الرئيسية » حضاريات » دور ومسؤولية الأديان في إقامة النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل – يوري ياكوفيتس
دور ومسؤولية الأديان في إقامة النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل

دور ومسؤولية الأديان في إقامة النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل – يوري ياكوفيتس

أزمة المجتمع وأزمة الدين

1 ـ  الأديان في بنية وسرعة تطور الحضارات

في بداية القرن الواحد والعشرين دخلت الحضارة العالمية وجميع الحضارات المحلية في مرحلة الأزمات والتحولات العميقة، والحركات الفوضوية، والتي سيبدأ منها في الربع الثاني من القرن مرحلة تشكل الحضارة ما بعد الصناعية، المتكاملة. يتغير المجتمع ـ وتتغير الأديان كمكون هام لمنظومة القيم الحضارية. ومهمة العلماء ـ استكشاف الشروط المسبقة، وجوهر واتجاهات هذه التغيرات، واكتشاف دور الأديان في تكون النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل، واتجاهات تطبيق نشاطهم وتفاعلهم فيما بينهم و مع العناصر الأخرى «أهرامات الحضارة»والنظام الاجتماعي والثقافي ـ العلم، والتعليم، والثقافة، والأخلاق.

كيف يجب أن تكون استجابة الأديان للتغييرات الحاصلة  ـ أن تكون مع خصوم هذه التغيرات، أو مع مؤيديها الفاعلين، أو مع المراقبين اللامبالين؟ ما هو دور ومسؤولية الدين في تعزيز الأسس الأخلاقية داخل المجتمع والأسرة، وفي منع الكارثة الاقتصادية، وفي تحقيق الابتكارات الجذرية، وتغيير النظام الاقتصادي والنظام الجيوسياسي؟ كيف ستتغير العلاقات بين الأديان ـ

هل ستبقى بينهم العداوة والمواجهة أو سيُمهدُ الطريق إلى الحوار ذي المصلحة المتبادلة، ومن ثم إلى الشراكة في الرسالة كرد على تحديات القرن الواحد والعشرين؟ وما هي المؤسسات المطلوبة لتحقيق ذلك؟

ويتم في هذا البحث اقتراح أجوبة عن هذه الأسئلة الموضوعية. وهو يستند إلى سلسلة من الأعمال في مواضيع النظرية والتاريخ ومستقبل الحضارات، المنشورة في خمس مجلدات في الدراسة التي قدمها ب.ن.كوزيك وَ ي.ف.ياكوفيتس «النظرية، والتاريخ، والحوار، والمستقبل» (موسكو: معهد الإستراتيجيات الاقتصادية في أكاديمية العلوم الروسية، 2006، 2008) وفي المجلد السادس المُعَد للنشر«تشكل الحضارة المتكاملة» غ.ف.أوسيبوف، ب.ن.كوزيك، ي.ف.ياكوفيتس «آفاق سرعة التطور الاجتماعية والثقافية والشراكة بين الحضارات» (موسكو: معهد الإستراتيجيات الاقتصادية في أكاديمية العلوم الروسية، 2007)، الدراسة التي قدمها ي.ف.ياكوفيتس «تاريخ الحضارات» (موسكو: فلادوس، 1997م)، The Past and the Future of civilization (USA: The Edvin Press, 2000), ، «العولمة والتفاعل بين الحضارات» (موسكو: الاقتصاد، 2003)، «الابتكارات المصيرية في القرن الواحد والعشرين» (موسكو: الاقتصاد، 2004).

إلى جانب ذلك يحتوي البحث سلسلة من المواضيع الجديدة والإرشادات لرفع دور ومسؤولية الدين في تحول المجتمع والنظام الاجتماعي والثقافي.

دور ووظائف الأديان في المجتمع وفي منظومة القيم الحضارية

تحتل الأديان أحد المواقع المركزية في بنية الحضارة وفي منظومة القيم الحضارية. إنها تملأ العِلم، والتعليم والثقافة في إدراك وفهم العالَم المحيط بالإنسان والتغيرات الحاصلة فيه، وفي نقل هذا الإدراك متعدد الأبعاد للأجيال القادمة. تحتل الأديان المكانة المركزية في القوانين الأخلاقية في المجتمع، وفي تقييم سلوك وتصرفات الأفراد و المجتمعات، والمجموعات العِرقية، والدول، والحضارات وتواصلها. إنها تقدس وتكرس الأسس الأخلاقية في الأسرة كخلية أولية للمجتمع، وجزيئه الأساسي. إلى جانب ذلك تلعب الأديان دوراً هاماً في تحفيز مختلف الأنشطة البشرية، من ضمنه في مجالات الاقتصاد، والبيئة، والتقنية، والسياسة والحرب.

