الرئيسية » حضاريات » بنية الثورة الاجتهادية أمل التغيير وعوائق التفكير – أ.د. عبد القادر بوعرفة / الجزأ الأول
wyq_ltfkyr.jpg

بنية الثورة الاجتهادية أمل التغيير وعوائق التفكير – أ.د. عبد القادر بوعرفة / الجزأ الأول

مشيرا الى إن العقل النقدي المعاصر يقف اليوم إمام عدة خيارات لتحرير العقل الخلاّق من كبوة التقليد. ومعالجة العلة وبعض متونها التي تحمل من التناقضات والخرافات ما لا يتناسب وروح القرآن الكريم . وكيف كانت نتيحه الحراك الحضاري بين أنصار التقليد والتجديد ظهور حركة تجديدية تبحث في سؤال: أين يكمن التجديد في العقل أم في الأصول ؟

 

المولج

ولجت إلى الموضوع وكلي ثورة وحسرة على الواقع المعاصر الذي لا يحمل من راهنية العصر إلا الاسم وتلك الكتل اللحمية المتحركة عبر أزقة الماضي والتي لازالت أفكارها تتجذر في غياهب عصر الانحطاط وحقبة المدونات وشرح الشروح. ولم أجد ما يفرج محنتي إلا التّعلق بحديث للرسول (ص) حين قال :{ إن الله يبعث على رأس كل مئة سنة من يُجدد لهذه الأمة أمر دينها.}[1]

         وبالرغم من كوني من دعاة الشك في بعض الحديث وإعادة كتابته كتابة علمية، إلا أني استحسنت الحديث لما فيه من منفعة للأمة، ذلك أن التجديد سنة كونية قبل أن تكون دعوة دينية. ولقد كان المسلمون الأوائل لا يجدون مضرة في الاجتهاد باعتباره تجديدا في الدين، فحديث معاذ بن جبل* وهو متجه لليمن ينم عن جوهر الدين الإسلامي الذي يُعطى للمكان والزمان بعدهما، ولا يُهمل مصالح الناس ولا يعطل قواهم الفكرية بل يجعلها من علامات الاستخلاف أو أمانة الوجود. ونلاحظ علي بن أبي طالب( ر) يجسد مفهوم التجديد والاجتهاد حين عرض عليه القوم منصب الخلافة لكن بشرط إتباع الكتاب والسنة وسيرة الشيخين، فيرفض قائلا : أما الكتاب والسنة فنعم أما سيرة الشيخين فلا، فلقد اجتهدا وأنا سأجتهد مثلما اجتهدا.  

     ونفهم من موقف على بن أبي طالب أن الواقع هو الذي يفرض على المسلم إكراهاته وحاجياته، فإن كان الأمر يتوافق مع المجمل والعام فلا منصة من الاحتكام إلى النص الثابت ثبوتا قطعيا، أما إذا كان الواقع يحمل صفة التَّغير واللامألوف فالواجب الاحتكام للتجربة والعقل.

      لذلك كله كان للاجتهاد في الثقافة الإسلامية كظاهرة حضارية المركز المهم لما أبدعه وأنجزه من منظومات فقهية وأصولية، ومنظومات لغوية وكلامية … التي أحرزت تقدما كبيرا في فهم العقيدة ومناظرة الآخر(الوافد)  .. 

     إن الاجتهاد ارتبط بالعقل الخلاّق الذي آمن به السلف قبل عصر إعلان " غلق باب الاجتهاد"،  والذي لا زال العقل الإسلامي يعاني منه الأمرين إلى يومنا،  ويعود غلق باب الاجتهاد إلى لحظة ترسيم المتوكل مذهب أهل السنة والجماعة كمذهب للسلطة والخلافة بدل من مذهب المعتزلة الذي رسّمه المأمون بقوة السلطة والسياط.

