الرئيسية » حضاريات » في “مقهى صغير لأرامل ماركس”: أشرف يوسف يستبطن الدواخل باستسلام رومانسي بهيج – عبد النبي فرج
في "مقهى صغير لأرامل ماركس"

في “مقهى صغير لأرامل ماركس”: أشرف يوسف يستبطن الدواخل باستسلام رومانسي بهيج – عبد النبي فرج

لذلك كانت هي المشعة والأكثر تجليا في هذا الديوان؛ حيث يفتح قوساً واسعا لصوت النساء المتنوع والمتشابك والمعقد في العالم من دون تراتبية؛ من العاهرة التي تخرج باحثة عن رزقها في شوارع القاهرة تتغنج وتتفنج داخل أوهامها السعيدة، أو عن الممثلة الفاتنة مارلين مونرو، أو الرسامة فريدا كاهلو، أو الشاعرة سيلفا بلاث، هند كلفت، نبيَّة الليل، أخت الليل، شاعرة، عايدة بنت الخامسة والعشرين، استنبول، المومس، أم رشا؛ حيث يجلسن تحت مظلة واحدة؛ مظلة الضياع، الخوف، الرغبة الحميمة في التواصل، يتتبع الشاعر فيها سيرهن، فيخرجهن من دوائر الوحدة والاغتراب والعزلة، إلى فضاء حر، يستبطن دواخلهن، من دون مرارة، من دون حقد، أو كراهية، بل بنوع من الاستسلام الرومانسي البهيج، يحكين عن سير مجيدة، وهن على الحافة؛ حافة العزلة التامة، والهامش العقيم، وهن يدخن المخدر، الذي يتم وصفه في المتتالية الشعرية بالنبتة الشريفة.

«أدور بين مدينتين أو ثلاث

من أجل صفاء روحيّ لم يأت

هات سيجارة حشيش

وتعال ندخن كمؤلفي خواطر

وسأعبئ روحك الميتة بالخيال

هل تعرف كيف تكون لنفسك ابناً

وأبنا وأما في خيط واحد»

هناك أحد ما ينصت لهؤلاء؛ سواء كان القواد، أو الأخت أو الراوي العليم، الذي يلقى الضوء عليه الشاعر في بداية المتتالية، ليبين مدى أهميته من خلال مقتطف من رواية «عصر الحب» لمولانا نجيب محفوظ يقول الراوي: «ولكن من الراوي؟، ألا يحسن أن نقدمه بكلمة؟ إنه ليس شخصًا معينًا يمكن أن يشار إليه إشارة تاريخية، فلا هو رجل ولا امرأة ولا اسم له، لعله خلاصة أصوات مهموسة أو مرتفعة، تحركها رغبة جامحة في تخليد بعض الذكريات».

وللراوي دور مركزي تجاوز به الإطار التقليدي للسرد الشعري؛ لذلك حسنا فعل الكاتب عندما وضع على النص لافتة «متتالية شعرية»، لأنه نص يعتمد على الهجنة مستفيدا من كل الفنون؛ من السرد الروائي والسينمائي والتشكيل، لذلك جاء النص حافلا وغنيا بالسرود والمشهدية والصور البصرية الفاتنة.

يلتقط كائناته المدهشة في الليل/ السكن والراحة/ الطمأنينة/ الدعة/للعائلات، ولكن الشاعر لا يكتب عن العائلات الشبعانة والمسترخية، وبجوارهم القطط تتمطع في كسل، ينصتن إلى التلفاز، أو يجلسن أمام الحاسوب ينقرن عليه، أو يشاهدن مقاطع فاحشة، إنه يكتب عن الضحايا المشردات، الوحيدات، الباحثات عن الرفيق، في مناخ متقلب، الليل غير رحيم، كما أنه الوقت الأكثر وطأة وإحساسًا بالزمن، العدو الحقيقي للبشر عموما، والمرأة خصوصا، الزمن يساوي الموت، في مدينة لا تحفل بأحد، مدينة لا مبالية، مقرفة، تحتفل بالمنتصرين، والسلطويين، وتنفي المقهورين، مدينة لا تعرف معنى الحب كحق مقدس.

