الرئيسية » حضاريات » فلسفة الحوار وثقافة التعايش السلمي بين الحضارات / سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات) – الجزء الأول
flsf_lhwr_wthqf_ltysh_lslmy_byn_lhdrt.jpg

فلسفة الحوار وثقافة التعايش السلمي بين الحضارات / سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية، رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات) – الجزء الأول

وهذه النهاية للجيل الرابع للدورة الحضارية الكوكبية لا تبشر على المدى القريب بالخروج منها، ولا توحي ببشرى الانتقال الى السيناريوهات المتفائلة، بل إن كل المؤشرات تشي بإن الأزمات ستزداد استفحالا، و قد تأخذ فترات زمنية لحلها، متباعدة الطول أو القصر، تبعا لإمكانيات كل دولة والسعي لرسم الاستراتيجيات البناءة البديلة التي تطلع بها القوى الفاعلة  فيها.

و لعل بصيصا من النور الداخلي الذي يراود أنصار ثقافة الحوار والتعاون بين الحضارات هو وجود بقايا عافية إيجابية متواجدة لدى المنظمات الدولية، الأمر الذي يجعل المرء لا يفقد الأمل، لا بل يدخل الى نفسه  نفحة يقين تقول بأن سيناريوهات التشاؤم ليست وحدها الساكنة في نفوس البشر ، بل إن العمل على تغيير مسار بوصلة النشاط الإنساني باتجاه زرع الأمل بالمستقبل المتفائل للبشرية هو بدوره حاضر، ناشط، و هو في النتيجة ليس ضعيف الحضور في قول وفعل البشر.

فألف باء الخروج العقلاني من هيمنة الفلسفات الداروينية القاتلة ومن البرغماتيات الأنانية النرجسية ، ومن الغياب التام للعدل، والتحرر من حماوة صحاري التعصب وبركان التعسكر في أتون  الهويات الضيقة والعصبيات العمياء، هو إجراء ثورة معرفية -عقلانية وأكسيولوجية خلاقة تساهم فيها كل الطاقات البناءة وعلى كل المستويات السياسية والمالية والإعلامية والبحثية والعلمية والروحية من أجل المساهمة النشيطة  في ورشة كوكبية شاملة من الحوار البناء بهدف الوصول الى قواسم مشتركة حقيقية للانتقال الى مرحلة  الحوار الخلاق الى التعاون والشراكة  العمليين والشاملين بين كل الحضارات…

 وفي مثل هكذا عمل جماعي كوكبي دؤوب، قد نصل لتحقيق ما حلم به الكبار من علماء وحكماء الكوكب وهو الشروع في تشكيل حضارة إنسانية نووسفيرية تشكل الواجهة المتفائلة للجيل الحضاري الخامس المرتقب.

من المبادئ الأساسية لهيئة الأمم المتحدة ومعها اليونسكو الفكرة التي تؤكد أن في الحوار القوة على احتواء النزاعات، وأن التنوع هو ينبوع الغنى والخير للجميع. وأن شعوب العالم يوحدها بشكل أقوى المصير المشترك. هذا الذي لا يؤثر بدوره على التمسك بعراقتها. إن هيئة الأمم المتحدة وبالصيغة التي جرى الاتفاق عليها، يمكنها أن تشكل المجال الأصيل للحوار بين الحضارات والملتقيات،التي بإمكانها أن تغني و تنتج ثمارها على كل مستويات النشاط الإنساني.

 هذه الكلمات ليست لي بل هي شكلت “لوغوس” احدى الخطابات الهامة التي ألقاها الأمين السابق لهيئة الأمم المتحدة كوفي أنان في السنة الأولى من بداية الألفية الثالثة. وقد مضت عشرة أعوام على كلام الوجه الأول في أعلى هيئة دولية،وخلالها نظمت في العديد من البلدان مئات أن لم يكن الألاف من الندوات والمؤتمرات وأصدرت الأبحاث والكتب بالكثير من اللغات عن ذلك. ومن هذا المجال يبرز العديد من الأسئلة والملحة والحيوية والتي سأحاول الاقتراب من ملامسة أجوبتها:

لماذا حراك ثقافة الحوار بين الحضارات والأديان المختلفة ما يزال الاهتمام فيه في الغرب ضعيفا وفي الوقت نفسه غير مرغوب فيه لدى حملة العقائد التوتاليتارية والفرق الأصولية المتعددة في عدد كبير من بلدان الشرق و تحديدا الأوسط منه؟

ما هي المبادئ الدينامية والعوائق الجادة والتمنيات المرجوة التي ترافق ليس فقط مسيرة الحوار بل أيضا الرغبة بالشراكة الفعلية للحضارات؟

و في الحصيلة ما هي العبر التي يمكن استخلاصها من الحراك العالمي المنشط للحوار والذي يمكنه أن يكوّن الأسس العقلانية الضامنة للشراكة الفعلية بين الحضارات؟

لا أدعي القدرة على الإجابة الحاسمة على هذه التساؤلات، بل على العكس من ذلك أترك الأسئلة مفتوحة على كل متغيرات التفكير والسلوك الإنساني حولها، إلا انني سأحاول خط التمرين الأولي للإجابة,  عل هذا يسهم برسم المعالم الأولى للمشهد الدولي الهادف لتنشيط وتعميق هذا الحراك الدولي حول الحوار والساعي  للشراكة العملية والعدلة بين الحضارات.