     يمكن القول أن الترسيم السياسي لم يكن هو العلة في توقف الاجتهاد المعرفي داخل بنية النص، بل أن العقل الإسلامي كان وصل إلى درجة الانغلاق على ذاته بعد أن انفتحت الساحة الإسلامية على الثقافات لسيطرة فقهاء الحرف والسيف، وأمراء الجواري والجيش،  ومن ناحية أخرى كان لظهور مدونات الحديث والمعروفة بالصحاح الدور السلبي في توقيف الاجتهاد.

       ولقد تناسى علماء الدين حقيقة كون الاجتهاد ليس الغرض منه الإصابة فقط، بل الخطأ في الاجتهاد فضيلة غير مكتملة، والفرق بين المجتهد المصيب والمخطئ لا يتعدى درجة الثواب، ولعل خطأ المجتهد يكون أكثر فاعلية من صواب المجتهد، لأن الأول يحرك الاجتهاد لما يزرعه من اللايقين بينما الثاني يُقفل الموضوع بوثوقيته، ولذا فنحن نرى ضرورة فتح الاجتهاد بالتركيز على أن كل مجتهد صائب بالفعل ومخطئ بالشك. ولقد أكد

 الإمام الجويني : " كل مجتهد مصيب في اجتهاده واحدهم عاثر على الحق والباقون مخطئون فيه وكلهم على الصواب بالاجتهاد. قال القاضي: والذي توضح عندنا من فحوى كلام الشافعي رحمه الله القول بتصويب المجتهد ."[2] 

    إن مطلب التجديد ضروري لأن الناس تهفوا نفوسهم للجديد وترك القديم، وتلك منة من الله على عباده :" الناس بحسب طبائعهم وتطلعاتهم يحبون التجديد، ويعشقون كل جديد، ويسرون وراء المجددين ، وهذا حس شائع وغالب بين الشباب والجيل المعاصر، حيث أنهم مولعون بالحديث وترك القديم."[3] 

   إن العقل النقدي المعاصر يقف اليوم إمام عدة خيارات لتحرير العقل الخلاّق من كبوة التقليد ومقولات السلف، فهل التجديد يكون في تجديد بنية العقل الإسلامي ؟؟؟ أم أن التجديد ينبغي أن يتجه نحو تجديد أصول الفقه ؟؟؟ أم أن التجديد هو تجديد للمنهج.؟؟ أم هل الاجتهاد المأمول يتأسس على ثورة تصنع بنيات جديدة للظاهرة الدينية وفق أفق إبستيمي ثوري ؟؟؟

     إذن تلك هي المسألة …. فالأمة التي تصنع مستقبلها تنطلق من فهم وتجاوز أخطاء سلفها أولا.

      سأحدد منذ البداية أن الاجتهاد ليس في موضوع واحد مخصوص، بل الاجتهاد المأمول هو الذي يتجه نحو الكل، ونقصد أن التركيز على الفقه والأصول لا يحل المشكلة بل يجب التركيز على سائر المنظومة الدينية والدنيوية، ولعل أ.د حسن حنفي حَوْصَل ذلك الهم في قوله:"علوم القرآن والحديث والتفسير والسيرة والفقه من أجل إسقاط المادة القديمة التي أصبحت بغير ذي دلالة مثل الآيات التي نسخت قراءتها وحكمها أو تاريخ المصاحف وجمعها وإبراز الموضوعات الدلالة مثل أسباب النزول (أولوية الواقع على الفكر) والناسخ والمنسوخ (الزمان والتطور)..الخ.أما علم التفسير فانه أيضا يعاد بناؤه بحيث يتم تجاوز التفسير الطولي(سورة سورة وأية آية) وتجاوز التفسيرات اللغوية والأدبية والفقهية…الخ, وبداية تفسير الموضوع بوصف بناء الشعور ووضعه في العالم مع الآخرين ووسط الأشياء. أما علوم الحديث فانه يتم فيها تحليل الشعور,شعور الراوي من خلال مناهج الرواية ثم تجاوزها إلى النقد العقلي والحسي للمتن. وفي علوم السيرة يتم الانتقال من الشخص إلى الكلام حتى يتم القضاء على التشخيص وعبادة الشخص في حياتنا العامة.أما علم الفقه فانه يتم إعادة بنائه بحيث تعطى الأولوية للمعاملات على العبادات ولنظم الدولة على قانون الأحوال الشخصية ."[4]

