الرئيسية » حضاريات » فكرة وحدة الدين والدولة – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الرابع
فكرة وحدة الدين والدولة ترتكز لا على شعور التضامن الديني فحسب

فكرة وحدة الدين والدولة – نور كيرابيف خاص بالموقع / الجزء الرابع

الإسلام وإشكالية العلمانية :

تُعتبر العَلمانيةُ إحدى أهم المسائل المُلحّة في ميدان الفكر الفلسفي والسياسي؛ ذلك أنه في الظروف السائدة في المجتمع ما بعد الصناعي يضعف تأثيرُ الدين في المجتمع وفي المواطنين بشدّة. وعلى الرغم من أنّ هذا صحيحٌ إلى حدٍّ مُعيّن، فالواقع أنه لا يُقدّم صورةً واضحة ولا كاملةً بشكلٍ كاف؛ وذلك بسببٍ من أنّ الحلّ المتكامل لهذه المشكلة يصطدم دائماً بـ "مشكلة" الإسلام. ففي خلال العقود الأخيرة، ازداد نفوذُ الإسلام في بلدان الشرق الأدنى والأوسط ، ولم يتضاءل قطّ، وهذا ما لا يصبُّ في صالح العلمانية.

وبُغية فهم العلمانية بوصفها إشكاليةً في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لا مندوحة لنا عن أنْ نتحدّث عن ولادتها وتطوُّرها في القرنين التاسعَ عشرَ والعشرين؛ إذ إنّ القرن العشرين يتّصف كذلك بأنّ تَنامي الحركات الإسلامية فيه قد أصبح ردّ فعلٍ على مختلف أشكال العلمانية. فقد أخذت هذه الحركات على عاتقها مهمّة التصدي لمظاهر النظام الاستعماري الفكرية والسياسية، التي كانت من وجهة نظرها، مُوجَّهةً ضد الإسلام والمسلمين، وأُوكلت إليها مهمةُ تغريب المسلمين وحرمانهم من وحدتهم الثقافية.

العِلمانيةُ في العربية (من العِلم) أو (من العالم) على أن تكون بفتح العين "العَلمانية"، ويمكن التعبير عنها بصورةٍ أكثر دقّةً بكلمة "الدنيوية"، أو الأرضية، أو العِلمية أو التنويرية. وقد وَلجت العَلمانيةُ، بالمفهوم الأوروبي للكلمة، الحياة الروحية للعالم الإسلامي إلى جانب مفاهيم: المُعاصرة، والتغريب، والحداثة… إلخ،  في خلال الحِقْبة الاستعمارية.

ويُنظر إلى العلمانية بوصفها تحريراً للسياسة من التبعية للسلطة الدينية وتأثيرها، ويُعتبر ذلك قاعدة. وقد اسُعملت الكلمة بمعناها الواسع، في سياقاتٍ مختلفة لوصف العملية المُوجّهة نحو تهميش الإسلام في عملية التطوُّر الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي لدول الشرق الإسلامي في الحِقبة الاستعمارية، وبعد نيل الاستقلال. كما اعتُبرت في الشرق الأدنى والأوسط تخلّياً عن التقاليد الثقافية للمجتمع الإسلامي.

ومن المعلوم أنّ العلمانية، بوصفها حركةَ احتجاجٍ، ونظريةً مُحدّدة وأيديولوجيا، ظهرتْ ونمت في إطار أوروبا المسيحية، وتكرّست مضموناً وممارَسةً عمليةً في زمن ظهور الحركات الإصلاحية المسيحية في أوروبا. ويرتبط مصطلح العلمانية في معناه الراديكالي بالمقابل الفرنسي له (laicism)، الذي هو عبارةٌ عن تعليمٍ يتمحور حول ضرورة تحرُّر المجتمع بالكامل من الدين؛ إذ يجب -حسب هذا التعليم- أن تنتقل المهمات التي كانت تضطلع بها مؤسسات الكهنوت إلى أناسٍ عَلمانيّين، لا سيما في مجال التعليم والقضاء. فعلى سبيل المثال، في عام 1882 استُبدلت الدروس الدينية في المدارس الحكومية الفرنسية بموادَّ من مِثل الأخلاق العامة وغيرها… أمّا مؤسس الجمهورية التركية "مصطفى كمال أتاتورك"، فقد اعتبر العلمانية الراديكالية شرطاً ضروريّاً لبناء المؤسسات السياسية للجمهورية.

