الرئيسية » حضاريات » في اليوم العالمي للترجمة- الترجمة عامل نهضة في الفكر العربي – جان جبور
في اليوم العالمي للترجمة

في اليوم العالمي للترجمة- الترجمة عامل نهضة في الفكر العربي – جان جبور

وذلك لإظهار تضامن مجتمع المترجمين في جميع أنحاء العالم، في محاولة لتعزيز مهنة الترجمة التي تزداد أهمية في عصر العولمة. وككل احتفاء، تكون الذكرى مناسبة لتقويم الواقع واستشراف المستقبل. وهي مناسبة بالنسبة لنا لنسائل واقع الترجمة في العالم العربي.

جرت العادة لدى الكلام على دور الترجمة واعتبارها أداة وعنصراً من العناصر الهامة لتجديد الفكر وإثرائه، أن نقول كلاماً كثيراً حول أزمة الترجمة في العالم العربي والمعوّقات التي تعترض النهوض بها، وأن نستحضر في المناسبة أرقاماً عن عدد الكتب المترجمة في العالم العربي بمجمل بلدانه لنقارنها بنتاج دولة أوروبية واحدة فنجد أن الفرق شاسع بين ما يترجمه العرب مجتمعين وما تقوم به دولة أوروبية واحدة، فنستذكر عصر المأمون حيث عرفت الترجمة ازدهاراً كبيراً وتحوّل العالم العربي الى مركز للإشعاع المعرفي، ونخلص الى أننا نعيش واقعاً مؤلماً يتّسم بالتخلّف والفوضى والعشوائية، لا يتوانى البعض عن وصفه بالكوارثي.

إن هذا الكلام الذي يوصّف حالة واقعية ويضع الأصبع على الجرح هو كلام صحيح في بعض جوانبه (بالرغم من التشكيك في صحة الأرقام لغياب الإحصاءات الدقيقة)، ولا مجال لإنكار المشاكل التي يعاني منها قطاع الترجمة في العالم العربي. إلا أن المحاولات الجادّة التي تقوم بها مؤسسات عربية هو أمر لا يجب الاستهانة به والتقليل من أهميته، علماً بأن هذه المجهودات لم ترقَ بعد الى مستوى المشروع الحضاري المتكامل الذي يستوجب استراتيجية كاملة وتخطيطاً بعيد المدى يتيح المجال للبناء عليه.

في الواقع إن الترجمة ليست قضية قائمة بذاتها، ولا يمكن فصلها عن أزمة الثقافة العربية ككل. في هذا السياق تُطرح مسألة هامة على المؤسسات المهتمة بالترجمة :  هل هناك موضوعات لا يتوجب مقاربتها ولا يُسمح بترجمتها؟ إنه موضوع شائك والجواب عليه معقّد. من البديهي القول إن الحرية شرط للإبداع ولتأمين الظروف الموضوعية لتحقيق نهضة فكرية. يشهد على ذلك جو التسامح والانفتاح الذي كان سائداً حين انطلقت أكبر حركة ترجمة في التاريخ القديم  في بداية الحضارة العربية الإسلامية. ولكن هل الحرية تعني التسيّب ؟ وبالتالي، من هو الشخص أو الهيئة المخوّلة بترسيم الحدود؟

ما من شك في أننا حين نتكلّم على تقييد الحرية، يكون المقصود ثلاثة موضوعات: الدين والسياسة والمرأة. وهذه الموضوعات من الأهمية بمكان كي لا نتركها بعهدة مسؤول أو رقيب يتعامل معها بعقلية متحجرة فيحول دون ترجمة كتاب من والى العربية لمجرد أنه لا يتطابق تماماً مع صورة نمطية راسخة في ذهنه. لكن في الوقت ذاته إن الترجمة عملية هادفة، وهي أداة حوار وتلاقٍ بين الثقافات، ودورها أن تردم الهوة بينها لا أن تعمّقها. هنا بالإمكان الكلام على الضوابط. فحتى الغرب الذي يتغنّى بحرية التعبير المطلقة غير المقيدة، يبادر الى مصادرتها حين يتعلّق الأمر بشبهة "معاداة السامية" أو التشكيك في "المحرقة"، حتى أنه لا يتوانى عن محاكمة من يجرؤ على ممارسة حرية الرأي في هاتين المسألتين، كما حصل مع المفكر الكبير روجيه غارودي. لماذا لا يكون الأمر مقبولاً إذن حين يتعلّق الأمر بالاستهداف المجاني للثقافة العربية وللإسلام والمسلمين ؟ فالترجمة تفتح الأبواب ليدخل منها النور لا الحقد، وهي أداة تواصل لكنها لا تكون متفلّتة من القيود القيمية والأخلاقية. هل نكون متحجّرين على سبيل المثال إذا لم نترجم روايات ميشال ويلبيك التي تتضمّن نصوصاً تسيء مجّاناً الى العرب والإسلام؟ وما ينطبق على الدين لا بد وأن ينطبق على السياسة. في هذا المجال، لا بد من التشجيع في مجال العلوم السياسية والاجتماعية والإنسانية على ترجمة كل ما يتعلّق بتطوير النظم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان بغض النظر عن رغبات الأنظمة أو النافذين. والحاجة ماسة لترجمة كل ما يساهم في إعلاء قيم التسامح والعدل والمساواة واحترام الثقافات والأديان في مواجهة الظلم والتطرف والإرهاب. في السنوات القادمة سوف تُطرح في السياسة إشكاليات كثيرة. بالأمس القريب على سبيل المثال كان موضوع الترجمة من العبرية الى العربية موضوع نقاش كبير رأينا نموذجاً منه بعد ترجمة رواية عاموس عوز "أسطورة عن الحب والظلام" الى العربية منذ سنوات قليلة. فهل يتوجّب القفز فوق كل الحواجز التاريخية والسياسية والفكرية والعاطفية والإيديولوجية واعتبار ذلك جزءاً من تحرّرنا الفكري، أم أن الحلّ يكمن في تجاهل هذا الأدب ؟ بكل الأحوال، لا بدّ من تحليل سرّ هذا الاهتمام الكبير الذي لاقته ترجمة هذه الرواية من طرف القارىء العربي.