تلعب الأديان دوراً متناقضاً في التحول الثوري الدوري لمختلف الجوانب في المجتمع. من جهة، تلعب تعاليم الأديان ودعاتها دوراً محافظاً، حيث يدعون للحفاظ على أسس النظام الحياتي السائد. إنهم محافظون صحيون، يحمون من التحولات السابقة لأوانها، والميالة إلى المغامرة. ولكن كثيراً ما تتحول هذه المحافظة إلى معارضة رجعية للتغييرات الطبيعية الآتية وللإصلاحات الجذرية، أو تتحول إلى سعي للعودة إلى الأزمنة الغابرة (المثالية التي تحققت).

من جهة أخرى، تظهر التيارات الدينية كمحفزات ومشاركات فعالة في التغييرات. الدين البروتستانتي في إنكلترا، واللوثرية والكالفينية في القارة الأوروبية، ساهموا كثيراً في الإعداد للثورة الصناعية وانتشارها فوق القارة وعبر العالم. فقد صار دعم الباباوات أحد عوامل النهضة الفنية في إيطاليا. في المعابد، التي كانت تُقامُ في مختلف الحضارات في مختلف العصور، بدءاً من مصر الفرعونية ووصولاً إلى أيامنا هذه، وجدت انعكاساً لها أرقى الإنجازات الفنية في مختلف العصور. يكفي أن نتذكر القصور في الأقصر، ومعابد اليونان القديمة وروما القديمة، والكنائس القوطية في العصور الوسطى في أوروبا الغربية، وفخامة كاتدرائية القديسة صوفيا في القسطنطينية، وكييف ونوفغورود، وتاج محل في الهند، والزينة الفنية الماهرة التي تزين المساجد في سمرقند، وعواصم الدول الإسلامية.

أزمات الحضارات وأزمات الأديان

إن مرحلة الأزمة في حركة التطور الدورية للحضارة تجد انعكاساً لها في أزمات الأديان. فالأفول ترافقه أزمة الأديان. فهكذا، أزمة حضارة القرون الوسطى في أوروبا الغربية في القرنين السابع عشر والثامن عشر، رافقته أزمة الدين، وخاصة الكاثوليكي، أما أزمة الإمبراطورية الروسية فقد رافقتها أزمة الدين الأرثوذكسي. ونتيجة الثورة الفرنسية العظمى وثورة أكتوبر العظيمة خسرت الأديان جزءاً كبيراً من ممتلكاتها ونفوذها، وتم نفيها. لقد مر القرن العشرين تحت شعار علمنة المجتمع.

لكن أزمة الحضارة الصناعية بدءاً من نهاية القرن العشرين، ولَّدَ نزعة نهضة الأديان والوضع السياسي، وخاصة في مناطق نفوذ الإسلام والأرثوذكسية.

ولكن مؤسسات الأديان العالمية لم تكن مستعدة لهذا التحول في الاتجاهات، ويمكننا أن نتحدث عن أزمة الأديان المعاصرة العالمية الشاملة،حيث تجد انعكاساً لها في التالي:

أولاً، لم يتبين البعض من القادة الدينيين بما يكفي جوهر ومنحى التغيرات الحاصلة في عالم الحضارات، فأخذوا يحلمون بالعودة إلى القرون الوسطى، إلى مرحلة هيمنة الدين التي لم تقتصر على الحياة الروحانية فقط، بل تجاوزتها إلى الحياة السياسية والاقتصادية، وتم إحياء فكرة الدول الدينية (الإسلامية، الأرثوذكسية … إلخ)، حيث يحتل رجال الدين المراكز المهيمنة وتحدد طابع جميع مجالات الحياة داخل المجتمع، فتصبح الشريعة هي أساس النظام القضائي، والتعليم الديني هو صاحب الدور الرئيسي. هذه النظرية تم تطبيقها عملياً في جمهورية إيران الإسلامية، ولكنها كانت تزداد تناقضاً مع الواقع في القرن الواحد والعشرين، الأمر الذي أظهرته أحداث صيف 2004م. ففي إيران نفسها يجب على الدين أن يحتل مكانته في بنية الأداء الوظيفي للحضارة المعاصرة، وفي الشراكة مع مؤسساتها الأخرى، دون سعي لإخضاعهم والهيمنة عليهم، بل أن تستحق وضع السيادة. إن السعي للعودة إلى السلطة المطلقة للدين في المجتمع وسيادته، وإلى الحضارة الدينية ـ هي إحدى المثاليات الرجعية، المعادية للإبداع والابتكار. إن هذا السعي يضع الدين في مواجهة المؤسسات الاجتماعية الأخرى فيضعف مواقعه.