     إن الاجتهاد أمانة وشهادة،  ومن أجل تحقيق تلك الأمانة تأسس الفقه الإسلامي على المقاصد والأصول أولا، ثم على الفروع والنوازل ثانيا. وبطبيعة الحال كان القرآن ولازال مع السنة النبوية المصدرين الرئيسين أكثر من الآليات المُكملة لهما كالقياس والإجماع والمصالح المرسلة…. وقد نعتبرهما  من الوجهة الإبستيمية البارديغم ( الأنموذج )، الذي  يستنبط منه العقل الإسلامي (الفقهي) الأحكام التي يتطلبها الواقع العملي للمسلم والعالم الغيبي على السواء.

    إن القرآن من حيث اللفظ والسور والآيات هو كتاب إلهي لا ريب في ذلك، غير أن التفسير والتأويل هو من الإنسان، وبالتالي يصبح الاجتهاد والتجديد يكمن في التفسير والتأويل، وآيات القرآن تقر وتدفع إلى ذلك دفعا لا نظير له.

        لكن معضلة العالم الإسلامي تكمن في ترسيم الفقهاء والأصوليين للتفاسير كمسلمات قطعية، فبدل الرجوع إلى النص القرآني من أجل تنطقيه وتأمله نُخضع العقل إلى ما أنتجه العقل السلفي ( القدماء) من مقدمات استنباطية واجتهادات ظرفية.

   إن التعامل مع القرآن لا يشكل معضلات كبرى لكون النص الذي بين أيدينا نص متواتر وحقيقي، وإن كان ذلك يحدث على مستوى التفسير والتأويل،  بيد أن التعامل مع النص النبوي يثير لحد الساعة جملة من المشاكل الكبرى، ولا نقصد بالمشاكل تلك التي أثيرت في القرن الثاني الهجري، وإنما نقصد المشاكل التي أنتجتها المدونات ( الصحاح )، فالصحاح من حيث بنيتها وطريقة تقديمها شكلت بعد نجاحها الأول  عائقا أمام  حركة الاجتهاد إلى اليوم.

    والعلة في ذلك أن بعض متونها تحمل من التناقضات والخرافات ما لا يتناسب وروح القرآن الكريم وما هو معلوم بالعلم والمشاهدة، ومن جهة أخرى أصبح الاحتكام إليها أكثر من الاحتكام إلى المصدر الأول القرآن. ونتيحه الحراك الحضاري بين أنصار التقليد والتجديد كانت الحركة التجديدية تضع سؤال الكيف، والمصاغ على الشكل التالي : أين يكمن التجديد في العقل أم في الأصول ؟؟؟

 

1- الفكر العربي وأسئلة الاجتهاد والتحديث

       إن الدعوة المتكررة للاجتهاد والتجديد  تعد من صميم متطلبات العقل النقدي، كما يفرضها تاريخ العلم في كل حقول المعرفة الإنسانية، ومن جهة أخرى يُعتبر الاجتهاد فرض كفاية على الأمة.