ولا يقلّ الأمر إشكالية حين يُطرح موضوع المرأة. من الذي يقرّر أن ترجمة بعض الكتب التي تلامس موضوعات تحرّر المرأة أو صورة المرأة تتلاءم أو لا مع التراث والتقاليد؟ 

هذه الموضوعات المعقّدة تطرح كذلك مسألة أساسية، وهي الترجمة المتكافئة: كم هو عدد الكتب التي تترجم من العربية الى اللغات الأخرى والتي تُبرز الواقع الحقيقي لحضارتنا ومجتمعنا ؟ في الواقع إنه عدد ضئيل، وعلينا في هذا المجال بذل مجهود ضخم. فلا بد أولاً من هيئة تتولّى اختيار الكتب الهامة التي تعطي صورة واضحة عن الفكر والمجتمع العربي، ومن ثم السعي للتعريف بها وإبراز أهميتها لدى دور نشر أجنبية واسعة الانتشار، يترافق ذلك مع تأمين الدعم لترجمتها. بذلك تكون الترجمة في الاتجاهين عاملاً للحوار مع الآخر وللتفاعل بين الثقافات، وسبيلاً لإزالة سوء الفهم والقوالب الجامدة.

إن كل عملية نهضوية تطرح أسئلة شائكة. لذا يتوجّب على الترجمة التي هي حاجة ثقافية وحضارية أن تأتي من ضمن خطة قومية شاملة. من هنا تحتاج البلدان العربية لعملية ترجمة مؤسسية وممنهجة ترتبط باستراتيجية ثقافية قومية. فهناك فجوة كبيرة بين ما تنتجه ثقافتنا العربية وثقافة الغرب، وهذا يتطلّب ترجمة آلاف الكتب في مجالات المعرفة المختلفة حتى يتسنّى لنا مواكبة العصر وإشكالياته. قد تكمن البداية في إيجاد نمط من التنسيق بين مراكز الترجمة في الوطن العربي. يلي ذلك وضع استراتيجية عقلانية للترجمة يجري من خلالها تحديد الأهداف القومية والمعرفية الضرورية لعملية الترجمة وما يجب أن يشكل غاية نهضوية للترجمة. أعرف تماماً أن هكذا طموح قد يبدو طوباوياً في الظرف الراهن. لكنها فكرة يجب أن ترسخ في الأذهان، ولا سبيل لقيام نهضة فعلية بدون هذا المسلك.

إلا أنه بالرغم من ضبابية الصورة، أعتقد أن الأمور ليست على درجة من السوء الذي يتصوره البعض، ذاك أن الخبرات التي تكتسبها المؤسسات التي تُعنى بالترجمة حالياً، والتجارب التي تقوم بها والصعوبات التي تواجهها وتسعى لتذليلها لا بد وأن تقودها في النهاية الى بلورة مشروع متكامل. في الماضي لعبت الترجمة دوراً بارزاً في تألّق الثقافة العربية، واليوم في ظل العولمة تواجه هذه الثقافة بالذات تحدّيات متعدّدة خارجية وداخلية، والانكفاء أو الانعزال يعني الموت الأكيد. لا بد إذن من أن تُسهم الترجمة -التي هي نافذة مهمة على العلم ووسيلة أساسية لنقل المعارف وأداة للتواصل-، في تشكيل الفكر العربي الحديث، إذا ما حصلت في إطار عملية نهضة علمية-معرفية كبرى، نصبو اليها بكل جوارحنا.

 

 

المصدر د. جان جبور