ثانياً، تم الحفاظ على الصراعات والمواجهات الدينية وتقويتها- سواء بين الديانات العالمية الرئيسية، أو داخل الدين الواحد – مثلاً بين الشيعة والسنة والوهابيين في الإسلام، وبدأت تظهر بالجملة وتنتشر مختلف الطوائف، ومن ضمنها الوحشية، والمعادية للإنسانية. إن الأديان العالمية مفرقة وتجابه بعضها بعضاً، مما يضعف تأثيرها.

ثالثاً، إن الأديان المنغمسة في الصراع مع بعضها بعضاً وتوسيع مجالات النفوذ، لا تؤدي مهامها بما يكفي فيما يتعلق بغرس وتقوية الأخلاقيات والأسس داخل الأسرة، وتعجز عن مواجهة النزعات السائدة وضعف تنوع القيم الحضارية. في حين تسود النزعات، وخاصة في البلدان التي يغلب عليها النظام الاجتماعي والثقافي الحسي، والذي في الربع الأخير من القرن العشرين، انتشر من الحضارة الأوروبية الغربية والأمريكية الشمالية ليشمل الحضارة الأوراسية عبر الشابكة وتعليم الطلاب الأجانب فأخذ يستحوذ على الأجيال الشابة للحضارات الأخرى . فالأديان هنا تملأ الشابكة، والتلفاز والسينما. وهذا يهدد تنوع الحضارات والثقافات، حيث تستمر خسارة القسم الأكبر من القيم الحضارية مع تعاقب الأجيال. إن الأديان لم تنجح في أن تكتشف في الوقت المناسب خطر التهديد المتفاقم ومواجهته.

 

2 ـ دور الدين في تشكل الحضارة المتكاملة

الحضارة المتكاملة في طريقها لتحل محل الحضارة الصناعية

إن النصف الأول من القرن الواحد والعشرين ـ هو مرحلة تغيير الحضارة العالمية الصناعية الغربية المهيمنة خلال ما يزيد عن قرنين من الزمن وحلول الحضارة ما بعد الصناعية محلها، المتكاملة(1) من حيث محتواها، والتي من المتوقع أن تستمر فترة سيادتها ما يقارب القرنين من الزمن حيث اكتشف بيتيريم سوروكين وآرنولد توينبي نزعة انتقال النشاط الإبداعي الحضاري من الغرب إلى الشرق (2).

وهذا لا يعني فقط تحولاً عميقاً في الحضارات المحلية، والحضارة العالمية والشاملة، أي نوع من الثورة الحضارية العظيمة، بل وأيضاً التأسيس المبتكر للنمط الجيني للحضارة، ومكوناته الستة جميعها (الاجتماعي الديموغرافي، الطبيعي البيئي، التقني، الاقتصادي، الدولي السياسي، والاجتماعي الثقافي) والروابط فيما بينها. في فترة التحولات التكتونية الحضارية آخر ما يظهر هو المكون الاجتماعي الثقافي (العِلم، التعليم، الثقافة، الأخلاق، الدين)، فيرتفع الدين ويتزايد دورها ومسؤوليتها عن محتوى ونتائج التحولات الحضارية.

لنتفحص هذه المطالب الجديدة للعصر بالنسبة لكل مكون من النمط الجيني للحضارة في مرحلة تأسيس الحضارة العالمية الشاملة.

الدين والعمليات الديموغرافية الاجتماعية

في الربع الأخير من القرن العشرين دخلت البشرية في أزمة عالمية ديموغرافية طويلة. حيث وجدت انعكاساً لها في انخفاض معدل الولادات وشيخوخة السكان في أغلبية الحضارات، وتزايد عدد الدول، التي غطتها هجرة السكان، ونزعة إلى انخفاض تعداد السكان.

في منتصف القرن الواحد والعشرين ستصاب الحضارات اليابانية والصينية والأوراسية والأوروبية الشرقية والأوروبية الغربية بهجرة السكان، ومع نهاية القرن وبقاء النزعة الراهنة سيصل متوسط العمر البشري فوق كوكبنا إلى 64 عاماً مع الانخفاض الحاد في نسبة السكان في سن العمل، وخاصة في عمر النشاط والإبداع، سيكون كوكبنا كوكب العجائز، وتقل قدرته على مواجهة تحديات الزمن ومحتوم عليه في الأفق البعيد الفناء.

