الرئيسية » سياسة واقتصاد » فلسفة الأنا لدى أحمد برقاوي – مراجعة كتاب بقلم ماجد ع. محمد / الجزء الاول
flsf_ln_hmd_brqwy.jpg

فلسفة الأنا لدى أحمد برقاوي – مراجعة كتاب بقلم ماجد ع. محمد / الجزء الاول

ولا شك بأن فرادة هذا المُنتج الفكري المُحرض والممهور بالتساؤلات الصادمة وعظمة مكانته تبقى بكونه صدر قبل الثورة وليس وقتها أو بعدها حتى نقول بأنه ركب موجتها مثل بعض الكتاب الذين غيروا بوصلتهم منذ أن تغيرت مصالحهم، فالبرقاوي بحق هو من الأوائل الذين حاولوا إشغال الانسان السوري بالأسئلة الكبرى، وليس من خلال هذا الكتاب فحسب، إنما أيضاً من خلال ما كان ينشره في زاويته في جريدة الثورة، ومنها على سبيل الذكر وليس الحصر ما كتبه في العدد الصادر بتاريخ 19/5/2009 حيث خص عموده آنذاك في البحث عن جمالية الشعور باللاء ورفض النعم الدالة على الخنوع والهزيمة، النعم التي كانت سيدة العرش لدى البعث والنظام، النعم التي لم يتجرأ أحد على تجاوزها ومغازلة ما يعاكسها ولو في الخفاء، بينما البرقاوي جاهر باللاء وحاول أن يؤجج ساحة الإنسان السوري بها، ليس في المخادع فقط، وإنما على صدر صحيفة النظام السوري نفسه.

 

لعل ما يؤكده أناتول فرانس بالنسبة لقيمة المكتوب في قوله بأن ((اللذة التي يعطيها الأثر هي المقياس الوحيد لقيمته))، يصح تأكيده هنا، إذ ثمة متعة ما ترافقنا في غرف المكتوب، بل وثمة جاذبية تفتح شهية القارئ على نهل المدون، بدءاً من الاستهلال فانتهاءً بالوقفات الخاطفة على الشذرات عقب الخاتمة، وما يشملها من تعارف موجزة لماهياتٍ عدة مع التركيز أكثر على الأنوات الوضيعة. وكأني بالمؤلف وعن سبق الإصرار تعمد في وضع هؤلاء في قعر المدون عله يُبقي ملامحهم المقيتة في البال ربما لأطول مدة ممكنة، لعل صورتهم النكرة تُنفر النابهين عن محاكاة طباعهم، وهو يذكرنا بقول السلف بطريقـــةٍ مغايرة، إذ يكفي النظر في النتانة كي نتمسك بتلابيب الطهارة من وحشة مرآها.

 

مؤلف هذا الكتاب هو الدكتور أحمد برقاوي، كاتب، مفكر، ناقد وشاعر. درس الفلسفة في جامعة لينينغراد عام 1973، وشغل منصب رئيس قسم الفلسفة في جامعة دمشق، وهو عضو بجمعية البحوث والدراسات، وأستاذ جامعي، يجيد بالإضافة إلى العربية، الروسية والإنكليزية. تجاوزت مؤلفات أحمد برقاوي الـ 14 كتاباً نذكر منها "مقدمة في التنوير"، و"العرب وعودة الفلسفة"، إضافة إلى "كوميديا الوجود الإنساني" وكتاب "الأنا" الصادر عن دار التكوين عام 2009، وهو موضوع هذه المراجعة النقدية.

 

يبدو بأن الهدم البنّاء من أول شروط الكتاب ومرامي الكاتب بدءاً من الأنا المفرد. والنسف هنا يطال الكثير من المفاهيم والتصورات، بل وهناك إصرار من قِبل الكاتب على خلخلة الركائز والتراكمات السابقة للمتلقي، بكون الأنا هنا محتفى بها أيما احتفاء بينما هي غير ذلك في قواميس الأولين. فهنا ثمة من يحضنا على التشبث بالأنا التمسك والاعتصام بها، بينما يرى بوذا، على سبيل المثال، بأن الأنا مقززة ومرذولة وبأن تلاشي الأنا هو الخلاص وإزالة الأنا شرط الاستنارة،  ومحو الأنا هي النيرفانا. الأنا في هذا الكتاب منتجة للقيمة بينما هي غير ذلك لدى بوذا، إذ لا يوجد ظلم يقول بوذا إلا وينتج عن مرافقة الأنا، والأنا هي مبدأ كل بغض، كل جور، كل نميمة. هنا في هذا الكتاب غياب الأنا يدلنا على تلك الكائنات الخنوعة التي لا تملك ما يؤهلنا للحضور، بينما هي عند السالف ذكره منبع الخطيئة، وهي ليست سوى كومة من المركبات عالمها فارغ كحلم من الخيال. هنا ثمة تقريظ لأنا الواقع والحاضر، من هذه وتلك المفارقات يبدأ التصادم والشروع في التدمير لبُنى الكثير من الأفكار والتراكمات، فهو يهدم ويبني في آن، متفقاً بذلك مع أحد النقاد في رأيه بأن ((المهمة السامية للنقد لا تقتصر على زرع الشوك فقط، وإنما يجب أن تذهب إلى أبعد من ذلك، يجب أن تهدم، وأن تحرق، إن الذكاء هو أداة ممتازة للنفي)).

