الرئيسية » حضاريات » د. محمد نورالدين أفاية: نحن في أمسّ الحاجة إلى بناء أدوات معرفية مختلفة– احمد فرحات / الجزء الثالث
dwt_mrfy_mkhtlf.png

د. محمد نورالدين أفاية: نحن في أمسّ الحاجة إلى بناء أدوات معرفية مختلفة– احمد فرحات / الجزء الثالث

بالشكل المطلوب، سنكون بعيدين عن الاقتراب من فهم ما يجري أمامنا، وغالبا على الرغم منّا. أول معاينة مرتبطة بالتحولات التي عرفتها، وما تزال تعرفها، العلاقات الدولية بعد نهاية الحرب الباردة. نشهد حروباً جديدة غير متكافئة، خصوصاً بعد الحادي عشر من سبتمبر 2001، وكانت الولايات المتحدة الأميركية أهم من فجّرها، وما تزال تصنعها من خلال مختلف “الأحلاف التي تشكلها لمحاربة “عدو” غالباً ما تعمل، أو تشارك، هي، في إنتاجه. تتمثل المعاينة الثانية في حركات العولمة الاقتصادية والتواصلية، على الرغم من التعثرات التي تشهدها بين الفينة والأخرى (الأزمة المالية في خريف 2008 وتداعياتها المستمرة إلى الآن). كل شيء يتعولم، لدرجة أن الدول لم تعد، وحدها، قادرة على احتكار “العنف الشرعي”.

أما المعاينة الثالثة، فتتجلى في بروز أوجه جديدة للضحية، الفردية والجماعية. وكأن الكل أصبح يتقدم إلى المجال العام في هيئة ضحية يفترض الاعتراف بما تعرضت له من اعتداء، أو ظلم، أو استبعاد.. الخ. صور الضحية اليوم، باسم هوية خاصة أو اختلاف خصوصي، أو تنوّع، لا يشبهه أحد، تستدعي تفكيراً جديداً في ظاهرة العنف، أو بالأحرى في الآليات الجديدة التي بدأ العنف يعبّر بها عن مضمونه الثقافي، والتالي التفكير في جدل الهوية، والدين، والسياسة والعلاقات الاجتماعية. ترتبط المعاينة الرابعة بالدور الاستراتيجي لوسائط الاتصال، وللموقع الاجتياحي للتلفزيون؛ إذ من وسيلة اتصال أصبح، شيئاً فشيئاً، سلاحاً حربياً يساعد على التموقع والتأثير، ويهدّد استقرار البلدان كما يلاحظ في الحالة العربية، وتحول إلى أداة غذّت التجليات الجديدة للسلطة تعبر عن ذاتها بواسطة الصور والأصوات. الأمر نفسه ينطبق، بطرق مغايرة، على الإنترنت.

أما المعاينة الخامسة، فتتمثل في تداعيات الاهتزازات، ومختلف أشكال الحروب الأهلية التي تمخضت عن الانتفاضات والحركات الاحتجاجية العربية ضد الاستبداد وسياسات إذلال الكائن، وما تلى ذلك من فواجع وحرائق تستفزّ وجودنا يومياً.

تفرض هذه المعاينات والمعطيات كافة ذاتها على التفكير في كل مرة، لدرجة يجد المرء نفسه إزاءها أمام ضرورة استدعاء أنموذج مفهومي مغاير لتقديم فهم مناسب للظواهر التراجيدية الجارية على الأرض العربية التي لا يمكن مقاربتها أو ادعاء استيعابها، استناداً إلى مقولات بدايات القرن الماضي.