       والتجديد هو تدافع بين نزعتين، نزعة تمجد القديم كما هو ونزعة تعشق الجديد كما يجب أن يكون، والاجتهاد في الفكر الإسلامي غالبا ما يقع بين تلك النزعتين مما يجعل الاجتهاد مجرد دعوة في أزمنة الأزمة. كما أن الدعوة للتجديد تظل مستمرة :" .. ولعل أول ما نحتاجه في هذا الصدد هو تقديم اجتهادات جديدة في المسائل القديمة، بما يتفق مع تغير الظروف الزمانية والمكانية، وهذا حدث كثيرا في تاريخ الفقه الإسلامي، ..فالاجتهاد حركة دائمة مستمرة وآراء الاجتهادية أيا كانت منزلة أصحابها من الفقهاء لا يجوز إسباغ صفة الثبات عليها،… أما الاجتهاد فينبغي أن يساير الواقع المتغير دوما حتى يحقق مقاصد الشريعة."[5]  

   إن عقلية تثبيت التليد تعد مربط الخطأ، فالثبات على الأصول مغالطة من حيث المبدأ، لأن تأصيل الأصول هو نفسه كان في لحظة زمانية ضد السكون والتقليد ، فكيف تحولت الأصول من أرضية لتجاوز أزمة الفقه إلى دوغما تقيد الفكر الإسلامي ؟؟

        إن تاريخ العلم هو تاريخ أخطائه كما يقول غاستون باشلار، وكان الرعيل الأول من المسلمين أكثر وعيا بضرورة إعطاء الأهمية للاجتهاد ( العقل)، فاجتهاد أبو بكر الصديق  في حروب الردة كان انتصارا على منطق النّصية* الذي لو ارتكن إليه لكانت الدولة الإسلامية انحصرت في حدود المدينة ومكة.

   إن علماء الأصول الأوائل لم يكن همهم تقعيد العلوم تقعيدا مطلقا، بل كان التقعيد من منطلق تجديد ( القرن)، والاجتهاد من أجل تجاوز ما هو متأزم، فالعلوم النقلية والعقلية كان الغرض منها الفهم وليس التقعيد : " وأصل هذه العلوم النقلية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة، التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي نهيؤها للإفادة، ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملكة به نزل القرآن، وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو علم   التفسير،  ثم بإسناد نقله وروايته إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء به من عند الله واختلاف روايات القراء في قراءته وهذا هو علم القراءات ، ثم بإسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم بما يجب العمل بمقتضاه من ذلك وهذه هي علوم الحديث، ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو أصول الفقه، وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين وهذا هو الفقه، ثم إن التكاليف منها بدني ومنها قلبي وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد وما لا يعتقد وهذه هي العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو علم الكلام ثم النظر في القرآن والحديث لا بد أن تتقدمه العلوم اللسانية لأنه متوقف عليها وهي أصناف فمنها علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان وعلم الأدب حسبما نتكلم عليها كلها،وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها." [6]

   والجدل الدائر اليوم يتمركز حول مطلبين ، فالمطلب الأول لا يهمه تجديد الأصول بقدر ما يهمه تجديد العقل ، لأن الآفة ليست في القواعد الأصولية بل الآفة في بنية العقل ذاته، فكل تجديد للأصول لا يمكن أن يُحدث التغيير أو الإحياء لأن طبيعة التفكير لدى المسلم مازالت أسيرة ببارديغم تاريخي أنتجته الإيديولوجيات الكلاسيكية، فإما بارديغم اشعري، أو بارديغم إمامي، وآخر سلفي تيماوي … وبالتالي فإن تجديد الأصول يسبقه بالضرورة تجديد العقل. في المقابل يتجه البعض إلى تغليب تجديد الأصول أولا باعتباره العائق أمام تجديد العقل، فتحرير الإنسان من سيطرة اللحظة الشافعية أمر ضروري لإعادة تكوين بنية عقل إسلامي جديد. وسنحاول أن نعرض لتك المحاولات من أجل تقديمها كثورة بالرغم من اختلاف وجهات النظر.

