الرئيسية » سياسة واقتصاد » في العلاقات الروسية العربية – احمد صبري /خاص للموقع
في العلاقات الروسية العربية

في العلاقات الروسية العربية – احمد صبري /خاص للموقع

   كما توجد كذلك علاقات تحالف قائمة على التقارب الأيدلوجي كحلف وارسو الذي قام بين الدول ذات الأيدلوجية الماركسية؛ وثمة علاقات تحالف قارية كالاتحاد الأوروبي، وهو اتحاد سياسي واقتصادي وعسكري؛ وعلاقات تحالف قائمة على الخلفيات الثقافية التي نشأت بناء على فترات الاحتلال السابقة كدول الكومنولث البريطاني ، والدول الفرانكفونية المرتبطة بالثقافة الفرنسية .

   هناك تجمعات أقل تنسيقاً مثل العلاقة بين إسبانيا ودول أمريكا اللاتينية الناطقة بالإسبانية، أو العلاقات بين الدول العربية في إطار الجامعة العربية، أو بين الدول الإسلامية ضمن منظمة المؤتمر الإسلامي والتي تقوم على أسس دينية.

   وبالرغم من أن كل علاقات التحالف السابقة شهدت تعاوناً اقتصادياً بين أعضائه ، بل أن حلف وارسو كان يمتلك قوة عسكرية مشكلة من بين الدولة الأعضاء وتنسيقاً امنياً واقتصادياً مشابهاً لحلف الأطلسي ؛ لكن سقوطه في التسعينات ، وفشل باقي علاقات التحالف السابقة في تطوير أوضاعها لمرحلة التكامل الحقيقي بين الأعضاء على غرار حلف الأطلسي ، وفشل الاتحاد الأوروبي في الاحتفاظ بأعضائه ووجود مساع لدى بعض الدول للانفلات مرة أخرى مثل انجلترا التي قررت الانفلات بالفعل ، وهناك تعهدات انتخابية بفرنسا أطلقها اليمين المتطرف بإجراء استفتاء على بقاء فرنسا ضمن الاتحاد الأوروبي في حال فاز بالانتخابات الرئاسية المزمع إجرائها في 2017، ربما يضع الشكوك حول قدرة التحالفات الأيدلوجية والثقافية والمناطقية وحتى الدينية على الاستمرار .

   على أن الفترة الراهنة والتي تشهد أزمة كبيرة تعاني منها الرأسمالية كنمط إنتاج منذ عام 2008، ربما تجبر العديد من الدول على إعادة التشكل مرة أخرى في أحلاف جديدة تتجاوز العلاقات السابقة ، يكون هدفها الأول الحفاظ على كياناتها ووحدة أراضيها أمام احتمالات التفتت والانقسام بمواجهة هجمات الكيان الرأسمالي الأكبر والذي يرغب في استمراره على قيد الحياة لأطول فترة ممكنة حتى لو كان على حساب دول وشعوب ضخمة ومستقرة ومتحدة منذ قرون طويلة .

   وتناقش هذه المجموعة من المقالات ، والتي ستنشر عبر حلقات متتابعة ، فرص وجود تحالف قوي ومتشعب بين روسيا كأحد القوى الكبرى في العالم ، وبين العالم العربي ، والذي يواجه العديد من المخاطر في الفترة الأخيرة سواء اقتصادية أو أمنية تؤثر على استقراره السياسي ، والدول الأخرى التي يمكن أن تسعى للانضمام إلى هذا التحالف الجديد ، وأهمية دور مصر في تأسيسه .

   1 – الروس والعرب (خلفية تاريخية)

   ليس من الواضح وجود علاقات بين الروس والعرب قبل الإسلام، أو حتى في بدايات الفترة الإسلامية والتي شهدت توغل الفتوحات العربية في آذربيجان وأرمينيا بالقرب من مناطق تواجد الروس .

   وتفيد النصوص التاريخية أن أول تماس تم بين الروس والعرب كان عبر مسالة دينية ، عندما سعت الكثير من شعوب المنطقة لتجاوز وثنيتها واعتناق الديانات السماوية ، فاعتنق ملك الخزر الديانة اليهودية في محاولة للحفاظ على استقلال مملكته ما بين الخلافة العباسية الإسلامية في بغداد والإمبراطورية البيزنطية المسيحية في القسطنطينية ، واعتنق معه شعبه الخزري هذه الديانة ، وهو الأمر الذي دفع ملوك المنطقة لمحاولة حماية استقلالهم من سطوة المملكة اليهودية، فاعتنق ملك البلغار الإسلام ووضع نفسه تحت حماية الخلفية العباسي في بغداد[1] ، بينما اعتنق الملك الروسي فلاديمير المسيحية الأرثوذكسية ، حيث تشير المصادر الروسية إلى أنه رغم إعجابه بالتشريعات الإسلامية لكنه اعترض على تحريم الإسلام للخمر قائلة عبارته : " راحتنا في خمرنا " ، كما تشير المصادر الإسلامية إلى أن الوفد الذي أرسله الملك الروسي إلى خوارزم لمعرفة أحوال المسلمين اعتنق أربعة من أعضائه الدين الإسلامي .