أفاية: نحن في أمسّ الحاجة إلى بناء أدوات معرفية مختلفة

الجديد: كيف تفسّر، وإجمالاً، انعدام التجانس بين النخب العربية، المفترض أن تنهض بدورها في هذه الظروف الحرجة والمصيرية التي تمر بها مجتمعاتنا العربية؟

أفاية: تجدر الإشارة إلى أن الاستبداد السياسي، في تحالفه الموضوعي، أو غير المعلن، مع الدوغمائيات المذهبية الدينية، سَحق وحاصر النخب الفكرية والإبداعية. لا يتمثل المشكل في “انعدام التجانس″ بين النخب فقط، وإنما أيضاً في السياقات التي تتحرك داخلها هذه النخب. إن سطوة الاستبداد والتديّن السطحي، حشرا المثقفين في زوايا ضيقة جداً، فضلاً عن التبدّلات التي تحصل على نوعية اللغة، وأنماط التواصل، والخطاب، وطبيعة المتلقين، وهي عوامل لها تأثيرها على الثقافة والسياسة. ما دامت السلط العربية تخاف من الفكر، ومن الحرية، وتتحكّم في قنوات وفضاءات التواصل، فكيف يمكن للمثقف أن يقوم بأدواره التثقيفية والتنويرية؟ هذا مع العلم بأنني أعتبر أن نسبة لا بأس بها من المثقفين العرب، قاموا بما يمكن أن يقوموا به من مهام في الكتابة والإبداع. إنني لا أرى فائدة كبرى في جلد المثقف ومطالبته بوظائف لا يقدر عليها في زمن للعنف فيه الكلمة الأولى، وللتكفير مصدر تهديد دائم.

ومن المؤكد، مهما كانت قساوة ظروف التفكير والكتابة، على أن المفكر، أو المبدع مطالب بإنجاز ما يقدر عليه من تفكير وكتابة، وأن يعبّئ كل ما في وسعه لتقديم فهم مناسب لما يجري أمامنا من عبث عصيّ عن الوصف والتسمية، وأن يسهم في إخراج الفكر والناس من الحيرة التي وضعنا فيها الجميع، أنظمة، وجماعات قاتلة، ودول جوار، وقوى عظمى.

 – الجديد: في بلادنا التي يتسلّط فيها الفوات الغيبي على الوعي الاجتماعي، باتت الرعية تتقبّل موتها الوجودي وتجعله أسلوباً في الحياة، وأصبح، حتى الفرد المختلف والمتمرد، نفساً هلامية ذائبة في كيان هلامي كلي.. ما تعليقك؟

أفاية: لا شك، كما يوحي بذلك سؤالك، في أننا كنا ننتظر “تحديثاً” للعقل العربي، وإذ بالتفكير السحري يستولي على عقول العامة، وحتى على النخب والخطباء وعلى الفاعلين الأيديولوجيين الجدد في العالم العربي. إننا نعيش، حقاً، فترة مرعبة، حيث أصبح فيها الموت أمراً معتاداً، وتحوّل القتل إلى صور تستهلك، كما تستهلك الموجودات التي لا حياة فيها؛ بل إننا نشهد على أفكار قاتلة تغتال العقل والوجدان والخيال. لا يتعلق الأمر بجماعات قاتلة، أو إرهابية، وإنما بانتشار أفكار تجعل من القتل شيئاً عادياً. إننا بإزاء تمثلات تقسم الجماعات البشرية انطلاقا من “هوية” متوهّمة تحفّز على المواجهة، واللامبالاة، والاحتقار، والقتل. من هنا ضرورة استنطاق هذا الـ”النحن” العربي، وكشف ما هو صحي وما هو مرضي وتدميري فيه، لأن التأكيد المتوهم على هوية ثابتة، يعني ترك الآخرين في “خارج” غير محدد المعالم. إننا نشهد على ما يسميه “مارك كريبون”، وهو أحد الفلاسفة الفرنسيين الشباب، بـ”الموافقة القاتلة”؛ إذ بحكم الاستخفاف الذي بلغته البشرية والعرب بالكائن، وباللحم العربي، في العراق وفي سوريا، ولّد، لاشعورياً، نوعاً من الرضى أو التواطؤ أو المشاركة الجماعية في ما يجري، إما باسم “المقاومة والممانعة”، أو مواجهة “التغلغل الإيراني”، أو “الذود عن الإسلام”، أو “محاربة الإرهاب”.. إلخ.

