الرئيسية » غير مصنف » فيودر دستويفسكي وطريق الخلاص الإنساني – زهير التجاني*
_dwstwyfsky.jpg

فيودر دستويفسكي وطريق الخلاص الإنساني – زهير التجاني*

اصطفّ الجنود أمام المحكومين، أصابعهم على الزناد في انتظار أمر إطلاق النار. مرت عشر دقائق ساد خلالها صمت المقابر، ولعل المحكومين لم يكونوا يعون آنذاك إن كانوا مازالوا بعد في عالم الدنيا أم انتقلوا بخفة إلى العالم الآخر.

فجأة ستخترق عربة الجموع ويقفز منها ضابط يلوح بورقة مختومة، يسلمها لرئيس سرية الإعدام. بعدها بلحظات سيعلن أن القيصر نيكولاي الأول أصدر أمره بالعفو عنه المحكومين بالإعدام وتحويل العقوبة إلى مدد متفاوتة من السجن مع الأشغال الشاقة في المعتقلات السيبيرية الرهيبة، مع حرمانهم من حقوقهم المدنية ورتبهم العسكرية.

ما كان لمشهد الإعدام ذاك، “المعتاد” في روسيا القيصرية خلال القرن 19 وحتى بداية القرن العشرين، مع اتساع موجة الثورات في كل أوروبا، أن يظل راسخا ومحفورا في ذاكرة التاريخ، الأدبي قبل السياسي، لولا أن أحد هؤلاء الناجين في آخر لحظة من رصاص الإعدام لم يكن سوى الكاتب الروسي الكبير فيودر دوستويفسكي.

يعد دستويفسكي واحداً من صروح الأدب الروسي والعالمي المنتمي إلى فصيلة الأدب الخالد الذي لا يزيده الزمن إلا رسوخا وحيوية وملحاحية، ذلك الأدب المرتبط بالقضايا والإشكاليات الإنسانية الكبرى، بتلك الأسئلة التي تقض مضجع الإنسان وتوقظه من استرخائه البليد لتكشف وتقلّب مواجعه وتستفز قلقه الروحي وتشرّح عذاباته، وتشرع في وجهه أسئلة مسؤولياته الأخلاقية والروحية أمام نفسه وأمام الآخرين وكل العالم.

لم يكن عمر دستويفسكي يوم كان يخطو نحو منصة الإعدام يتجاوز الثامنة والعشرين ، ولكنه كان قد خطا أول خطواته في عالم الأدب الروسي الذي كان يضج بالعمالقة وقتها، يتقدمهم الشاعر الكبير ألكسندر بوشكين (1799 ـ 1838)، وبدأ يحفر إسمه في المشهد الأدبي مع رواية “الفقراء” التي قرأ مخطوطتها الناقد الشهير بلنسكي (1811 ـ 1848) فلم يتمالك نفسه من الهتاف بحماس متطلعا إلى الكاتب اليانع : “هل تعي أيها الشاب ماذا كتبت؟”، قبل أن يضيف معلقا في مناسبة لاحقة “إن لدى دستويفسكي هبة من الله، فمن المستحيل أن يطلع شاب في مثل سنّه على تلك المواطن العميقة من النفس البشرية”.

كان حدس الناقد بلينسكي ثاقبا، فقد انشغل دستويفسكي بكل عقله وروحه طوال مسيرته الإبداعية الفكرية باكتشاف وسبر أغوار النفس البشرية ودواخلها وهواجسها وآلامها وانشطاراتها…، كان يرى في قلب الإنسان مصدر كل ما يحدث في العالم، وفي العقل مركز ترجمة وصياغة قرارات القلب ومنحها منطقا ورداء عقلانيا.

برز فيودر دستويفسكي كأديب في مرحلة كانت ترزح فيها أوروبا كلها تحت ثقل التداعيات الاجتماعية الزلزالية للثورة الصناعية ونهوض قوى واصطفافات جديدة بأفكار جديدة جوهرها العدالة والحرية والمساواة، وهي الأفكار التي سيطلق عليها بشكل عام مفهوم الاشتراكية التي تجسدت عمليا في حركات سياسية ثورية نادت وعملت بأساليب تباينت بين الإصلاحات والعنف، بين النشاط العلني والسري، من أجل تحقيق مشروعها المجتمعي البديل، مجتمع العدالة والمساواة. وكان حتميا أن تصل شرارات تلك الحركات الفكرية والسياسية إلى روسيا المقيدة بأغلال شبه إقطاعية ونظام سياسي تيوقراطي وفكر كنسي أرثوذكسي.

أمام العنف الشديد الذي ووجهت به كل دعوات أو محاولات الإصلاح والتغيير في روسيا، ازدادت الحركات الثورية تطرفا ولجأت في أغلبها إلى العنف ردا على عنف السلطة، وتحولت روسيا إلى ما يشبه الكائن العملاق الجالس فوق برميل من البارود..