   وبديهي أن الخمر ليست هي السبب الجوهري في رفض ملك الروس اعتناق الإسلام بالرغم من قبوله لاعتناق بعد أتباعه ورعاياه لهذا الدين ، ومن الممكن أن يكون الملك الروسي قد فضل اعتناق المسيحية الأرثوذكسية كي لا يخضع لسلطة دينية من قبل الخليفة المسلم ، خاصة وأن الإمبراطورية البيزنطية رغم حرصها على نشر المسيحية الأرثوذكسية لكنها كانت سلطة علمانية في جوهرها ولا تحمل وجهاً دينياً كنظيرتها في الغرب (الدولة الرومانية المقدسة) التي خضعت لسلطة البابا في الفاتيكان .

   وبحسب ما ذكره ابن فضلان فإن الروس والعرب كان بينهما العديد من الصلات التجارية جعلت بعض العادات والتقاليد العربية معروفة للروس، مثل عادات الجنائز والدفن، إلا أن العلاقات بين الشعبين لم تتطور إلى علاقات سياسية.

   لقد شهدت العلاقات الروسية / العربية تطورات جديدة بعد بروز الروس كقوة كبرى في أوروبا ، وصدامهم مع الدولة العثمانية في الفترة من 1768 – 1774 ، حيث وجد الأسطول الروسي بقيادة الكونت ألكسي أرولوف نفسه مضطراً للتواجد في البحر المتوسط لمحاصرة بقايا الأسطول التركي ، وفي نفس الوقت دعم حركات التمرد ضد العثمانيين التي قادها حاكم مصر علي بك الكبير بمساعدة حليفه في فلسطين الأمير ضاهر العمر ، ويذكر قسطنطين باسيلي مبعوث الإمبراطورية الروسية في سوريا وفلسطين في كتابه أن علي بيك وضاهر العمر قدما الدعوة للسفن الروسية بالتواجد على الشاطيء السوري ، معترفاً بأن هذه السفن قد دعمت عمليات علي بيك الكبير وضاهر العمر ضد العثمانيين ، وبالرغم من أن هذا الدعم لم يؤد لانتصار المتمردين ، فإنه قد جعل الإمبراطورية الروسية تسعى للتأثير في أوضاع الشام مثلما كانت دائماً تتبنى قضايا الشعوب الأرثوذكسية الخاضعة للدولة العثمانية ، وهو ما يشير إليه قسطنطين باسيلي في كتابه .

   والواقع أن الموقف من روسيا لدى العرب ، والمصريين منهم على وجه الخصوص ، كان قد اتخذ صورة أكثر إيجابية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر عندما بدأت الأطماع الإمبريالية الغربية في الظهور بوضوح للحصول على الولايات العثمانية العربية والسيطرة عليها ، وهو ما جعل الشعوب العربية تتعامل مع روسيا كحليف ، خاصة أن الإمبراطورية الروسية لم تبد أي أطماع في البلدان العربية واقتصر صراعها مع العثمانيين والدولة القاجارية في إيران بالاضافة للمستعمريين الغربيين وكل هذه القوى كانت تمثل تهديداً مباشراً للروس .

   يقول الرحالة الروسي ألكسندر فاسيليفيتش يليسييف حول مشاعر العرب تجاه الروس في ثمانينات وتسعينات القرن التاسع عشر : " المسلمين هناك لم يعودوا يساوون الروسي لا بالألماني ، ولا بالفرنسي ، ولا سيما بالانجليزي . وفي كل مكان حيث كان ينم عني زيي القومي فقط ، في كل مكان كنت اصادف موقفاً ودياً واسمع الترحيبات وعبارات باللغة الروسية المكسرة ، ولم ألق عداء في أي مكان . وحتى في الأوقات الأخيرة لقصف مدينة الإسكندرية ، عندما كان البدو وعامة المصريين يضربون الأوروبيين ضرباً مبرحاً ، كانت كلمتا (أنا موسكوفي) تنقذان الروس من المصير المشترك "[2] .

   وقد شهدت هذه الفترة محاولات الإمبراطورية الروسية للتواجد في الخليج الفارسي ومحاولة عقد تحالفات مع مشايخ هذه المنطقة والتي كان الانجليز يسعون لبسط سيطرتهم عليها ، وسعى وزير الخارجية الروسي عبر أرسال قطع من البحرية الروسية للخليج إلى التوضيح للانجليز أن روسيا تعتبر الإبحار في الخليج سهل المنال أما سفن كل الأمم وهو ما أزعج الانجليز بكل تأكيد خاصة عندما أرسل الروس أطباء إلى الخليج وقاموا بمعالجة المواطنيين المحليين من الطاعون مجاناً .