وفي القرن التاسع عشر قادت العلمانية في أثناء تطوُّرها إلى الإلحاد بصفة عامة، وقد أصبحت حركةً قوية وديناميكية بشكل كبير بعد ارتباطها بالاتجاهات المُضادّة للدين، وأدتْ من خلال جهود نيتشه، وفرويد، وماركس إلى فهمٍ جديد لمكانة الإنسان في العالم. لكن على الرغم من ذلك، ما زال حتى اليوم في هذه العقيدة المادّية الإلحادية عناصرُ مُعيّنةٌ من الموروث الديني، على نحو ما أشار فوكوياما في مقالته التي نشرت في 13 آذار/مارس 2005 في جريدة نيويورك تايمز بعنوان "إعلان كالفن بالنسبة إلى عصر العولمة"، إذ قال: "في الوقت ذاته، لا بدّ من الاعتراف من دون مواربة، أنّ الدين والمشاعر الدينية لم تمُت، لا بسبب قتالية الإسلاميين فحسب، وإنما أيضاً لأنّ الحركة البروتستانتية-الإنجيلية تتطور، والتي أصبحت تُشكّل من حيث عددُ الأنصار مُنافِسةً للإسلام الأصولي، بحسبانه مصدراً فعليّاً للتديُّن… كلُّ ذلك يوحي بأن العلمانية والعقلانية لا تخدمان بالضرورة الحداثة".

والواقع أنّ النقد الإسلامي للعلمانية يستند بشكلٍ عام إلى فكرةٍ مُؤدّاها أنّ هذه العملية في أوروبا الغربية مقترنةٌ بطبيعة المسيحية، كما يستند من جهةٍ ثانية، إلى أنّ الفصل بين مجال نفوذ الدولة ومجال نفوذ الكنيسة، وَفْق الفكرة المعروفة التي تنصُّ على أنّ "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، يُعَدُّ مبدأً مُهمّاً في المسيحية، ناهيك بأنّ المؤسّسة الكهنوتية تُعتبر وسيطاً بين الله والإنسان في المسيحية؛ إذ إنّ هذه المؤسسة تُؤدّي في نشاطها دور رسول الله، وبذلك تُقيِّد الحقوق الأساسية للجماعة الدينية، وعلى هذا النحو، يُنظر إلى الإكليروس المسيحي بحسبانه عقبةً أساسية في طريق التقدُّم؛ لذلك من المبرَّر تماماً أن يتمّ تقييدُ نفوذ الكنيسة من خلال عملية العَلْمنة. أمّا في العالم الإسلامي، فليس ثمة مُؤسّسةٌ كنسية ذاتُ مهمّات مُماثلة، ثم إنّ فكرة الوسيط بين الله والإنسان لا وجود لها في الإسلام؛ ذلك أنه لا يحقّ لأحدٍ أبداً في الإسلام سوى النبي محمّد أن يتكلّم باسم الله. والحقيقة أنه حتى بداية القرن التاسعَ عشرَ- قبل ظهور العلمانية في العالم الإسلامي- لم يعرف الشرقُ العربي تقسيماً وَفْق مبدأ "ما لله لله، وما لقيصر لقيصر".

إنّ المُجادلات حول مسألة العلمانية في الشرق العربي سارت في اتجاهين: بين مراجع المعرفة الدينية وبين المسيحيين العرب. أمّا المراجعُ الإسلاميُّون، فقد رأوا أنّه يجب أن يجري التحديث والتقدُّم على قاعدة مُنجزات الحضارة الإسلامية، وأوردوا مثالاً على ذلك الإنجازات العلمية التي شهدها "العصر الذهبي" من تطوُّر الخلافة العربية.

أولُ مَنْ راح يؤكّد أنّ بإمكاننا أن نأخذ عن الحضارة الغربية تلك العناصر، التي لا تتعارض مع قيم الشريعة ولا مع مبادئها، هو رفاعة الطهطاوي (18011873)، الذي حاول أنْ يُثبت أنّ المبادئ الديمقراطية لتطوُّر المجتمع قابلةٌ تماماً لأنْ تُضمّ إلى قوانين الإسلام؛ وذلك لأنّ في الإسلام تعدُّديةً دينيةً وقانونية في النظرية والتطبيق.

كما رأى إصلاحيُّون إسلاميُّون آخرون من القرن التاسع عشر، من مِثل خير الدين التونسي (1820-1889)، وجمال الدين الأفغاني (18381897)، والكواكبي (18541902)، ومحمد عبده (1849-1905)، أنّ بالإمكان أنْ نجد في تاريخ الخلافة العربية ما يُماثل أفكار التطوُّر العَلْماني الأوروبية للمجتمع، مثل مبادئ العدالة، ورفاهية الشعب، وانتخاب الحكومة، وفكرة كمال الإنسان في المجتمع… إلخ.