فلسفة الحوار

للحوار أصوله وشروطه وعوائقه ومرتجاه بين الحضارات و الأديان ألخصها بالنقاط التالية :

أولا ً: قبل أن يبدأ الحوار العقلاني مع الآخر ، يتوجب بداية أن يجريه المرء مع نفسه. يسعى فيه إلى تحليل الجوانب المسالمة والأخرى الردعية في قوله وفعله. فالحوار الذي يرتكز على منطق العقل ومخزون العاطفة، يبدأ بالمقارنة المنهجية بين الشك واليقين، بين فكرة وفكرة , وبين سلوك وسلوك . وكل هذا يدور ضمن دائرة الإنسان الواحد، والعقيدة الواحدة، والدين الواحد، والثقافة الواحدة . والهدف من ذلك، ليس “المونولوغ” النرجسي مع الذات بل التوق الدائم للذات إلى توسيع المقاربة العقلانية النقدية للذات نفسها، وتوسيع مساحات الحكمة والسلام والمحبة ضمن الدائرة الواحدة لتعميمها لاحقا ً على الدائرة أو الدوائر الاخرى .

ثانياً: لا بد أن يكون في الحوار شريك منفتح. لأن في الحوار المنفتح تتلاقى روحا الطرفين ومعهما رغبتهما المشتركة في المزيد من التقارب والتفاعل. في الحوار تتحقق الشراكة المتبادلة بين المتكلمين. فكل طرف يحمل أفكاره تجاربه ونصوصه وحقائقه. وفن الحوار هو القدرة على تبيان حقيقة وجهة نظر سلوكية الآخر.

ثالثاً : المساواة أمام نقاط القوة ونقاط الضعف في حضارات شعوب الغرب والشرق أمام الأنسان كقيمة كونية وأمام خالق الإنسان والكون . فلكل منا نقاط قوته وضعفه حيال كل المسائل الوجودية الحياتية.

رابعاً : الاحترام التام للآخر وقبوله والأصغاء إليه . فالحوار لا يقوم على محاولة إقناع الآخر بصحة أقواله ونصوصه وتجاربه من خلال دحض أقوال ونصوص وتجارب الآخر، بل يتوجب أن يستند الى التوضيح والفهم والتعلم والتواضع. فالمبدأ السيكولوجي والسلوكي الذي يفترض أن يسير علاقتنا مع ذاتنا الثقافية ومع الذات الثقافية للآخر هو الإقرار بمبادئ الموضوعية والنسبية في النظرة الى اسهام كل واحد منا في صنع الحضارة.

خامساً: يفترض أن يكون المحاور ذا إرادة حرة. فالحوار يستدعي من صاحبه الاستقلالية في الرأي والحكمة والاطلاع المعرفي الواسع، لا التقيد الصارم بحرفية النصوص، والطاعة العمياء لحراس العقيدة المستسلمة لمخلفات الذاكرة التاريخية المليئة بالمشاحنات.

سادساً: يتوجب أن يشمل الحوار كافة المستويات والمساحات والتجارب الإنسانية في العالمين ولعل أبرزها :

أ‌-   حوار المفاهيم حول القيم الروحية والأخلاقية. وذلك بهدف السعي الحثيث لتفهم خطاب الآخر الديني والفكري والثقافي والتاريخي. وهذا بدوره يسهم في التجديد الدائم للغة المعرفة ويعمق التفاهم والاحترام المتبادل.

ب‌-  حوار الدنيويات، أي إقامة شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في سائر الحقول العلمية للحياة ، التي تتعاون فيها المصالح وتتكامل العلاقة بين الحضارات .

ج‌-      حوار المساجلة والنقاش و “المناقشة” الديمقراطية من أجل تنشيط الروح العقلانية النقدية البناءة للذات والآخر.

د‌-   حوار التجارب أي إخضاع التجارب الإيجابية والسلبية للمقاربة السوسيولوجية ، بهدف التطوير الإيجابي والكشف المتواصل من أجل تلمس حقائق والوجود والواقع. فالضرورة الحياتية تقتضي القبول بأمانة بالجذور التاريخية للخلافات والاعتراف بالأخطاء. وهذه خطوة هامة من أجل التئام الجراح التاريخية وإرساء الثقة بالحاضر والمستقبل.

سابعاً: جدلية التأثروالتأثير في الماضي والحاضر والمستقبل. رغم أن سمة الوجود هي الصراع بين الأقوى والأضعف. هي السمة التي يحرص على التركيز عليها أنصار الفلسفة الداروينية الاجتماعية ودعاة الصراع الأزلي بين الحضارات والأديان، فإن على الذوات المفكرة في هذا الكوكب أن تركز على الخط الآخر في العلاقة بين الأديان والحضارات وهو خط التفاعل الإيجابي.

هذه هي المبادئ السبعة التي قد تشكل الصورة الأنجح التي تبدو لأول وهلة وكأنها مثالية يصعب كثيراً تحقيقها، لأن أمام الحوار، عوائق وشروطا في علاقة كل عالم بالآخر . ولنحاول تبيان كل نقطة منهما. (يتبع)