إن السبب الجوهري لهجرة السكان هو تدهور مؤسسة الزواج والأسرة، وانتشار الثورة الجنسية، وخاصة في الحضارات ذات النظام الاجتماعي والثقافي الحسي. فالعلاقات الجنسية الحرة وبدون الاهتمام بالإنجاب، وانتشار الزيجات المثلية والأسر المنجبة لطفل واحد فقط، وتزايد الأطفال اليتامى بوجود أهلهم الأحياء، كل ذلك يقود إلى إضعاف مؤسسة الأسرة كخلية أولى في المجتمع، وكجزيء الحضارة وأساس تكاثر الجنس البشري، نوع Homo sapiens.

إن هذا الوضع يُقلِق الأديان المسيحية، ولكنها عاجزة عن التصدي لهذه النزعة التي تفسد المجتمع. وما زالت هذه النزعة أضعف ظهوراً في حضارات الشرق.

إن الدين هو الحامي الرئيسي للاستقرار الأسري. ويتوجب على جميع الأديان أن تفهم التهديد المتزايد لهجرة السكان وانهيار مؤسستي الأسرة والزواج، وعليهم توحيد جهودهم لدعم هاتين المؤسستين وتحسين المؤشرات السكانية في جميع الحضارات.

وتكتسب مشكلة العلاقات بين الأجيال صدىً جديداً في ظروف النمو السريع لحصة الجيل الهرم. مما يتطلب حصة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي لإعالته. بمقدور الأديان أن تلعب دوراً فاعلاً في حل هذه المشكلة، وخلق احتمال الشيخوخة الفاعلة في إطار الحضارة المتكاملة.

إن نقص العمالة في بعض البلدان والحضارات مع فائضها في بلدان أخرى والاختلاف الحاد في مستوى المعيشة وجودتها، تكون سبباً في تصاعد موجة المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، وتوسع دائرة الحضارات المختلطة تزايد حدة التناقضات بين الحضارات وبين القارات في البلدان المتلقية لموجات المهاجرين.

بمقدور الأديان أن تلعب دوراً بارزاً في مشكلة تأقلم المهاجرين مع ظروف الحياة الجديدة وتليين التناقضات بين حملة القيم الحضارية المختلفة.

الدين والانتقال إلى المجال المعلوماتي

من بين القيم الحضارية، التي تدعمها أغلبية الأديان، وخاصة البوذية، توجد قيم مثل الاهتمام بالطبيعة، والعناية بالبيئة الطبيعية المحيطة بالإنسان. إلا أن انتقال الحضارات الغربية إلى الحضارة الصناعية قام لدرجة كبيرة على إخضاع الطبيعة، والاستغلال الوحشي للموارد الطبيعية. ومع نهاية القرن العشرين وجد ذلك انعكاساً في تفاقم الأزمة العالمية الطاقية البيئية، وصار أحد أسباب التغيرات المناخية المدمِّرة. قام العالِمان (ف.إ.فيرنادسكي، ون.ن.موئسييف وغيرهما) بتطوير عِلم حول حركة المجتمع باتجاه المجال المعلوماتي، والاتحاد المنسجم بين المجتمع والطبيعة، فصاغا مطالب الإمبراطورية البيئية. وبمقدور الأديان أن تلعب دوراً هاماً في صياغة ونشر أخلاقيات المجال المعلوماتي، بحيث تنمي عند المتدينين ثقافة العناية بالطبيعة، والدعم الإيديولوجي والأخلاقي لتحقيق المسائل التي وضعها قادة العالم في خفض السموم المنبعثة إلى الغلاف الجوي بنسبة 80% حتى عام 2050م. ويبدو أنه تجب إضافة وصية جديدة إلى وصايا موسى العشرة، وهي حيوية بالنسبة للجيل الحالي والقادم: «حافظ على الطبيعة، لا تسبب الضرر للبيئة المحيطة».

الثورة التقنية والأديان

فقط على أساس الثورة التقنية في القرن الواحد والعشرين يمكن التغلب على القيود السكانية والطاقية والبيئية، وتأمين الظروف الملائمة للنمو الاقتصادي المستقر، ويتم تأمين مستوى معيشي لائق وجيد، بجهود جميع الدول والحضارات.

يمكن للأديان أن تعيق مثل هذه الثورة، وهو أمر غير مجدٍ، ويمكن أن تشجعها، حيث تقوي التوجه الإنساني في المجال المعلوماتي.