  1- تجديد العقل :

           يقدم محمد أركون نفسه في جل كتبه على أنه يصارع الأصوليين والفقهاء كما صارع الأنواريون رجال الدين، ففي كتابه (من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي)   يحاول أن يُبرز قوة العقل السجالي كحل ظرفي لأجل  أن يؤسس لنفسه – عن طريق النقد الحاد والصارم للفكر الديني والتراث الفكري الإسلامي- شرعية المجتهد الثائر، الذي يريد أن يُجبر الفقيه على قبول مبدأ التشارك في الاجتهاد بين الفقيه ومؤرخ الأفكار . ولأجل ذلك يرى أن  العلمانية هي الشرط الأمثل لتحرير الاجتهاد من سلطة الفقيه. كما يريد تفسير وتبرير عملية الإجهاض الحضاري في العالم الإسلامي كون الوعي الجماعي الإسلامي المعاصر لم يشهد تلك القطيعة النفسية والثقافية بالدرجة نفسها التي شهدها الغرب المعلن منذ القرن الآفل. والقطيعة تكمن في تصفية المواقع التبجيلية والافتخارية التي تزعم أن الإسلام قادر على مقاومة العلمنة بفضل تعاليه الإلهي وحده والاصطفائية الربانية لأمة الوسط .   إن آفة الاجتهاد تكمن في الاعتقاد أن : " أن مسألة الاجتهاد معتبرة داخل تراث الفكر الإسلامي بصفتها امتيازاً يحتكره الفقهاء." والحل يكمن في توسيع مفهوم الاجتهاد عن طريق النقد العقل، وإعادة تشكيل العقل وفق الأصول الأنوارية.

     يتأسس مشروع الجابري على نقد بنية العقل العربي من منطلق أن العقل السلفي لم يعد تكوينه يتماشى ومتغيرات العصر، فالجابري يرى أن العقل قدم استقالته الحضارية بعد ابن خلدون تماما، ومن تلك اللحظة الخلدونية لم يعرف الاجتهاد بمعناه الواسع أي حراك حضاري .

    ويمكن أن نقصى أفكار أركون والجابري من الموضوع باعتبار أن الشريك في عملية الاجتهاد يرفض حضورهما لدواعي إيديولوجية، لذا نحاول استحضار نموذج أقرب روحا وسلوكا إلى علماء الدين ، ونقصد د. طه عبد الرحمان، فكتابه ( العمل الديني وتجديد العقل) يحاول أن يؤكد أن تجديد العقل يكمن في تلك المصالحة التاريخية بين العقل المجرد والعقل المؤيد ، فالخلق الذي هو قرين الاجتهاد يولد من رحم تلاقح إفرازات العقل المجرد المحدود وإخصابات العقل المؤيد المفتوح :" ومتى أدرك المتقرب درجة التحقق والتخلق، وصار من المقربين، استحق أن يكون نموذجا في المراقبة والفهم والاجتهاد والقبول، وقام به واجب الإصلاح والتحليق، فيتصدر لهذه المهمة بتعيين مقصد تحصيلي ووسيلة توصيلية."[7]  

      إن الاجتهاد عند طه عبد الرحمان ليس لعبة أيديولوجية أو وظيفة سوسيولوجية يتقنها الجميع، بل هو رسالة تتطلب التزود بالقدرة على النفاذ إلى المعاني الأصيلة للنصوص الإسلامية والحكمة من الخلق والعبادة. عندئذ يمكن فهم الحاجات والمشكلات المُعاشة وحلها عن طريق عملية وصلها بالمعاني. ولا يتأتى ذلك إلا للمجتهد الذي استطاع أن يكتسب :" .. وذلك بإخضاعه لعمليتي (التطهير العيني) و (الترسيخ العبدي) ، والتطهير يزيل عنه العقبات التجربية والمعرفية التي تراكمت بطول الأمد، ويعيد له تكامله المادي والروحي، بينما الترسيخ يمكنه من التقلب اليقظ مع ظروف المكان وصروف الزمان."[8]   

     إن الثورة على العقل ليس المقصود بها الثورة على العقل السلفي القديم، لكونه أدى دوره التاريخي بامتياز، بل الثورة هي ضد العقل الإصلاحي الذي أراد إحياء نفسه من خلال تكرار الأنموذجات التراثية.  