 

لا شكَ بأن الرغبة في قيامة الأنا والانتفاض بها صارخة منذ البدء، والنَفَس السوبرماني بالنسبة للمفهوم المطروح يبدأ من قوله: ((سيد الأسياد أنا يا عبيد القرود))،  وذم كل من لا يملك أناه، ((وأن كل أنا ليس حراً ليس بأنا))، فالحضور القوي للأنا يتطابق تماماً مع رؤية الشاعرة النمساوية إنغيبورك باخمان * في قصيدة لها بعنوان "أنا": ((أنا لا أتحمل العبودية، فأنا دوماً أنا، وسأظل هكذا أنا، حتى قوتي الأخيرة،  لهذا أنا واحد فقط أنا دوماً أنا، لو تسلقت أنا، فسأتسلق عالياً وإن هويت فسيهوى كلي)). ولا شك بأن في الكتاب ما يحرض على الإتمام والمتابعة من خلال تصريحات الأنا الكيانية والاستفزازية والنبرة القولية الواثقة بدءاً من قفلة مقدمة الكتاب: ((هذا كتابي أنا وليس كتاب أحد غيري، فالبيان الـمُجاهر بكل تجلية يذكرنا بقول مونتين * وإعلانه كتابي هو نفسي، ولا يشمل إلا حديثاً عن حياتي، وأعمالي إنما صوَّرت فيه نفسي، فأنا بذاتي مادة كتابي)).

 

ورغم النية التدميرية في العمل والصفعات الأناوية فثمة متعة ما تلازم القراءة، وذلك من خلال التجانس الـمُتقن بين محاور الكتاب، بيان الأنا سياسياً واجتماعياً وثقافياً وفكرياً باعتبارها بيانٌ للأنا المطوب وجوداً وحضوراً وممارسة، بيان الأنا لحد الفتون والإعجاب،  ورب قارئ من نوعٍ ما سيتدله ويصطدم بنرسيس بول فاليري * بين السطور: ((أنا نرسيس المحبوب، فلست أبالي إلا بذاتي وكياني، وليس لشيٍء سواي عندي إلا قلب غامضٌ، وكل شيء سواي ليس إلا عدماً، أحب وليت شعري من يستطيع أن يحب غير نفسه)). إلا أن الفارق هو أن نرسيس افتتن بذاته بصرياً، صورياً وشكلياً، بينما هنا الأنا قيمة أعلى، فهي فكر، ورؤية، وموقف، وفلسفة، وإدراك … إلخ. كما أن المؤلف غير حيادي حيال الأنوات مطلقاً، بل ويعلن انحيازه التام للأنا القيّمة، فينتخب مرشحي الأنا الصاعدة صوب العُلا، ويُسقط مُركلاً الأنوات السمجة والموبقة والمنحطة من قائمة المرشحين لمصاف الأبهة، مبتدءاً السؤال من الأنا العارفة لذاتها حيث الفصفصة الكاملة لفقه الذات. فالأنا العارفة تعطي صك القيمة المثلى لأنواتٍ كانت تنظر إلى ذواتها باحتقارٍ واستصغار بسبب البعد الطبقي أو الإثني أو الديني أو الاجتماعي، انتقالاً إلى النظام المتعالي الذي يغلفه الأنا في سيره وصيرورته، متناولاً عالم القيم الأخلاقية في الريف والمدينة والعادات السائدة بين الناس على اختلاف مشاربهم، والتساؤل عن ماهية الأنا المنبوذة والبحث عن منبع الأنا الشريرة والمكروهة التي تحاول اختراق ما هو ناصعٌ وخيّر، طالما كانت المفاهيم الدالة على القيم الإيجابية واضحة ومناهضة لما يعاكسها من الشيفرات السبية، إذن فالخير هو خير الأخرين والشر شرٌ واقع على الأخرين، سواءً على مستوى الأفراد أو المؤسسات، وصولاً إلى حال النُظم السياسية وقوله بأن ((النظام السياسي نظام يفرضه الحكام لممارسة السلطة والاستمرار بها، هو نظام قمعي بالضرورة)) لأنه يفرض خضوع الآخر له. فالسلطة تعمد إلى تهميش الأنا وتخافها بنفس الوقت، وما خوف السلطة من الأنا إلا باعتبارها ذات كيانية لها وزنها المعنوي، لأن شموخ الأنا وتسامقها مراراً ما يقودان صاحب أناه إلى رفض الإملاءات أو الإذعان والركوع،  لهذا لا يناسب السلطة وجود الأنا المعتدة بين رعاياها. كما أن هناك فزعاً حقيقياً من الأنا الواعية والمفكرة والمبدعة باعتبارها مزاحمة لأنا السلطان وسطوة وجوده. أما الأنا العادية هنا فهي المبتذلة والسطحية والمستكينة والقنوعة لا نتيجة التفكير والاختيار من بيت تعدد البدائل، إنما هي بسبب رعديدية بنائها الانهزامي، على خلاف الأنا المتمردة التي تأبى الخضوع والامتثال للأوامر الخارجية.

