الرئيسية » سياسة واقتصاد » بوبوف: لمقاومة الشعارات والسلوكيات المعادية لقيم الحياة
popov_horiz.jpg

بوبوف: لمقاومة الشعارات والسلوكيات المعادية لقيم الحياة

الكلمة الافتتاحية لمنسق مجموعة الرؤية الإستراتيجية "روسيا – العالم الإسلامي" فينيامين بوبوف، أمام المشاركين منتدى "الإعلاميون في الدول الإسلامية ضد التطرف" (موسكو، 8 كانون الأول/ ديسمبر 2015)

المتميزة بالمهنية وبوسع الإنتشار، والتي تحدد أهدافها بشكل مختار ودقيق.

خلاصة القول هي إنه في الكثير من البلدان، سواء المتقدمة منها أو تلك التي يطلق عليها بلدان العالم النامي، تعاني كلها من هذه الأزمة العالمية  الشاملة. والأكثر عرضة للمخاطر فيها هم  الشباب: فهم غير راضين عن أوضاع الحياة الصعبة، ويعيشون حال إغتراب عن المعايير الأخلاقية السائدة في المجتمع الغربي الحديث. هم يبحثون عن بدائل، وها هم يقعون أسرى حماة العقائد الجهادية التي تعدهم بوهم تحقيق السلام العادل والحياة الكريمة.

وفي الوقت نفسه، فإنه لأمر خطير للغاية تلك الأطروحة المهيمنة لدى الجماعات التي تتنطح لمكافحة  "الإرهاب الإسلامي" في العديد من وسائل الإعلام الغربية. والتي تحوي الكثير من الكليشيهات المغلوطة على الإسلام نصاً وسلوكاً.

الإسلام – واحد من أعظم الأديان في العالم، وهو يدعو إلى الأفكار الأخلاقية المتسامية وإلى احترام كرامة الإنسان، والعمل الفاضل وإلى نشر رسالة التسامح.

فالتكرار الدائم لظاهرة "الإرهاب الإسلامي" أدى إلى نمو ظاهرة الإسلاموفوبيا. وكانت نتيجته إيجاد الشروخ داخل صفوف المجتمع المدني، وترسيم الحدود بين البلدان، وصولا إلى المواجهة الحضارية.

هذه العملية الشديدة التعقيد متعددة المخاطر والتحديات. وهذا ما أكدته، للأسف، الأحداث الأخيرة التي تكتسب المزيد من العنف مهددة الإنسانية بعواقب وخيمة. وقد اكتسب هذا التهديد طابعاً عالمياً.

ونحن نعتقد أن العمل العسكري لا يكفي وحده، للتعامل مع هذه الظاهرة الجديدة الممثلة بسلوك المتطرفين، الذين أطلقوا على أأأنفسهم سمة بناة الدولة الإسلامية، مثل تنظيم القاعدة وغيرها من المنظمات. نحن بحاجة إلى نهج شامللمواجهة هذا التهديد، يقوم به كل من الفعاليات الدينية والشخصيات الإجتماعية ومجمل الجمهور العام والفنانين والكتاب والعلماء والمعلمين.

ما يميز الشباب في جميع الأوقات وفي جميع البلدان، السعي إلى تحقيق الخطط الحياتية الطموحة، والتوق إلى الابتكار، واتخاذ مواقف حاسمة بشأن موروث الماضي. كما أن سلوك المندفعين منهم يميل إلى المطالب المفرطة، المتناقضة، التي تجنح نحو الرومانسية حينا، والعدمية، والرفض القاطع للمعايير المعمول بها أحياناً أخرى. تنتابهم في لحظات هيجان الشباب نزوات غاضبة حارقة متفاوتة الشراسة والضراوة تلحق الخطر والضرر بفئات واسعة من السكان.

المعضلة الراهنة هي إصابة العديد من المجتمعات بأمراض المجتمعات المادية الاستهلاكية، الأمر الذي يؤدي إلى تراجع منظومة القيم العلمانية الأخلاقية التي أنجزتها البشرية.

وفي هذا السياق نشهد أن وسائل الإعلام تحلّ محل الأسرة، والبلدية، والمدرسة والمسجد وفريق العمل. ففي معظم الدول، بما في ذلك الإسلامية، أضحت وسائل الإعلام تشكل الأداة قوية لاستهداف أنشطة الشباب وتوجيههم إلى هذا المنحى أو ذاك.