     لكن بالرغم من الثورة على العقل الإصلاحي إلا أنه ليس من السهل تجاوز الفكر المعاصر الفكر الإصلاحي على مستوى حمولته الفكرية والقيمية، وإن تم تجاوزه على مستوى أفق الخطاب وإشكالات الحداثة. إن القطيعة الإبستيمية مع العقل الإصلاحي في واقعنا قد تكون مقبولة ومنطقية عندما تُقرن بآليات إنتاج الخطاب وفهمه، أو عندما ترتبط بالمنهج ومطلب إبداع النسق والنظرية.. لكن رغم تلك الثورة العارمة على الفكر الإصلاحي من قبل المفكرين  لازال العقل الإصلاحي يُوَجه الثقافة على مستوى اللاشعور الجمعي.. ولازال الخطاب السياسي يرتكن في كثير من قضاياه العامة إلى مقولات العقل الإصلاحي.. ذلك أن اللاشعور السياسي  لازال حبيس رواسب أسئلة النهضة وفلسفة الإصلاح.

   2- تجديد الأصول :

      القطب الثاني من المفكرين ينادي بضرورة تجديد علوم الأصول والفقه ونظريات المقاصد، معتقدين أن المشكلة ليست في بنية العقل الإسلامي ، بل المشكلة تكمن في الموروث كحمولة ثقافية، لذا فالاجتهاد المأمول هو الثورة على الموروث المُقنن أي تحرير الدين من البراديغمات التاريخية . وتلك المحاولات نجد أشهر محاولة عند حسن حنفي في مشروع ( تجديد علم الأصول) إذ يرى أن:".. الإسلام عن طريق الاجتهاد هو أكبر دين حداثي، لأنه يعطي الفرع شرعية الأصل، ويعترف بالزمان والمكان وبالتطور، وإن إجماع كل عصر غير ملزم للعصر القادم.. لدينا الاجتهاد وهو اللفظ الذي أفضله، ولا أفصل لفظ الحداثة، فحداثتي من الداخل.".[9]

       ولم يكتف حسن حنفي بالتنظير بل حاول أن يكون مطبقا من خلال كتابه ( بناء الأصول ) والذي جعل أول قواعده معرفة الواقع.

    ونلاحظ أن أبو يعرب المرزوقي في مشروعه( تجديد أصول الفقه)، ومن خلال المناظرة مع د. سعيد رمضان البوطي الموسومة ب ( إشكالية تجديد أصول الفقه) يحاول أن يغير الأصول من حيث الموضوع لا من حيث الشكل ، واستبدال المقاصد بأخرى ، من خلال الارتكاز على نموذجين تاريخيين ابن تيمية وابن خلدون. وهو يحاول من خلال تلك المزاوجة أن يربط الاجتهاد بالعمران ( علم الاجتماع البشري) فالظاهرة الدينية لا بد أن تعود إلى أصول العمران المتغيرة. وبالتالي يكون الدين من حيث الأصول مؤسسا على ما تفرضه طبيعة العمران من التغير والتبدل.

  إن أبا يعرب يحاول أن يضع حدا لهيمنة قواعد الأصول التاريخية ، فهي ليست من المقدس ولا أصلا من أصول الدّين بالماهية بل هي اجتهاد بشري قابل للتبديل كلما استنفذ العمل المقدم دوره التاريخي. ومن أجل ذلك فعلى المجتهد في عصره أن يضع نصب عينيه مبدأين عامين للاجتهاد هما الصبر والحق :" الاجتهاد من حيث هو تواص بالحق … والجهاد من حيث هو تواص بالصبر."[10]

