الرئيسية » حضاريات » في كتاب مهم لسهيل فرح: الحضارة الروسية.. المصير وأسئلة المستقبل – شريف صالح
lhdr_lrwsy-_ktb_shyl.jpg

في كتاب مهم لسهيل فرح: الحضارة الروسية.. المصير وأسئلة المستقبل – شريف صالح

 
وهذا ما فعله د. سهيل فرح في كتابه الجديد والمهم الحضارة الروسية: المعنى والمصير، حيث لا يتوقف عند الأداء السياسي والراهن بل يخوض بنا عبر فصول الكتاب في بانوراما حول روسيا في مراحلها التاريخية، وخصائصها الجغرافية ومستقبلها أيضًا. يقع الكتاب من 7 فصول وأكثر من 360 صفحة، ويطرح في مقدمته عدة حقائق وفرضيات تميز الشخصية الروسية، وتشكِّل بدورها شخصية روسيا. كثيرون يتحدثون عن سياسة روسيا واستعادة مكانتها كقوة كبرى عالمياً من دون أن يدركوا الطاقة الهائلة المتمثلة في عمقها الثقافي والحضارى، وصلابة الروح الروسية عبر العصور كما شرحها د. سهيل عضو أكاديمية التعليم الرّوسيّة، وأستاذ فلسفة الحضارات والعلوم و الأديان في الجامعة اللبناية وجامعة موسكو الحكومية. فالكتاب هو عن مقومات الحضارة الروسية النابعة من العمق التاريخي والامتداد الجغرافي والتنوع العرقي والثقافي و خصوصيّة الثقافة والروح واللغة والهويّة، وقيم التعاون والود، وروح التحدى والتجدد التي يحملها الربيع بعد الشتاء القاسى، والصلابة التي لا مثيل لها في مواجهة العدوان الخارجي. يأتي الفصل الأول تحت عنوان الرّوسي وجبروت المكان، متضمنا خريطة جغرافية روحية للفضاء الروسي الرحيب.
أما الفصل الثاني فيأتي تحت عنوان أسئلة التاريخ، ليستعرض روسيا في سياق النظريّات الحضارية، وإشكاليّة التاريخ في الحضارة، وفلسفة التاريخ الرّوسي. تتميز الحضارة الروسية عن ما سواها بطابعها الأوراسي حيث تجمع بين عراقة الشرق الآسيوي ودفئه الثقافي، وتقدم الغرب الأوربي وثورته العلمية والتكنولوجية. فالعقلية الرّوسيّة مزيج فريد من روحانيّة الشرق، وعقلانيات الغرب، وفيها الكثير من الخيال والتصورات والروحية والمغامرات العلمية والحياتية. ويتناول د. سهيل بانطباعات الرحالة العرب عن الروس مثل فضلان والبكري وغيرهما ممن زاروا الديار السلافية وإمارة روسيا بين القرن التاسع والحادي عشر. ففي مذكرات هؤلاء يؤكدون بأن الروس لا يتصالحون مع أي خضوع للآخر، ويتميزون بحسن الضيافة. يتعاملون مع العبيد والأسرى برفق، يتكاتفون أثناء العمل، والشعب الروسي بطبيعته روحاني، والنظام هو العنصر العظيم في بناء الشخصية الروسية. لماذا سميت روسيا بهذا الاسم؟ إن الروسنة تعني التوق والمصير والواجب والموهبة والمعنى والحياة، وجميعها مفاهيم كونية روّج لها كبار المفكرين والفلاسفة والأدباء الروس بلغة وروح الوطن الرّوسي وهى مزيج لثلاثية: اللغة الرّوسيّة، والإثنية السلافية، والديانة الأرثوذكسية. ويبرز المؤلف سمات الشخصية الروسية، والأبعاد الروحانية والأخلاقية في الوعي الرّوسي والذي ينعكس في تهافت الروس المتزايد على دور العبادة، وتميز روسيا بعلاقتها الخاصة مع شعوب الشرق، كونها الأقرب ليس فقط من ناحية الجغرافيا، بل من الناحية الثقافية. وكان للمرأة الرّوسيّة نصيب من الاهتمام حيث أشار الكاتب إلى دورها الملحوظ بدءاً من قيادة دفة الحكم مروراً بِترؤس المؤسسات التعليمية الكبرى والصغرى وفي البعثات الجيولوجية والرحلات الفضائية وصولاً إلى إنتاج الفنون العظيمة مثل فن البالية والسينما والمسرح والسيرك والغناء والشعر والصناعات اليدوية المتعددة. وينعكس هذا الابداع في ميادين العمارة وهندسة القصور والجسور والحدائق والساحات العامة. ويؤكد المؤلف على كون النموذج الرّوسي قوياً وغنياً في عقله العلمي وفي روحانياته. وبحكم تكوينها الخاص لا يمكن لروسيا أن تكون أوروبية أي غربية عقلانية صارمة ولا أسيوية متماهية مع تهويمات الروحانيات المطلقة للشرق. 