وفي موقف الأنا السوية من الأنا المتمردة يؤكد المؤلف بأن ((الأنا السوي يعيش تناقضاً داخلياً فاجعاً، إذ ففي الوقت الذي يرضى بالعالم كما هو ويؤثر السكينة ويخاف المغامرة، تراه يكن تقديراً عالياً للأنا المتمرد الذي يفرض هيبته على الأنا السوي)). فالمتمرد محسود على جرأته، على إقدامه، على إبائه، على كاريزميته، والسوي مُنبهرٌ به ومجذوبٌ إليه احتراماً وتقديراً، فيما الأنا المتمرد يكن احتقاراً داخلياً للأنا السوي بكونه هش واستسلامي وعالة على الأنا الثائر، لذا هو حديث سخرية واستهزاء المتمرد، فيما الأنا الحرباوي والوصولي والعدسي (نسبة للعدس)، ذلك الذي يستحيل التمييز بين وجهه وقفاه، هي أنوات مقززة ومُستصغرة ((بكون الأنا الوضيع هو مريض حتماً بالأنانية، فلا يفكر إلا بتحقيق مصالحه الذاتية، بينما الآخر غائب غياباً مطلقاً، الآخر بما هو قيمة إنسانية عليا)). ويختتم الكاتب الفصل بأن ((التاريخ الثقافي هو في نهاية الأمر ثمرة الأنا المبدعة)).

وفيما يتعلق بانشطارات الأنا وتعددها كهويات متحولة وثابتة في آن فنقرأ ((إن الأنا الواحد يعيش أزماناً متعددة في زمن واحد،  ويعكس بنيات مختلفة وهو يعيش تناقضاته دون أن يحس ويطمئن إليها من دون اكتراث لزئبقيته المعُاشة، ما يُحيلنا الموقف منه إلى ما يورده الدكتور منذر خدام* في كتابة أسئلة الديمقراطية في الوطن العربي في عصر العولمة بقوله لقد أصبح الإنسان العربي المعاصر يجمع في ذاته المتناقضات دون أن يشعر بإحراج من ذلك، ففي الوقت الذي يقبل على استهلاك آخر منتجات الغرب وصرعاته باندفاع ورغبة، نراه يحجم وبعناد عن تقبل طريقته في التفكير، وأسلوبه في التنظيم والإدارة المجتمعية)).

أما فيما يتعلق بانشطارات الأنا والموقف من المرأة يُذكرنا المؤلف بالشيوعيين وموقفهم المتناقض ليس من المرأة فقط، بل ومن الفكر برمته. فقد كان الواحد منهم يتحدث ليل نهار عن حتمية الاشتراكية باعتبارها نهاية التاريخ، وإيمانه المطلق بالماركسية التي من البدهي أن تقود معتنقيها إلى نكران كل ما يتعلق بالماورائيات، بما أن النظرية تلك تنسف أركان وبنيان الثيوقراطية جملةً وتفصيلاً، لكن مع ذلك كان بالإمكان رؤية الواحد ممن يؤمنون بتلك النظرية متأبطاً سجادة الصلاة في يساره وقابضاً على رأسمال ماركس بيمينه وهو متجه صوب القبلتين في آن، ففي وضعية السجود هو يحوم في أرجاء السعودية وحين القيام يسرح بخياله في الساحة الحمراء، مدعياً التحرر والانعتاق في مجالسه التنظيمية وفي الوقت عينه تراه يُلحّف حَريمه بالبراقع والجوادر في الحارة خضوعاً لقرارات مجتمعه المحافظ أو خوفاً من غضب العائلة. فالأنا هنا ليست منشطرة فقط بل هي تنوس بين حضور الأنا تارة وغيابها الكلي تارة أخرى، إنها متشظية،  ومتذبذبة، ومتثعلبة، وكاذبة في المقام الأول. هو أسير واقعه إذاً، والأنا في الأسر عند المؤلف ((هو أسير البيئة، أسير الكهف، أسير المقابر، أسير الأصنام، أسير كل ما هو خارج أناه، والأنا لا يستطيع التحرر من أسر البنية إلا إذا تحطمت هذه البنية)).

