الرئيسية » حضاريات » ضرورة المعرفة تقتضي ضرورة التغيير، من أجل بناء نظام سياسي متوافق مع العقل – عزيز الحدادي / الجزء الثالث
jml_lshrq.jpg

ضرورة المعرفة تقتضي ضرورة التغيير، من أجل بناء نظام سياسي متوافق مع العقل – عزيز الحدادي / الجزء الثالث

فوحدة الفكر والعقل لا تتحقق بدون ظهور الحرية، التي لا زالت تختفي وراء قناع الثيولوجية، هكذا ستظل المعرفة في عزلة، والإنسان في شقاء، مما سيعجل بانهيار هذه الأمة ثقافياً وفكرياً، وانبعاثها في التراث الميت، من أجل أن تنتج أرواحاً ميتة.

الواقع أن ضرورة المعرفة تقتضي ضرورة التغيير، من أجل بناء نظام سياسي متوافق مع العقل، ما سيعجل بإدماج الفلاسفة والعلماء في مجتمع المعرفة، ومن خلال ذلك سيتم تشييد النهضة العقلانية في المغرب الحديث، ومعنى ذلك أنه ينبغي الفصل بين الرؤية التراثية المتشددة، والرؤية الحداثية التي تدمج التراث في المجتمع، لكي يصبح مدافعاً عن عصره التنوير باعتباره شعاراً لمرحلة النهضة، وبعبارة أخرى، يجب على التراث أن يلقي نفسه في أسئلة التقدم للخروج من التقهقر والانحطاط، لأنه إذا كان لكل أمة تراث، فإن هذا التراث لا يمكن أن يكون عائقا معرفياً أمام تقدم هذه الأمة. والشاهد على ذلك أن الأمة الألمانية تعتز بتراثها، ولكنها تنطلق من لحظة اعتناق التراث للتنوير مع الفيلسوف كانط، إنه المنطلق للحداثة والعقلانية النقدية. لابد من تحقيق تلك اللحظة التي يصبح فيها العقل هو المهيمن، بعد تحريره من كل وصاية، ويتساءل عن حاضره، وهل هذا الحاضر يتماشى مع سيادة التنوير، والوعي التاريخي بأهمية العلم في التقدم، لأنه من خلال تاريخ العلم دخلت الفلسفة إلى العالم الحديث، لأن ما حدث منذ الرياضيات اليونانية إلى غاية الفيزياء الحديثة، هو تحرير الإنسان من العبودية، وجعله مركز الكون، والفلسفة كانت في قلب ثورة الحرية، بل إنها الحرية الفكرية، ذات الوظيفة الفلسفية، إذ لا حرية بدون فكر، ولا فكر بدون فلسفة والجمع بينهم يؤدي إلى بناء النهضة العقلانية.

لكم تمنيت أن أعيش هذه النهضة ولو ليوم واحد، وأن أتمتع ببهجتها كما في يوم عيد، بيد أن الزمن ينفلت ومن المستحيل أن نسرع الخطى مثله، لأن السلاسل تقيدنا، على الرغم من أننا نقاتل ونقاتل بهذه الإرادة الحرية التي تواجه بسلاح الدمار الشامل، الذي تمتلكه القوى الظلامية، حين يختفي وراء الثيولوجية، وتتسلل إلى أرواح الجمهور من أجل أن تستثمره في الانتخابات للوصول إلى السلطة. ومن العبث أن يظل المغرب يكتب تاريخه انطلاقاً من التيار الأشعري، ويغمض عيناه عن التيار الرشدي، لأنه يخشى الحرية العقلانية النقدية، ولذلك حكم علينا بالسجن الأبدي، لكن ألم يحن الوقت للخروج من هذا السجن الثيولوجي، لكي نتمتع بشروق شمس جديد ورائع يشع بأنوار العقلانية؟ ألم يكن ابن باجة وابن رشد والحبابي وجمال الدين العلوي والجابري يحلمون بهذا اليوم؟ ألم يكن أصلهم مشتركاً في رؤية النهضة العقلانية في المغرب؟

ينبغي التمييز بين تاريخ الثيولوجيا، وتاريخ الفلسفة العقلانية، لأنه إذا كانت الثيولوجيا في ضيعتها الأشعرية تسعى إلى تحصين العقيدة والدفاع عنها بواسطة الانتشار في المجتمع وإرغامه على العبادة والجهل، فإن العقلانية تريد تغيير وجهة المجتمع من الجهل إلى العلم ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن التطرف من الهوية إلى التعدد والاختلاف الثقافي، ولذلك تبحث عن تلك العلاقة بين المعرفة والحقيقة، ذلك أن جينيالوجيا المعارف تدرس علاقة المعرفة بالسلطة، ما يسمح بانبثاق إشكالية عصر التنوير، إذ يتعلق الأمر برؤية : «تقدم التنوير كصراع للمعرفة ضد الجهل، والعقل ضد أوهامه».

 

كاتب مغربي