«طرت وحيدة من دون سرب، وقلت بصوت مسموع وصاخب: وداعًا أيتها المدينة المملة إنني أتأهّب لتلقينك درسًا، أنا ابنة رجل شيوعي أوصاني بالحب كحق مقدس يجيء ويذهب».

الليل تتكاثف فيه العزلة والغربة والرغبة الحارقة في البوح في البحث عن ونيس: لذلك تردد باستمرار ياء النداء عبر النص، يا أختاه، يا أخانا

«عدت من صياعة منتصف الليل

بروح ثقيلة

لمّ لا أحرك لساني وأنشي للثقل

معملاً للألفاظ

وأظل كالببغاء

أبحث عن أيّ صدى لصوت».

لذلك كان اختيار المقهى، كعنوان دال، ومكان أثير حميمي، يأوي الشعراء والروائيين والسحاقيين والقوادين ومِثليِّ الجنس، والفنانين، والمتسولين، مكاناً جامعاً، ومحطة آمنة للتذكر والنوستولوجيا؛ حيث لذة الوهم، لذة الحكاية، في انتظار المصير الغامض.

«ثمة قارئ كف صادفني الليلة

في مقهى صغير سميته «أرامل ماركس»

ولم يبن لي إلا عالماً من وهمٍ

بين تلك الخطوط المتشابكة

لباطن إحدى يدي، ممسكاً إياها برفق

كأنها موجة».

يحتل الحلم مساحة كبيرة تكاد تغطي المتتالية؛ لارتباط السرد الشعري بشخوص هشة كسرتها الحياة، منها من استسلم وأدار ظهره للبشر والمدينة والغناء والرقص، إلى الحلم بحياة أخرى في عالم آخر، وهناك من صمد في وجه القبح، أي قبح، البشر، السلطة، بقوة الحلم والخيال، فإذا كان الواقع فاسدا ظالما ومرا، والإنسان فيه غير قادر على تحقيق أبسط متطلباته، نتيجة لسلطة هذا الواقع المدمرة إنسانيا وأخلاقيا، فالحلم والثورة هما الوسيلتان الوحيدتان لتخطي هذا الواقع، قد تتأخر الثورة، وقد تلغى، وقد تغيب، لكن الحلم دائما يحضر، و«يجن الإنسان حينما يمنع من الحلم» على حد تعبير بودلير. إن الحلم هو الوجه الآخر للشعر كما يرى هربرت ريد، و«لو استطعنا أن نروي أحلامنا لأمكننا أن نروي شعرا متواصلا٭٭

«لا تُلق بالحجارة.. انتظر حتى نتجمع في نقطة فنحن قلة وضعاف وصغار وحلم تجزأ إلى لقطات متقطعة كأنه شبه نائم وممد فوق سرير محاط ببقايا زبالة يومه الفائت وكأنه شبه نائم بلا شيء يراه ويصدق أنه رآه ولم يكن جزءا من خيال ولم « نتذكر أنه حلم».

أشرف يوسف شاعر إنساني ينشد كدرويش أناشيد ملتاعة؛ مستفيدا من التراث التوراتي للتعبير عن الشغف، عن النسيان، عن الروح المنتهكة، من خلال بنية مفتوحة لتستوعب هذا الحشد الكبير من الشخوص والرؤى والرموز والأسئلة، في لغة صافية حسية رقراقة، وعلى قد «الحالة»،من دون تزيد أو تقطير.

«شّلحوني يا أوغاد خيالاتي المريضة

بودّي أن أسير عارية في حمى حبيبي

ويقال عنه عنين أحب امرأة باهرة الجمال

ويقال عني بلهاء سباني رجل أحمق ذو لسان طويل

للذود عن مفاتني

أنا ذات القدمين الثوريتين

لم أكن له سوى بيت ومدينة

للحاق بالباص الإلهي»

 

 

المصدر: القدس العربي