كما يرى أن العقل الفلسفي الرّوسي اشتغل على دراسة الفكرة الروسيِّة منذ بدأت أسئلة الهوية تطرح نفسها على الذات. وتلك الأسئلة يمكن اختصارها على الشكل التالي: من نحن؟ ما هويتنا بالمقارنة مع الهويات الحضارية الأخرى؟ ما دورنا في الفضاء الأوراسي والعالمي؟ ما مصير أو مستقبل روسيا؟ إذ أن الذات الروسية المفكرة كان وما زال يقلقها السؤال عن القواسم المشتركة التي تشكل الطابع الوطني والقومي للروس. 
وينتقل بنا الفصل الثالث إلى البعد الإثني والديني للشخصية الرّوسيّة. فنجده يلجأ إلى خمسة عناوين تحمل دلالات مهمة لا يزال يتردد صداها في الجدل القائم في جميع مراحل تطور روسيا. وجاءت كالتالي: روسيا: الكلمة والمعنى، والتركيبة الإثنيّة، والدين في المجتمع الرّوسي، والكنيسة الأرثوذكسيّة والصراع على الهويّة الرّوسيّة، ودور الإسلام في التركيبة الرّوسيّة. يتناول المؤلف التصور السلافي القديم للماهية الإنسانية، إذ يرى أنه كان يخضع لثلاثية تحكم العالم نافيا، يافيا وبرافيا. فمع وجود اليافيا، يتمثل الحضور الراهن للوجود، بينما في النافيا يتمثل العبور إلى المستقبل، وفي البرافيا يكمن جوهر القيم الروحية. ومن هذه الثلاثية تنبثق فكرة الوجود الإنسان. ويشدد على أن هذه الثلاثية السلافية وجدت امتداداً لها في الفكرة الثلاثية المسيحية التي طبعت الروح الرّوسيّة. وفي الفصل الرابع، يتناول المقدمات العملية لتطور روسيا، تحت عنوان العقلية الرّوسيّة: معالمها النظريّة والحياتيّة، ليضم عناوين فرعية: العقلية الرّوسيّة بأي معنى؟، السلوكية النفسيّة عند الروس، القيم الرّوسيّة: نظرة من الداخل، وطرق إدارة المدى والاقتصاد. وخصص المؤلف الفصل الخامس ل الطاقة الإبداعيّة الرّوسيّة، ليتضمن أسماء خمسة من كبار المبدعين الروس في الآداب والعلوم والفكر: بوشكين الأقرب إلى الوجدان الرّوسي، دوستويفسكي وفكرة روسيا، إيلين والروح الرّوسيّة الخلّاقة، فرنادسكي وحكمة العلم الرّوسي، سوروكين الرّوسي وتنبؤاته الحضاريّة. أما الفصل السادس فيتناول الجيوبولتيك والطاقة الرّوسيّة، ليضع ثلاثة عناوين فرعية حول مقومات روسيا الحديثة: الجيوبولتيك الرّوسي بين الشرق والغرب، والإنتلجنسيا الرّوسيّة: ماهيتها ووظيفتها، وطاقة البناء والهدم في المثلث الرّوسي. وتضمن هذا الفصل مجموعة من الإشكاليات التاريخية والسياسية وعلاقة السلطة والشعب والإنتليجنسيا.
وأخيرًا ينتهي الكتاب بالفصل السابع تحت عنوان روسيا بين تعثِّر العصرنة وتحدي العولمة، ليطرح عنوانا فرعيا: لماذا تعثِّرت العصرنة في روسيا؟، ثم يستعرض الحضارة الرّوسيّة في زمن العولمة الثقافيّة.
وفي الختام قدم المؤلف مراجعة حول جوهر العالم الروسي بين المادة والروح، الدين والسياسة، الماضي والحاضر، والتاريخ والجغرافيا.
 
شريف صالح
نقلا عن النهار الكويتية بتاريخ 3/7/2017