 

السلطة السياسية لا تنظر إلى الفلسفة بعين الرضى

 – الجديد: يرى البعض أن اضطرابنا في معرفة الآخر يعكس اضطرابنا في معرفة الذات، فلا يمكن أن نعرف الآخر معرفة حقة إذا لم نعرف ذاتنا حق المعرفة..

أفاية: لقد تحالف الجميع على منع التفكير الجدّي في ذواتنا، وفي تاريخنا، وفي حاضرنا، وفي جسدنا، وفي حياتنا وفي موتنا. لقد عمل الاستبداد، العسكري والتيوقراطي، على اجتياح مساحات الإحساس والوعي، وتدخلت الدوغمائية المذهبية للتشويش على الأفكار والناس، ونجحت الصهيونية في تدمير كل مصادر القوة التي يمتلكها، أو كان من الممكن أن يمتلكها العرب، بوصفها عامل تهديد لوجود الدولة التي أقامتها، وتواطأت الدول الكبرى مع كل هذه القوى، بشكل مكشوف ومتغطرس، لأنها تفهم أن هذا التحالف الموضوعي، على الرغم من التنافر الظاهر على مكوناته، هو أفضل سيناريو لمنع أيّ نهضة عربية تهدّد التوازنات المطلوبة.

إن سؤال معرفة الذات واضطرابها، أو نقص المعرفة بالآخر وانعكاسها على الذات، سؤال طرح منذ أكثر من خمسة عقود. وقد عمل عبدالله العروي على صوغه، بوضوح شديد، في “الأيديولوجية العربية المعاصرة” (1967). ولقد سبق لي أن اعتبرت أن سؤال الهوية -أي تناول سؤال صعب المعالجة- وكأنه عمل بلاغي بامتياز. ذلك أن استدعاء ثنائيات من قبيل أنا/آخر، شرق/غرب، ماضي/حاضر، أصالة/حداثة، هوية/استلاب، يتمّ في معظم الخطابات العربية الإسلامية، وكأن العالم العربي لم يشهد الاختراق الاستعماري، ولا صدمة التقنية، ولم يطّلع على كتب أجنبية أو ترجمات، بل وكأن الماضي لا يكفّ يحضر، وكأننا منخرطون في معارك لا حدود لها ولا نهاية. وهي معارك انتقلت، بفعل ما يجري أمامنا من انتفاضات، وحروب أهلية جليّة ومقنعة، إلى معارك حقيقية استنفرت كل وسائل الحرب المادية والرمزية، في حين أن المرء يمكن أن يجد ذاته، أو قسطاً من ذاته، إذا ما تساءل عن تفاصيل جسده، أو فكّر في نظامه الغذائي والقرابي، أو في نصوصه ومصنّفاته. هذا فضلاً عن أن مسألة الهوية لا تستبطن أو تعاش بالطريقة نفسها ومن طرف كل الناس. وبمقدار ما أن سؤال الهوية حيوي، بل ومستفز أحياناً، يصبح في بعض الخطابات وكأنه مشكل مُزَيف. هناك صيغ تطغى عليها النبرة المأسوية في الحديث عن هذا الموضوع، وكأن الأمر يتعلّق بنقص أو خصاص في الذات، بل وبفخ جهنمي تتعرض له من كل جانب. مع ذلك، وإذا تجاوزنا هذه الأنماط من الخطاب “المهووس″، فإنه من البديهي أن الحديث عن هوية مكتملة ومحددة بشكل كلي حديث، لا مبرر له في الزمن المعاصر، ولا سيما فيما أصبحنا نشهده من مظاهر ومطالب هويّاتية بفعل العولمة الجارفة، وبسبب الارتجاجات التي تعيشها مجتمعات عربية عدة.

 

 

احمد فرحات شاعر وكاتب من لبنان تنشر العرب الحوار بالاتفاق مع مجلة "الجديد"