يتوجب على الزعماء الدينيين أن يشجعوا النشاطات الابتكارية والإبداعية عند جيل الشباب،والدعم الفعال للابتكارات العصرية والابتكارات الأساسية، التي تؤمن الادخار الملموس للقوى العاملة والموارد الطبيعية، وتحسين تغذية وصحة السكان، والتغلب على الأمراض الخطيرة. ومن المهم بشكل خاص تجاوز الهوة الهائلة في مستوى التطور التقني للحضارات، وتحديث المجالات الاقتصادية والاجتماعية للبلدان المتخلفة  والحضارات المتأخرة، وخاصة الإفريقية والإسلامية.

الأديان في بناء نظام اقتصادي متكامل

إن الأزمة المالية والاقتصادية العالمية ما بين عامي 2008 ـ 2009م، أكدت لنا مرة أخرى، على أن النظام الاقتصادي والسوقي السائد اليوم بمنافسته التي لا ترحم (Homo homini lupus est ـ الإنسان للإنسان ذئب)، والسعي المجنون وراء الربح، والاستغلال الوحشي لموارد الكوكب في ظروف العولمة لخدمة مصالح الشركات المتعددة الجنسيات وبلدان «المليار الذهبي»، هذا النظام لم يعد صالحاً ويجب تغييره في القرن الواحد والعشرين بنظام اقتصادي متكامل (3)، وقائم على أسس، أكثر قرباً من عقائد الأديان العالمية الرئيسية، وخاصة الإسلامية.

من وجهة النظر هذه يفيدنا النموذج الاقتصادي، الذي يرفض الربا، ويطالب بتحقيق مبدأ العدالة في العلاقات الاقتصادية.

بمقدور الأديان العالمية أن تساعد على حدوث هذا التحول العظيم، وإدانة «اقتصاد الفقاعة» والمشاريع الهرمية، داعمة إقامة مبادئ العدالة سواء في العلاقات الاقتصادية الوطنية أو الدولية، ومنع التمايز المفرط في دخل البلدان والطبقات الاجتماعية. وبمقدور الأديان أن تلعب دوراً كبيراً بشكل خاص في تشكيل و استخدام آلية شراكة الحضارات للتغلب على الفقر والجوع في البلدان المتخلفة للحضارات الإفريقية والإسلامية، ودعم عمل الأمم المتحدة، ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمات دولية أخرى.

الأديان في مواجهة الحروب والعنف في السياسة الجغرافية

إن الوصية الأكثر أهمية في جميع الأديان العالمية هي وصية «لا تقتل». ولكنها لا تطبق إلا على أفراد العشيرة وعلى الشركاء. فأديان كثيرة تؤيد قتل المشركين وأتباع الديانات الأخرى، والغرباء والأجانب، ونشر العداوة، والعنف. لكن الحضارة المتكاملة لا تنسجم مع الحروب والعنف والكراهية. لقد شاركت الأديان بفعالية في الحركات المؤيدة للسلام، وفي الحد من إنتاج وخفض أسلحة الدمار الشامل. والآن سيتوجب عليهم تفعيل نشاطهم في هذا الاتجاه، وإدانة الحرب والقتل في جميع مظاهره، مشجعين على التسامح. ومن المهم بشكل خاص زيادة دور الدين في محاربة الإرهاب الدولي، في شكله غير الطبيعي، مثل الانتحاريين، حيث يقوم الشباب الانتحاريون بقتل أنفسهم بقصد قتل العشرات من الناس الأبرياء، ليذهبوا مباشرة إلى الجنة ـ بعد أن يُخِلُّوا بالوصية الأولى. يتوجب على جميع أديان العالم أن ترفع صوتها ضد هذه الظاهرة القبيحة، معتبرة الإرهاب وخاصة الإرهاب الانتحاري أعظم الآثام، والذي يفتح الطريق مباشرة إلى الجحيم.

يجب على الأديان أن تدعم نزعة تشكل نظام عالمي متعدد الأقطاب، قائم على الشراكة بين الحضارات، أحد أسس الحضارة العالمية المتكاملة، ودعم حركة نزع السلاح من الاقتصاد والمجتمع، الذي ينتزع الموارد من الأطفال والفقراء، ويرمي هذه الموارد إلى الحشد الذي لا يشبع (حشد مولوخ المطالب بالضحية) حشد النزعة العسكرية والحرب.

 

3 ـ دور الأديان في تشكيل النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل

يعد دور الدين في تشكيل النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل هاماً وذا مسؤولية بشكل خاص، كأساس للحضارة العالمية ما بعد الصناعية. لنتناول هذه المسألة بتفصيل أكبر.