يعوِّلُ المؤلف على الأنا الفرد، إذ باستطاعة شخص ما فعل ما لم يقدر على فعله حزب بأكمله. كما يؤكد على عدم الاستهانة بدور الأنا الفرد شرط أن يكون هذا الفرد صاحب الأنا الفاضلة معنياً بالتغيير وقاصداً فعل ما يفيد البشرية إذ ((رب اقتلاع حجر واحد من العقد يؤدي إلى انفراط العقد كله))، فهنا دور الأنا الفرد كبير جداً، خذ مثلاً ما طالعتنا به كتب التاريخ وسير الملوك والأباطرة عن أشخاص محددين غيروا مسار الأحداث، ومنهم من صنع تاريخاً بمفرده. وللمساهمة في تغيير المسارات وخلخلة الركائز والتحرر من أسر البنية لابد من تحطيمها ((لأن البنية أشبه ببناء عقد لا ينفع معه الضرب من الخارج بل لابد من تحطيم العقد بحركة من الداخل، من الأدنى إلى الأعلى)).

الأنا ليس أسير السلطة السياسية فقط أو أسير القبيلة وحدها أو أسير بيئته الاجتماعية، إنما هو أسير المال أيضاً تلك ((القحبة المشتركة للبشرية كافة))، وما يُهرق في سبيل الحصول عليها من غالٍ ونفيس، لأنه قد يُلازم المرء هواجس الثراء طوال حياته ليفوز به، إما بعد أن حرم نفسه من الكثير لقاء الحصول عليه أو فقد الكثير لأجله، مع علمه بأن ((الطريق إلى المال يحول المرء إلى شيءٍ من الأشياء، إلى سلعة إلى عبد إلى محطم لعالم القيم الإيجابية. فالمال غدا غاية كبرى لدى مُنسفي القيم))، إلى قوله بأن ((لا شيء يحررنا من الصنم إلا إذا حررنا المجتمع من الملكية)). أهي دعوة إلى المشاعية؟ وحلم العودة إلى ما قبل الملكية؟ إذ علّ العودة تعيد إلينا بعضاً من أنانا الـمُفتقدة في ظلال التملك، لأن هاجس التملك غالباً ما يتبعه طقس الركون والانكفاء بل الرضوخ أحياناً. يذكرنا ذلك بما قاله يوماً الشاعر أحمد فؤاد نجم رداً على السؤال المتعلق بالخوف والملكية في قوله بأني ((لا أخاف لأن ليس لديَّ ما أخافُ عليه*)). فالمال أو الـمُلك برمته يُجبران الإنسان على الامتثال لأوامر الملكية، والقبول ولو على مضض بقراراتها. وفي الانتقال من صنمية المال إلى صنمية السلطة السياسية، حيث الصنم السلطوي هو ((الصنم الأوحد الذي يختصر كل الأصنام التي قدمتها البشرية في مرحلتها الأسطورية))، فالدكتاتور الصنم هو ((إله الحكمة فلا ينطق إلا بالقول الحق، وكلماته مطلقة قولاً وفعلاً، وهو إله الخير، الصنم الذي لا شغل له إلا السهر على سعادة البشرية، إنه منبع العطاء ومانح القوت ومصدر المكرمات، فيعطي العطايا دون حساب، وكل ما في العالم من خير فهو منه، مالكُ المُلك يقسم الأرزاق على من يشاء)). من الملاحظ هنا الشبه بين صفات اللّه ومؤهلات الصنم، بين إمكانيات اللّه وقدرات الصنم، فثمة مزايا ومؤهلات يمتلكها الصنم بينما يفتقدها اللّه إضافة إلى أنه، أي الصنم الديكتاتور ((إله الجمال أين منه فينوس، فصوره المتنوعة تزين الشوارع والحارات والمدارس ومداخل الأبنية، نُصبُه وتماثيله تزين الساحات والطرقات، وجهه على ظهر العملات الورقية والمعدنية، إنه إله الجمال، حاضراً في كل قيمه، أينما وليت فثمة وجه الدكتاتور، إله الثورة وإله الحرب وإله الرحمة والقوة والشجاعة))، إنه زيوس عصره ووحده من يهب الآلهة الصغرى صفاتها وقدراتها وديمومتها.