الرئيسية » سياسة واقتصاد » “يبدو أيتماتوف وكأنه سبق عصره، فرأى من خلال ضباب الأحداث المتغيرة الخطوط العريضة للمستقبل”، – خطاب منسق المجموعة فينيامين بوبوف في “قراءات في أيتماتوف” – ترجمة ميشال يمّين
bnymyn_bwbwf.jpg

“يبدو أيتماتوف وكأنه سبق عصره، فرأى من خلال ضباب الأحداث المتغيرة الخطوط العريضة للمستقبل”، – خطاب منسق المجموعة فينيامين بوبوف في “قراءات في أيتماتوف” – ترجمة ميشال يمّين

من أقوال أيتماتوف في جلسات المجموعة:

"إن تنوع أشكال الحياة على الأرض قد يصبح واحدا من أهم المبادئ البناءة لعالم اليوم، بما يتيح للثقافات والحضارات المختلفة ليس فقط أن تتعايش، ولكن أيضا أن تتفاعل في ما بينها، مثلما تتفاعل في العالم جميع الكائنات الحية، ومثلما تستشعر أشجار النخيل في الجزيرة العربية وغابات الأمازون بعضها بعضاً في وحدة هذا العالم ومثلما يتوقف بعضها على بعض. فوجودها نفسه يتوقف على اعتماد بعضها على بعض في التوازن البيئي للأرض. والشيء نفسه ينبغي أن يكون في بيئة الأرض الروحية. إن الإسلام، لعمري، هو الذي يجب أن يُعطي في هذا السبيل دروساً في التسامح والاحترام المتبادل اللذين يمكن أن ترتكز عليهما البيئة الروحية العالمية". جلسة مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا-العالم الإسلامي". 27 مارس/آذار 2006، موسكو

 

"الجذور والتقاليد مختلفة واللغات مختلفة والمعتقدات مختلفة، ولكن علينا الحفاظ على طريق واحد للبقاء معاً وللتطور في بيئة عالم العولمة المعاصر المتعدد الأوجه. فرؤانا الاستراتيجية تسير في قافلة واحدة. والحضارات المختلفة في القرن الحادي والعشرين الذي هو عصر واحد لجميعنا تتطلب اهتماماً منا مشتركاً ويفترض ان تخدم الفروق في الحضارات القيم الإنسانية المشتركة ". جلسة مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا-العالم الإسلامي"، 1 فبراير/شباط 2007 في اسطنبول.

 

كتب الفيلسوف الروسي الكبير برديايف Berdyaev في عام 1922 عبارةً نبوءة: "في عصرنا لا يوجد مواضيع للفهم والعيش على السواء أكثر إلحاحا من موضوع الثقافة والحضارة واختلافاتهما وعلاقاتهما. إنه موضوع المصير الذي ينتظرنا".

خلال العمل التحضيري لإنشاء هذه المجموعة، ثم خلال الاجتماعات، حصل لي أن التقيت مرارا جنكيز توريكولوفيتش أيتماتوف وأن نتحدث في العديد من المسائل. لقد أثارت لدي انطباعا رائعاً سعة تفكيره على مستوى رحاب كوكبنا، وعمق معرفته وموهبته الخاصة في تبصر الأمور، تلك التي لا تلاحظ عند سوى الكتاب العظام فعلاً.

        _________________________________

بدا وكأن أيتماتوف تجاوز عصره، ومن خلال ضباب الأحداث المتحولة رأى الخطوط العريضة للمستقبل.

        _________________________________

 

لقد كان في خطبه يتحدث بحماس وبشكل مقنع عن ضرورة توحيد قوى المجتمع الدولي، بناء حضارة إنسانية مشتركة لا ينبغي أن يكون فيها مكان لحضارة مختارة أو مهيمنة أو متفوقة، حضارة ينبغي أن تكون توليفة من العديد من ألوان ثقافات العالم. كان أيتماتوف يحث الحاضرين على النفاذ إلى معنى القول بأن الحق في أن يكون المرء سعيدا هو لكل من يعيش على هذا الكوكب، وأن الدول الصغيرة يجب أن لا تذوب في الدول الكبيرة. فلا بد من البحث عن سبل لتنسيق العلاقات ومناغمتها وأن المهمة الرئيسية للحكومات والمنظمات الدولية على المدى الطويل هي ضمان هذا الحق في السعادة لجميع الناس، كما للشخص العادي. وكان على يقين من أن أهم دور في هذا يعود للكتّاب وللمسرح، وللعاملين في مجال الفن بشكل عام.

        _________________________________

وكان يعلق أهمية خاصة على وسائل الإعلام، ويشدد على أن الصحافة يجب أن لا تكون بعيدة عن السياسة، بل ينبغي أن تحمل في ذاتها "شحنة إنسانية إيجابية". هذا المصطلح يطبع جميع أقواله وآرائه.

