الرئيسية » سياسة واقتصاد » بطن النملة – أمينة خيري
بطن النملة – أمينة خيري

بطن النملة – أمينة خيري

الورقة المطبوعة التي عادة يجدها النزيل في غرفته الفندقية لترشده إلى أرقام القنوات الفضائية أضيف إليها بقلم أحدهم عبارة «قناة خائنة وعميلة خربت العالم العربي» مع سهم يؤدي إلى قناة عربية إخبارية بعينها. فما كان من آخر إلا أن عاد بالسهم إلى العبارة وكتب تحتها «لا يقول هذا عن قناة «كذا» إلا كل كاره للإسلام متضامن مع الكفار رافع راية الانقلاب».

إدارة الفندق لم تراجع الورقة بكل تأكيد، ولم تمح القناة، ولن تمحو كذلك القنوات المضادة التي تقدم رؤى مغايرة. لكن الورقة تقف شاهداً رامزاً لما أصاب المشاهد العربي، أو ربما لما أظهرته وعرّته القنوات العربية الإخبارية من تباينات.

ماذا يشاهد المواطن السوري الواقع تحت قصف المعارضة «المعتدلة» حيناً و «المتشددة» حيناً و «المتشددة جداً حيناً و «داعش» حيناً والنظام حيناً؟ هل يشاهد «الجزيرة» أو «العربية» أو «الحدث» أو «الشرق» أو «مكملين» أو «الفضائية المصرية» أو «الفضائية السورية»؟ وماذا يشاهد المواطن السوري الذي حصل على اللجوء إلى ألمانيا؟ وماذا عن قرينه العالق في مخيم على الحدود؟

وماذا يشاهد المواطن اليمني القابع في منطقة يسيطر عليها الحوثيون؟ وزميله المؤيد لقوات التحالف؟ وماذا يشاهد المواطن العراقي في الموصل؟ وقرينه في كربلاء؟ وابن عمه في بغداد؟ ومعارفه في كردستان؟ وماذا يشاهد المواطن المصري المؤيد للسيسي؟ وجاره المحب للإخوان؟ وقريبه المؤيد للسلفيين؟ والأقارب الذين هربوا إلى تركيا في 2013؟ وماذا عن الجيران المسيحيين؟ والأصدقاء العلمانيين؟ وماذا عن المواطن في ليبيا؟ هل يشاهد «الجزيرة» راضياً بمحتواها؟ أو القنوات الليبية التي تبث باسم الحرب الأهلية أو ضدها أو بين بين؟

الأكيد أن المشاهد العربي يسطر ملامح المشاهدة التلفزيونية العربية المقبلة. ربما تكون بداية نهاية اليد العليا للقنوات الإخبارية التي تقدم نفسها باعتبارها البديل الأفضل لكلاسيكيات الغرب الخبرية. وربما تكون دعوة تصحيحية إلى التسييس الفاضح والاستقطاب الأعمى والتحيز الضارب على الغالبية المطلقة من الشاشات العربية، حيث مصالح هؤلاء في مقابل أولويات أولئك ولو كان ذلك على حساب الشعوب المقهورة. وربما تكون عصراً ذهبياً للقنوات المحلية. وربما أيضاً تكون عودة عربية إلى القنوات غير العربية الناطقة بالعربية بحثاً عن خبر غير مسيس هنا أو تقرير غير مؤدلج هناك، وإن كان المنتظر شاشة من دون تحيز أو أجندة أو مصلحة أشبه بـ «المستني السمنة من بطن النملة».

 

الكاتبة: أمينة خيري

المصدر: جريدة الحياة، 28 تموز/ يوليو 2016

 

كلمات مفتاحية: ميديا، الإعلام، الفضائيات، الحدث، الشرق الأوسط،