فقد دعا جمال الدين الأفغاني إلى اتّباع قواعد الإسلام، وانتقد الذين يستنسخون النموذج الأوروبي بشكلٍ أعمى، واتهمهم بأنهم يُمثّلون تهديداً لاستقلال الأمّة. كما اعتبر أنّ السبب الرئيس في انحدار الحضارة الإسلامية مُتّصلٌ بغياب العدالة والشورى، وبمخالفة مسؤولي الدولة والبيروقراطية للدستور. وانتقد خير الدين التونسي بدوره الاستبداد بشدّة، وربط أزمة الحضارة الإسلامية بالسلطة المطلقة، التي رأى أنها تُضيّق على الشعب، وفي نهاية المطاف تُدمّر الحضارة. فيما اعتبر الكواكبي أن الإسلام ليس مسؤولاً عن الحكم الاستبدادي، على حين أنّ الإصلاحي المعروف، محمد عبده، كان من أنصار النظام البرلماني، كما دعا إلى حماية التعدُّدية، وساوى بين مفهوم الشورى والديمقراطية، مُعتبراً أنّ سلطة الحاكم والقاضي مدنيةٌ بالإجماع.

أمّا المسيحيّون العرب، فقد غلب عليهم التوجُّه المسيحي، وهم الذين تلقَّوا تعليمهم في المعهد السوري البروتستانتي، واستقرُّوا بعد ذلك في مصر. وقد كان من أبرز الشخصيات العربية-المسيحية، التي شاركت في المناقشات الدائرة حول إشكالية العلمانية: شِبلي شميّل (18501917)، وفرح أنطون (18741922)، وجرجي زيدان (18611914)، ويعقوب صرُّوف (1952-1927)، وسلامة موسى (18871958) ونقولا حدّاد (18781954)… إلخ.

والواقع أنّ هؤلاء توجّهوا عُموماً إلى الأفكار الليبرالية لفرنسا وإنكلترا في القرنين الثامنَ عشرَ والتاسعَ عشر، واعتبروا أنّ العقل بالذات هو الذي يجب أن يضع المبادئ الأساسية للسلوك. كما أكّدوا أنّ المقبول من التقاليد الدينية هو فقط ما يوافق إجراء التحديث. أمّا فرح أنطون وشبلي شميل، فقد كانا يرَيانِ أنّ مُهمّتهما تكمُن في بناء دولةٍ علمانية تكون فيها مساواةٌ تامة بين المسيحيين والمسلمين، مُعتبرَين أنّ تطوُّر العلم والتقنية هو ما يُشكّل قاعدة قَبول الآخر، التي تسمح بمنع التعصب الديني الأعمى. كما شدّد سلامة موسى على فكرة ضرورة الفصل بين مجالَي الدين والعلم، واعتبر أن المجتمع لن يسير في طريق التقدُّم إلاّ بتقييد دور الدين فيه. وهكذا، فقد رأى هؤلاء على العموم، ومن دون التفريق بصورةٍ واضحة بين العلمانية والحداثة، أنّ التغريب (تقليد الغرب) هو الوسيلة الوحيدة للتحديث.

وقد تعرّض أنصار العلمانية العربية للنقد بسبب دعواهُم أنّ الإسلام لا يتوافق مع الحداثة. وكان مُنتقدُوهم يرون أنّ العلمانية تُمثّل إعلان حربٍ على الإسلام، وقيمِه، ومبادئه الرامية إلى تحرير البشرية، وإقامة العدل والمساواة، مُؤكدين أنّ الإسلام بطبيعته يضمن حُرّية الفكر والاعتقاد. على أنّ كثيراً من المُفكّرين المسلمين المعاصرين، شأنُهم في ذلك شأنُ المُفكّرين الإصلاحيّين المسلمين في القرن التاسع عشر، يتمسّكون بوجهة نظرٍ تقضي بأنّ إنجازات الحضارة الغربية المعاصرة، العلمية والتقنية، يمكن أن تؤول إلى قيمٍ -من مثل المعرفة والممارسة- يمكن أن يدرُسها المسلمون ولا تضرُّ بوحدتهم الدينية-القومية.

 

نور كيرابيف –  نائب رئيس جامعة الصداقة بين الشعوب (روسيا)