        _________________________________

 

يجب أن يتم الإقناع من خلال قوة الكلمة، والدعوةِ إلى الخير، إلى التعاطف والرحمة، إلى احترام أي ثقافة أخرى، إلى العمل، إلى الإبداع. فمن خلال قوة الكلمة والدعوة إلى الخير، تعبر كل رواياته وقصصه الرائعة عن فهم أننا جميعا على اندماج والطبيعةَ في كل واحد. فيها يتكشف ذاك النقاء الذي، للأسف، يعوز العالم الحديث.

 

كان يقول وهو يتحدث في اجتماعات مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا – العالم الإسلامي"، إن المهم الآن هو بالذات تجنب المواجهة والصدام بين الحضارات والثقافات، واتباع طريق الحوار والتعاون لتجنب الكوارث العالمية، وتدمير البشرية لذاتها.

 

إن الميزة المدهشة لهذا الرجل هي أنه لم يستوعب فقط المكونات المدمجة لتاريخ البشرية، بل فهم أيضا المجتمع الحديث، كما لو أنه كان يستشرف المستقبل. وكثيرا ما كان يكرر أن مشكلة التفاهم في عصر العولمة تتطلب رؤية مقترنة استراتيجيا بدلا من الرؤية القديمة البالية. فالوضع العالمي في عصرنا هذا معقد للغاية، وهناك قوى عتية ذات جبروت تود أن تظهر هذا التعقيد وكأنه نتيجة لصراع حتمي بين الحضارات، خاصة بين العالم الإسلامي ودول الثقافة الأوروبية أو دول التكامل الأوراسي. ولكن لا ننسَ أن الاتجاهات الحالية هي السلام والوئام. فالسلام والوئام هما أهم إنجازات البشرية. ونحوهما يجب أن تتدفق أفكار الأديان العالمية، مثلما تتدفق الأنهار التي تصب في بحر واحد أوحد.

        _________________________________

وروسيا، في رأيه، يمكن أن تسمى لسبب وجيه ليس فقط بلد التقاليد الأرثوذكسية، ولكن أيضا بلد التقاليد الإسلامية العميقة الغور. لقد وضع التاريخ نفسه روسيا في ظروف يمكنها "بل يجب عليها أن تلعب فيها دور القوة الموازنة في العلاقات بين الغرب والإسلام". وهي لهذا جاهزة من خلال موقعها الجيوسياسي وتاريخها وخبرتها.

        _________________________________

 

وكان يقول أيضا إن هناك حجري أساس يجب أن يبنى عليهما جامع التسامح العالمي العظيم. الأول هو وحدة العالم باعتباره انعكاسا لوحدة العلي الأجلّ. والثاني هو الصورة الحية للنبي صلى الله عليه وسلم، الذي كانت حياته أدق صورة لتطبيق التعاليم القرآنية في الممارسة العملية، ولا سيما في مجال العلاقات بين الأديان والطوائف. فالرسول، كما هو معروف، كان يقدم مسجده للصلاة إلى الوفد المسيحي من سوريا وهو ترك لنا، بالإضافة إلى الكتاب المقدس، كتابِ القرآن الكريم، اثنتين من الوثائق التاريخية المناسبة تماما لعالم اليوم. إنهما "دستور المدينة"، الذي هو نموذج للتعايش المثمر في ما بين مختلف الطوائف الدينية في دولة واحدة، و "خطبة الوداع" التي حدد فيها مبادئ المساواة بين جميع الناس، وبالتالي بين الثقافات على الأرض.

        _________________________________

لقد كان جنكيز أيتماتوف شخصية عالمية، رجل العالم. وكان مع كل ذلك الابن البار شعبه.

        _________________________________

فبفضل ايتماتوف ليس فقط ملايين القراء السوفيت، ولكن الملايين العديدة من الناس في البلدان الأخرى، عرفت، بل أكثر من ذلك رأت كيف أنه خلق صوراً ولوحات أخاذة عن الطبيعة البكر الرائعة لقرغيزيا وجبالها وبحيراتها ووديانها، وعن شعبها الرائع القوي روحياً ومعنوياً، الصبور والجاد في عمله. يقولون أنْ لا نبيَّ يكرَّم في بلده. لكن جنكيز إيتماتوف كان نبيا مكرماً. فعندما نتكلم عن قرغيزيا، كم من الناس يتذكر فورا "السفينة البيضاء". ولهذا، إذا ما كتب شعب قيرغيزيا اليوم على راياته اسم جنكيز أيتماتوف، فانه سوف يكون قادراً على التغلب على كل العقبات والحفاظ على وطنه وعلى هذا الرجل العظيم، وهكذا سيفوز وينتصر.

 

من الجدير بالذكر أن ايتماتوف كتب باللغة الروسية وباللغة القرغيزية على حد سواء، وبالإضافة إلى أعماله الرائعة، سيسجل اسمه التاريخ باعتباره رمزا لوحدة الشعبين الروسي والقرغيزي.

فنيامين بوبوف

ترجمة: