جديد تأخذ بعين الاعتبار المتطلبات المستقبلية التالية:

الاولى: العمل من أجل تأسيس أخلاقيات عالمية للتواصل بين الأفراد والجماعات والشعوب والحضارات. تتشكل فيها مبادئها وفلسفتها الأساسية، مبادئ الاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة والتعاون والتضامن والعدالة الاجتماعية.

الثانية: التركيز على تعميق ونشر فكرة التنوع الثقافي والديني والروحي التي احتضنتها اليونسكو بشكل واضح منذ اعلانها عن وثيقتها الشهيرة حول هذا الموضوع في عام 2001.

الثالثة: إذا كانت ردة فعل النخب والشعوب على التطرف المادي وعلى محاولة تشيين كل شيء وعلى سيادة الثقافة الاستهلاكية، وإذا كان الجواب يجده الكثيرون بالتركيز على البعد الروحي للشخصية الانسانية، ويتوجب أن يكون هذا من اختصاص النخب الدينية والعاملين في مؤسساتها، فإن المطلوب من هذه النخب، ومن باب الحرص على قداسة الرسالة الدينية وعلى خلودية الجانب الروحي في الحياة، أن تهتم بتقديم الطعام الروحي الأكثر طهارة وكثافة من ناحية الأخلاق والابتعاد عن مغريات الدنيا، لا الانغماس في لعبتها واغراءاتها السياسية والمادية كما يظهر لدى ممثلي المؤسسات الدينية.

الرابعة: التحرر من وهم الهويات المغلقة وخطر الأصوليات والعمل على تعميق الانتماء بالمبادئ والقيم الانسانية المشتركة.

الخامسة: الابتعاد عن التماهي والانصهار والذوبان في مسار النموذج الواحد والاقرار بأن لكل شعب هويته. بيد ان هوية كل شعب، لا بل هوية كل فرد مركبة، متغيرة، متفاعلة بشكل دائم بين الأنا والآخر، بين الكوني والمحلي.

السادسة: إذا كانت مسيرة العولمة بوتيرة نموها التكنولوجي والمعلوماتي أمرا واقعا ومحتوما، فإن الحرص على الجانب المسالم والأكسيولوجي في الشخصية الثقافية للشعوب هو واجب أخلاقي وإنساني للقوي والضعيف، للحاكم والمحكوم، للنخب والجماعات الثقافية والدينية.

السابعة: خلق آليات وديناميات جديدة للتواصل والتبادل والتفاعل بين مجمل الحضارات والثقافات من أجل أن يكون العالم موطناً رحباً يستوعب الجميع، وفي هذا السياق يهمني أن ألفت القيمين على منظمة الأونسكو أن يولوا انتباهاً خاصاً واحتضانا ودعماً الوثيقة التي حضرتها مجموعة من العلماء المبدعين من أكثر من قارة والتي تتضمن رؤية تكاملية مشرقة جديدة للحضارات ترسم خطة استراتيجية نظرية وعملية تهدف لشراكة فعلية بين أبناء الجيل الجديد من حضارة الأنسان في مجالات العلم والتعليم والثقافة.

الثامنة: لم يعد العالم يتحمل هذه الموجة الرهيبة من الحروب والصراعات، ولم يكن مصير الذين يضخون المال والقوة والمعرفة من أجل تأجيجها إلا نتيجة كارثية لصانع القرارات والسيناريوهات وللذي يقاومه معاً. فرأفة بالحياة وبحاضر الانسان ومصيره ينبغي إنعاش الطاقة الأخلاقية والانسانية الايجابية لدى كل فرد وكل مجموعة وكل حكومة وكل حضارة، وهذه الطاقة لا يمكن أن تنتعش إلا في التواصل والحوار والتعاون والشراكة الخلاقة، والعمل معاً على تعميق ونشر ثقافة السلام والمحبة بين كل الشعوب والحضارات.

وقد تكون خاتمة المرتجى واحدة من أبرز المهام، التي نأمل أن يفتح قلبه وعقله لها الحاكم والمحكوم، المؤمن والعلماني في محوري الشمال والجنوب، أن يطرح كل طرف على نفسه الأسئلة الملحة التالية حولها: الى أي حد نعمل جميعاً من أجل تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية وتوسيع مساحة الأخلاق والتضامن بين محوري الشمال والجنوب, بين المحرومين والمعذبين في كل العالم؟ الى أي حد سيسهم كل واحد منا في الأخوة الإنسانية العامة من أجل تعميق أواصر المحبة والعدل والسلام والجمال بين سكان هذا الكوكب الذي نعيش عليه معاً والسعي للتناغم الدائم بين كل من البعد البشري والطبيعي الألهي والكوني لشخصيتنا الإنسانية؟

 فبهاتين الخاتمتين يكمن المرتجى الأكبر لمجمل سكان المعمورة وتكمن الحقيقة الساطعة للشراكة الفعلية بين الحضارات!