الدين والعِلم: خصمان أو شريكان؟

انتشر في القرن العشرين الرأي القائل بأن العِلم والدين عدوان لدودان، يوجهان قواهما ضد بعضهما بعضاً في مسارات الحضارات. ولكن تاريخ الحضارة يمتلئ بأمثلة متناقضة. فكثير من رجال الدين حققوا ثورات علمية (مثل نيكولا كوبرنيكوس)، وعدد كبير من العلماء العظام كانوا متدينين بصدق (أمثلة من القرن العشرين ـ إيفان بافلوف، بيتيريم سوروكين).

إن العِلم والدين ـ مختلفان، ولكنهما يكملان بعضهما بعضاً بأشكال المعرفة. فإذا كان العِلم بحاجة إلى نظام التفكير المنطقي وإثبات مواقفه بالتجارب والخبرة، فإن الدين يُبنى قبل كل شيء على عقائده ومسلماته التي لا جدال فيها، ويطالب بالإيمان بها قبل كل شيء. ولكن في الكثير من مبادئه ومواقفه يكمل العِلم والدين بعضهما بعضاً، وخاصة في الوعي الجمعي، البعيد عن التفاصيل الدقيقة للمعرفة العلمية والعقائد الدينية. ولديهما واجب مشترك ـ الحياة الروحية، ووعي الإنسان والبشرية، والهموم المشتركة حول تطور البشرية. يحتل العلم والدين المكانة الخاصة لهما في النظام الاجتماعي والثقافي للحضارات، وإذا ركزا جهودهما في الصراع مع بعضهما بعضاً ، فإنهما يُضعِفان بعضهما بعضاً وبالتالي يضعفان الحضارة ككل.

إن خصوصية الدين في أنه يعبر عن ميزات محددة لمجموعة عِرقية معينة، أو شعب، أو حضارة، وهو في قلب التنوع الثقافي والحضاري، الذي لا يقل أهمية، عن عمومية المعرفة التي يعبر عنها العِلم ومصالح البشرية جمعاء، والحضارة الشاملة.

ولذلك فإن المهمة الأكثر أهمية للعِلم والدين (مع المثقفين) ـ هي توحيد الجهود لإنتاج أسس مشتركة وإستراتيجيات لسرعة التطور الاجتماعية الثقافية وشراكة الحضارات.

الدين والتعليم

لوحظ في العقود الأخيرة عملية نشطة لعودة الدين إلى التعليم ضمن اتجاهين: لتعريف الجيل الصاعد خلال سير العملية التربوية العامة على أصول الدين ودوره في المجتمع، ولإعداد الكوادر من رجال الدين. لكن من المهم، ألا تقود هذه النزعة إلى زيادة العزلة والعداء بين الأديان والحضارات، وتعزيز حركة طالبان والوهابيين، وألا تصبح مصدراً للأزمات والحروب بين الحضارات.

إن تدريس الدين في المدارس الثانوية والكليات لا يجب أن يؤدي إلى فرض قيم دين محدد في مواجهة بقية الأديان، على جيل الشباب.

هذا النوع من الكتب الدراسية يجب أن يُعِدُّهُ العلماء حصراً، المتخصصون في هذا المجال من الحياة الروحية. وفيما يتعلق بإعداد رجال الدين، فهنا من الطبيعي أن يكون الدور الأول للعلماء من رجال الدين في الدين المحدد، ويجب على الطلبة أن يحصلوا على تصورات موثوقة، وغير مشوهة حول طبيعة وخصائص عقائد الأديان الأخرى والتشبع بروح التسامح الديني والحوار وفهم الرسالة.

وإذا كان الاتجاه الأول للتعليم موجوداً في يد الدولة، المنفصلة عن الكنيسة (الأمر الذي تزداد أهميته في ظروف الحضارة متعددة الأديان، كحضارات أوراسية، وأوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، والصينية، واليابانية، والهندية)، والاتجاه الثاني ـ في يد الكنيسة، المنفصلة عن الدولة.

 

الدين والثقافة

إن هذين الجانبين مرتبطان ارتباطاً وثيقاً ومتشابكان، لأنهما مبنيان على الإدراك الصوري للواقع (نشاط النصف الدماغي الأيمن) ويعبر عن تنوع الحضارات والثقافات والرسالات. وكل دين يضم عناصر الثقافة في طقوس العبادة، والأعياد الدينية. إن ازدهار الثقافة اليونانية والرومانية القديمة، وعصر النهضة قام في كثير من النواحي على الصور والطقوس الدينية والأسطورية.