   لقد تطورت المواقف الروسية من القضايا العربية عقب قيام ثورة أكتوبر الشيوعية عام 1917 والتي تبنت الدفاع عن قضايا الكادحين في كل أنحاء العالم ، ومن بينهم العالم العربي ، وكان أول ما قامت به الثورة السوفيتية هو فضح إتفاقية سايكس بيكو سيئة الصيت والتي كانت تقضي بتقطيع أوصال الدول العربية وتقسيمها بين الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى ، كما أعلن لينين أن هدف حكومته هو توحيد الجبهة الشرقية ضد الإستعمار الأوروبي مؤسسة ما عرف باسم (عصبة تحرير شعوب الشرق) .

   لقد كان للثورة البلشفية صدى واسع في العالم العربي إلى درجة الحديث لفتوى للميرزا محمد رضا أحد علماء الشيعة بكون البلاشفة اصدقاء الإسلام ، كما تم تأسيس الحزب الشيوعي المصري الأول في عشرينات القرن العشرين وشارك به عدد من رجال الدين المسلمين ، بل تشير بعض الإحصاءات إلى أن هذا الحزب ضم لصفوفه ثلاثة آلاف عضو من طلبة الأزهر الشريف ، وهو رقم ضخم جداً في هذه الفترة .

 

   والواقع أن العديد من الأنظمة التي حققت التحرر الوطني في العالم العربي اعتمدت لحد كبير على الدعم السوفيتي لبناء اقتصادها الوطني المستقل ونهضتها الصناعية بالإضافة للاعتماد على التسليح والخبرات العسكرية الروسية من أجل تشكيل جيوشها الوطنية ، وما تزال المشاريع الصناعية التي شيدتها مصر بمساعدة الخبراء السوفيت إبان عهد الزعيم جمال عبد الناصر كالسد العالي ومجمع حلوان للحديد والصلب ومصنع الألومنيوم في نجع حمادي وغيرها من المشاريع التي يبلغ إجمالي عددها نحو مائة مشروع ، تشكل حجر الأساس للاقتصاد المصري ، وقد قدمت مساعدات مماثلة لغيرها من الدول العربية مثل الجزائر والعراق وليبيا وسوريا خلال الحقبة السوفيتية .

   على أن تفكك الاتحاد السوفيتي في مطلع 1991 ، وتغير الاستراتيجية الروسية بالاتجاه إلى الغرب الأوروبي أدى إلى تراجع العلاقات بين الجانبيين خاصة مع الدول التي كانت حليفاً تقليدياً للاتحاد السوفيتي ، كما أن دعم بعض الدول العربية للتمرد الذي قام به جوهر دوداييف رئيس جمهورية الشيشان على الاتحاد الروسي أدى لزيادة الأثر السلبي بين الجانبين .

   إن الاستعراض التاريخي السابق للعلاقات بين روسيا والعالم العربي يؤكد على أنه ، ومنذ الصعود الروسي كقوة عسكرية كبرى في العالم ، لم تكن هناك مطامع إستعمارية تجاه البلدان العربية ، بل أن هذا الاستعراض يشير إلى أن سمعة الدولة الروسية سواء في المرحلة القيصرية أو المرحلة السوفيتية لدى المواطن العربي كانت جيدة للغاية بسبب مساندتها لهذه الأقاليم في مواجهة العسف العثماني والإمبريالية الغربية .

[1] أحمد بن فضلان . رسالة بن فضلان في وصف الرحلة إلى بلاد الترك والخزر والروس والصقالبة . تحقيق / د. سامي الدهان . مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق . دمشق 1960 . ص 119 ، 146 .

[2] م . س . ص 7 . الكسندر فاسيليفيتش يليسييف (1858 ـ 1895 ) طبيب ورحالة، ولد عام 1858 م في مدينة " سفيابورغ في فنلندا. أكمل دراسة الطب الجراحي وخدم طبيبا حربيا في تركستان، وفي مناطق البلطيق وفنلندا. شملت رحلاته الأولى شمال روسيا وفنلندا والأورال على حدود روسيا الآسيوية. في عام 1881 زار مصر وسوريا، وفي عام 1882 زار شبه الجزيرة الاسكندينافية. كما زار مصر من جديد في عامي 1883 ـ1884م، ثم زار فلسطين ومنها عن طريق اليونان وصقلية وصل إلى طرابلس، ثم زار تونس والجزائر ووصل إلى غدامس. فيما بين عامي 1893 ـ 1894م زار السودان وإثيوبيا . أجرى دراسات في البلدان التي زارها وبالأخص حول علم الأجناس وعلم السلالات البشرية والطب . وبداية من عام 1878 م بدأ بنشر رحلاته في بعض الدوريات العلمية، وأصدر على حدة كتابا بعنوان" في أرجاء العالم" في ثلاثة مجلدات ضمنه تفاصيل رحلاته .