 لدى العالم الإسلامي في هذا الصدد، بعض الميزات التي تجعل منه تربة للخطر أكثر من غيره . تشهد العديد من الدول الإسلامية، نسبة  ارتفاع بطالة ملحوظة بين الشباب. وفق منظمة العمل الدولية، فإن  نسبة العاطلين 28.2٪ في الشرق الأوسط و30.5٪ في شمال أفريقيا. وعلاوة على ذلك،  فإن بين الشباب في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ما يقرب 42٪ من الأشخاص الذين لم ينهوا مرحلة التعليم الابتدائي. ذلك بإضافة الى وجود نسبة عالية من غير المتعلمات.

إن عدم تمكن الشباب من تلبية آمالهم وتوقعاتهم لأسباب موضوعية دفعهم للبحث عن فرص عمل خارج القرية، أو المدينة،أو البلد. الأمر الذي أدى إلى تدفق المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين على حد سواء. كما أن الشعور بالوحدة والخوف وسوء استيعاب نمط الحياة في المدن الجديدة، وتحديدا في البلدان البعيدة الغريبة التي أمنت لهم موطئ قدم. كل ذلك يجعلهم، أحياناً، يرتمون في أحضان دعاة منظمات وجماعات إجرامية إسلامية متطرفة للغاية.

وهنا قد يكون التوق النفسي الدفين لدى أولئك الشباب للانضواء في جماعة شبيهة بالجماعة التي كان ينتمون إليها في بلدانهم الأصلية، هو المحفز لتوجههم إلى الدعاة والجماعات المنغلقة على نفسها. وهكذا، فإن عدم وجود فرص للكثير من الشباب ليجدوا مكاناً لهم في المجتمع، وحنينهم الحاضر الغائب لتقاليدهم و ثقافتهم الوطنية الأصلية، والذي يترافق كله مع معايشة تجربة الهجرة السلبية والمعقدة التي تحدث لهم مع الوقت مشاعر "الدونية"، لا بل الإذلال… كل ذلك يمهد الطريق لإدخال وجهات النظر المتطرفة إلى نفوسهم وعقولهم.

وهو ما يؤدي بالبعض منهم للانضمام إلى الجماعات الإجرامية والإرهابية. وداعش يجيد بشكل فعال جداً هذه اللعبة الإنجذابية الخطرة: فمزيج من الإغراءات المالية (2000  شهرياً) وتعبئة دينية معينة تجعلهم أسرى تفاسير مغلوطة حول قتال "الكفار"، واعدين إياهم بحوريات "الجنة" و "نعم السماء". وفي الحصيلة العملية نجد أن لعبة القتل الجهنمية تصل إلى هدفها الأقصى.

عندما يقتنع الشباب، ويعلنون بفخر انضمامهم الى داعش، ويفصحون جهارة عن أنهم يمثلون "الدين الإسلامي الحق"، يجيش في داخلهم إحساس باطني، بأنهم وبعد سيطرتهم على الآخرين تنتابهم قناعات موهومة بأنهم سادة مصيرهم في "دولة الحق".

إضافة الى هذه النشوة التي يعيشها هؤلاء الشباب، الذين يفتقد القسم الأكبر منهم إلى التجارب الحياتية المتنوعة، فإنهم وأثناء تدربهم وإمساكهم بالسلاح الفتاك الهادف إلى تدمير "الكفار"، فإن مشاعر غريبة تنتابهم يظنون فيها أن بإمكانهم ممارسة أقصى أنواع ودرجات العنف، ظناً منهم بأنهم منفلتون من العقاب.

وفي هدا السياق علينا ألا نقلل من حيوية ومخاطر طرح شعار دولة الخلافة الإسلامية التي يروج لها الداعشيون، والتي تربط هذا الشعار بفكرة الجهاد التي تجذب قطاعات واسعة من الشباب المضلل.

أعتقد أننا جميعا ندرك أهمية وضرورة مقاومة هذه الشعارات والسلوكيات المعادية لمعنى وقيم الحياة. مع التأكيد الصارم على احترامنا لكل المعتقدات والأديان والمهن والأعمار والتقاليد الوطنية. ولعل في صدارة اهتماماتنا العمل من أجل الحفاظ على البيئة الاجتماعية الصحية للإنسان، وكذلك الحفاظ على أمنا الطبيعة وعلى صون الأرواح المخلوقة.