في مرحلة غلبة النظام الاجتماعي الثقافي الحسي تضعف العلاقة المتبادلة بين الثقافة والدين، وخاصة في القرن العشرين. وهذا أصبح أحد عوامل الأزمة الثقافية، التي اكتشف جذورها بيتيريم سوروكين. لقد تم إضعاف التنوع الثقافي، وبدأت حرب المكافحة الشاملة للثقافة، التي ركزت على عدم الانسجام في الطبيعة والمجتمع، وسلب الشخصية والإحباط. أثناء انتقال الإرث الثقافي من جيل إلى آخر كان يضيع القسم الأكبر منه، وتم استبدال حوار الثقافات القومية، الذي كان يُغني الثقافتين المتحاورتين، بإملاء نقيض الثقافة العالمية والمعادي للإنسانية والتجاري.

إن هذه النزعات الخطيرة توَلِّد رد فعل من جانب المثقفين والمتدينين، والذي تدعمه اليونسكو، ورعايتها للإرث الثقافي العالمي. وتم دعم رد الفعل هذا من قِبل القسم الأكبر من الجيل الشاب. في فترة تكون الحضارة العالمية المتكاملة يجب توقع انبعاث ثقافة عالية مع الحفاظ على التنوع الثقافي والإثراء المتبادل. هذا ما يدعو إليه إعلان اليونسكو العام المُعتَمَد في عام 2004م حول التنوع الثقافي.

في هذه الحركة من المهم تفعيل تعاليم الدين التي تدعم التنوع الثقافي والحوار بين الثقافات. في هذا الاتجاه تم فعل الكثير من قِبل ممثلي مختلف الرسالات، ولكن ما زال علينا فعل الكثير.

دور الأديان في جعل الأخلاق ذات طابع إنساني

تلعب الأديان دوراً متناقضاً خلال عملية إحياء الأخلاق الإنسانية في الحقل المعلوماتي العالمي، الجوهر الملائم للنظام الاجتماعي والثقافي المتكامل.

من جهة، همهم الأكبر ووصيتهم الرئيسية، المشتركة بين جميع الأديان العالمية، ـ محبة القريب، الانسجام مع الطبيعة، العدالة. ويجدر تذكر، أن الأديان العالمية الرئيسية ـ البوذية، والمسيحية، والإسلام ـ ظهروا كحركة جماعية في عصر المجتمع القديم وبدايات العصور الوسطى، وهي تعبر عن المطالب الرئيسية للأخلاقيات الشعبية، التي تكونت عبر آلاف السنين وساعدت على توحيد الأسر، والمجتمعات، والشعوب. وفي الظروف المعاصرة يدعو قادة الرسالات العالمية إلى إحياء الطابع الإنساني، والمحافظة على استقرار الأسرة، ومحبة القريب، ومواجهة الظلم والشر. لهذا السبب بالتحديد  تمتلك الأديان دعماً شعبياً وتُعَدُّ إحدى القوى المحركة للطابع الإنساني  للعصر، وتكوين النظام الاجتماعي والثقافي المتكامل، والذي أحد أهم مسلماته ـ الإيثار ومحبة الغير، التي سمى تعاليمها بيتيريم سوروكين.

من جهة أخرى، فإن المعارضة بين الأديان، والتي تحولت في كثير من الحالات إلى مجابهة، وتعصب ومعاداة لأبناء الديانات الأخرى، ودعم مجموعة من المعايير غير الإنسانية، التي تحد من حقوق ممثلي الرسالات الأخرى، تحمل طابعاً لا إنسانياً وتعيق انتشار الطابع الإنساني.ولا ينحصر العداء على حملة الأديان الأخرى، بل يمتد إلى مختلف التيارات داخل الدين الواحد ـ مثل، العداء بين الشيعة والسنة والوهابيين في داخل الإسلام (أمثلة الصراعات الدامية في إيران)، وبين الكاثوليك والبروتستانت داخل المسيحية (أمثلة الصدامات الدامية في أيرلندا الشمالية).

والمظهر القبيح للتطرف الأقصى لهذا العداء صار دعم المتطرفين الدينيين الاستشهاديين ـ عندما ينتحر الرجال والنساء الراشدون عن وعي في سبيل قتل العشرات من الأبرياء من الأديان الأخرى، كما وتظهر مختلف الطوائف المتعصبة، من قبيل (أوم سيتريكي)، التي نظمت قتل العشرات من أبناء عشيرتهم في مترو الأنفاق في طوكيو.