لقد استشعر فيودر دستويفسكي هذا الخطر المحدق بروسيا ، بفطرة وحسّ الأديب المفكر الملتزم بقضايا أمّته وهموم مجتمعه. لم يكن سياسيا ولا منظرا ايديولوجيا رغم قربه في بدايات حياته من الاشتراكيين الطوباويين (تأثر في شبابه بالفرنسيين سان سيمون وفورييه وانضم إلى حلقة بتراشيفسكي وهو الأمر الذي قاده إلى ساحة الإعدام قبل العفو عنه) ، وكذلك تعاطفه مع حركة الديسمبريين (انتفاضة عدد من الضباط والنبلاء الروس ضد القيصر في ديسمبر 1825 وسحقت حركتهم بعنف ونفي المشاركون فيها، ممن نجو من الإعدام، إلى المعتقلات السيبيرية).

كان دستويفسكي متبرما بل ومعاديا للعنف تحت أي مبرر ومن أي جهة كان. فقد كان صوت التغيير السلمي، التغيير الروحي. كان مؤمنا تماما أن مصدر كل الأزمات هي الشروخ في نفس الإنسان وأن أي تغيير يجب أن يبدأ من داخل هذا الإنسان، عبر تطهير روحه من عناصر ومظاهر الرذيلة والانحطاط والبؤس. كان يرى أن صراع قيم الخير والشر هو جوهر الوجود البشري، وهما، كما يقول في أحد أعماله، “العنصران اللذان تدور حولهما دراما وجودنا الفاني” .كان مؤمنا أن التطهر يأتي عبر صراع ضار ومعاناة شديدة وألم عميق للخروج من تحت أثقال العذاب الإنساني النفسي العنيف، للاستغفار عن الخطايا، وذلك وفق الاعتقاد المسيحي.

“أيهما أفضل : السعادة الرخيصة أم العذاب السامي؟” . هذا السؤال الذي تردد على لسان أحد أبطال دستويفسكي، يعبّر في الواقع عن عُصب قلق الكاتب الكبير، وللإجابة عنه كرس كل فكره وإبداعه، ليكشف للعالم ويقنعه أن الانتصار على قوى الشر والرذيلة لا يمكن إلا عبر أزمات وانكسارات وتصدّعات الروح الإنسانية بحثا عن طريق خلاصها ونقاءها وسموّها. كان مقتنعا حدّ الإيمان الصوفي أن الانتصار حليف إرادة الخير والمحبة النابعة من القوة اللانهائية التي يزرعها الخالق في الإنسان، بذرة ً مصهورة في لهيب الوجع البشري، القلق الإنساني، حيرة وتيه الوجود، إغواءات السقوط وإغراءات الخطيئة. وإنها لإشارة بالغة الدلالة أن صدّر دستويفسكي رائعته الروائية “الإخوة كارامازوف” باقتباس شهير من الإنجيل جاء فيه: “الحق الحق أقول لكم ، إن تقع حبة الحنطة في الأرض وتموت فهي تبقى وحدها، ولكنها إن ماتت تأتي بثمر كثير”

لقد جسّد كل أبطال روايات دستويفسكي، بدءا من روايات “الفقراء” و “مذلون ومهانون” و” الأبله” و”المراهق”…وصولا إلى رائعتيه الخالدتين “الجريمة والعقاب” و”الإخوة كارامازوف”، هذه الرحلة الطويلة الشاقة ، هذا العذاب الرهيب داخل قلب الإنسان، من ألم الشرخ والصراع بين واقعه الموغل في البؤس والحضيض وروحه الحيرى القلقة الذليلة الصاغرة المذعنة من جهة، في مواجهة توقه الإنساني الدفين الثاوي للانتفاض ضد نذالته ورذالته وانحطاطه الأخلاقي، والسعي إلى السمو والانتصار على نزعات الشر في قلبه.

الحياة هي ما يجري داخلنا . القلب المفعم بالخير والفضيلة والمحبة هو حصانة إنسانية الإنسان وحمايته من التيه الوجودي، هو قلعته الأمامية لمقاومة نزعات التدمير نحو نفسه والعالم.

تلك هي عقيدة ودعوة فيودر دستويفسكي التي ما زال صداها يتردد حتى اليوم، بقوة لا تخفت، في عالم يتفاقم فيه الاغتراب والقلق الإنساني وتتوسع وتتجذر بوتيرة أكبر وأعمق عوامل الانحطاط والضياع الروحي.

موقع فينكس September 11, 2014

* كاتب وصحفي مغربي رحل مؤخراً, كان يقيم في موسكو