إن المهمة الأكثر أهمية،والمسؤولية العالمية لقادة جميع الأديان العالمية والأديان غير التقليدية ـ هي توحيد جهودهم لتشكيل قانون موحد للأخلاق (حتى وإن كان في مراسم مختلفة)، موجهاً نحو المساهمة في نشر الأخلاق الإنسانية في المحيط المعلوماتي على سطح كوكبنا وسط جميع الحضارات. يمكن لهذه المهمة أن تصبح مادة للمناقشات في مؤتمر قممي عالمي لممثلي جميع الأديان والتعاليم الدينية المعترف بها رسمياً، والذي سيُدعى إليه بمبادرة من اليونسكو وبرعايتها. ويمكن إعداد مشروع هذا القانون من قِبل فريق تعاوني، يوحد رجال الدين، والعلماء ورجالات الثقافة من جميع الحضارات وبمشاركة الحائزين على جائزة نوبل للسلام.

من المواجهة والعداء إلى الحوار والشراكة بين الأديان

يمكن للتنمية والاستحسان والنشر، وبدعم من جميع الرسالات، للمدونة العالمية للأخلاقيات أن تصبح بداية لنقطة تحول تاريخية من المواجهة والصراع بين التيارات الدينية إلى الحوار المثمر، والتعاون والشراكة كرد على تحديات القرن الواحد والعشرين لمصلحة جميع شعوب الأرض، بغض النظر عن معتقداتهم.

الشرط الرئيسي لشراكة من هذا النوع، إلى جانب العناية بنشر ودعم الأخلاقيات الإنسانية في المحيط المعلوماتي، هو الكفاح النشط ضد الإدمان على الكحول، والإدمان على المخدرات، والفجور، والإباحية، والتعطش النهم للربح، والعسكرة، المسببة جميعها تآكل المجتمع المعاصر، وخاصة الجيل الشاب.وسيسمح ذلك بتحويل الأديان إلى عامل هام لبناء وانتشار الأخلاقيات الإنسانية في المحيط المعلوماتي بين جميع الشعوب والحضارات، وأسس النظام الاجتماعي الثقافي المتكامل، الذي كُتِبَ على رايته، وفقاً لبيتيريم سوروكين «وحدة الحقيقة والخير والجمال». وهذا سيصبح اتجاهاً هاماً في الحوار بين حضارات الجمعية العامة للأمم المتحدة بدءاً من 11 تشرين الثاني 2004م، وهو «إزالة التهديدات من أمام القيم الموحدة، التهديدات الموجهة ضد الإنسان وضد منجزات المجتمع البشري في مختلف المجالات، وزيادة فهم المعايير الأخلاقية العامة والقيم الإنسانية العالمية».

منسق الجهود العالمية في هذا الاتجاه يجب أن يصبح، وفق قناعتي، منظمة الأمم المتحدة في العِلم، والتعليم والثقافة ـ اليونسكو. ويجب توسيع صلاحياتها ومجال مسؤولياتها، ليشمل مجال الأخلاقيات وتطوير الحوار بين الرسالات. وربما، من المفيد أن يتم تحت رعاية اليونسكو إنشاء المجلس العالمي لممثلي جميع الأديان، وعقد مؤتمراتهم بصورة دورية لتوحيد جهودهم في الصراع ضد تحديات القرن الجديد، وصياغة وثائق مشتركة، تساهم في تطوير التعاون والشراكة في دعم وتقوية مؤسسات الزواج والأسرة، وتشكيل ونشر أسس النظام الاجتماعي الثقافي المتكامل فوق سطح كوكبنا، ومعايير الأخلاقيات الإنسانية في المجال المعلوماتي. فهذا سيصبح ابتكاراً عصرياً في المجال الروحي للبشرية. وهذا هو واجب الأجيال التي تعيش في يومنا هذا أمام الأجيال الماضية والأجيال القادمة من أبناء الأرض.

الحواشي:

1 ي.ف.ياكوفيتس، ب.ن.كوزيك. الرد على تحديات القرن الواحد والعشرين: تشكل الحضارة المتكاملة. موسكو: معهد الإستراتيجيات الاقتصادية، 2009م.

2 بيتيريم سوروكين. النزعات الرئيسية في زمننا. موسكو: مجلة (ناووكا ـ العِلم) 1997م.

3 ب.ن.كوزيك، ي.ف.ياكوفيتس. تشكل النظام الاقتصادي المتكامل ـ التحول الشامل في القرن الواحد والعشرين. موسكو: معهد الإستراتيجيات الاقتصادية، 2008م