    ولكي تكتمل العملية الاجتهادية وفق إبستيمية المزاوجة بين الديني والعمراني ، أي الشرعي والوضعي لا بد للمجتهد أن يدرك التوالي التاريخي كبرديغم محرك من خلال المزاوجة بين صور (المواربة) و(الصريحة) : " الأول مع الأخير ( حل معضلة التشريع بما يقتضيه الباطن : تأويل الحد الأدنى من النصوص بتفاضل بين المدرستين، بدءا بعلل الأحكام وختما بنسق مقاصد الشريعة، من هنا غلبة المنهج التأويلي) والثاني مع الثالث ( حل معضلة التشريع بما يقتضيه الظاهر: تحليل الحد الأقصى من النصوص بتفاضل بين المدرستين بدءا بأسباب وقوع الأحكام وختما بنسق السنن العقدية، من هنا غلبة المنهج التاريخي."[11]   

2- بنية الثورة الاجتهادية المعاصرة

  إن مفهوم الثورة الاجتهادية لا يختلف من حيث المفهوم عن الثورة العلمية ، فإذا كان العلم لا يتطور ولا يتقدم  بطريقة مضطردة ثابتة لا تعترف  بما كان كنقطة يمكن الرجوع إليها في تصور الكلاسيكيين . فإن اليوم صار الاعتقاد أن حركة تطور العلم تأخذ خط سير مرصود من نقطة بداية المعرفة إلى نقطة نهايتها. والعلم أثناء تلك الحركة تعتريه جملة من التغيرات والتحولات لارتكازه على جملة  من البارديجمات، والتي تتخذ من الماضي والمستقبل طرفي القضية معا.

1- ثورية مفهوم الاجتهاد والتجديد

         إن مفهوم التجديد يحمل عدة دلالات في اللغة العربية، فهو الجديد الذي يقابل التليد فيحمل معنى الخروج عن المألوف ، وبالتالي يحمل في السياق ذاته عدة معاني متنوعة، فقد يفيد الأمر الغريب إذ كان الجديد ليس له أصول في بيئته، وقد يفيد العجيب إذا كان من ذات البيئة لكنه حَمل إليهم جديدا غير معلوم، وغالبا ما يرتبط العجيب بما هو وجداني وعرفاني.

 وقد يحمل معنى الحداثة إذا كان الغرض منه وضع حد لسيطرة العتيق . فالحداثة التي أفرزتها الفلسفة الغربية المعاصرة في منتصف القرن المنصرم فُهمت لدى الفكر العربي المعاصر على أنها ضد الأصالة ، ومن هنا لم يتقبلها المجتمع العربي من منطلق كونها ضد هويته . لكن أعتقد أن الحداثة في العالم العربي لو قدمت على أنها ضد العتاقة لأدت دورها بامتياز داخل تراث يعاني من سيطرة العتاقة وعبق الشرق القديم. إن الحداثة هي محاولة تمثل العتيق تمثلا زمانيا من أجل وضع قطيعة معه، ووضع العتيق في مقام التاريخ لا في مقام السلوك والاعتقاد . إن المشهد اليومي للإنسان لا يسمح له اليوم بتمثل العتيق لعدم تعبيره عن هويته  حتى على المستوى التاريخي فما بالك بالمستوى الأنطولوجي. ومن جهة أخرى فالعتيق هو الجانب الميت من جسد التراث، ونحن في هذا المقام نريد أن نوجه مفهوم الحداثة كمحاولة للتجديد ضمن الفكر الإسلامي من أجل التحرر من العتاقة التي تسيطر على أنماط السلوك والتفكير.

 والجديد يعنى الراهن ، والراهن هو ماهية الإنسان ، لأني في الحقيقة ما شرعت في أن أكون ( إن أبنائكم خلقوا لزمن غير زمنكم فلا تلزموهم بما ألزمتم به أنفسكم) ، وهي دعوة من عمر بن الخطاب لإعطاء كل جيل حقه في الوجود، فلكل جيل تاريخ ووجود مستقل من حيث الراهن عن تاريخ ووجود الجيل السابق ( لا ننفي التواصل والالتزام بالمبادئ المشتركة لكل الأجيال)  . فالراهن يفرض على كل جيل أن يضع بصماته على التاريخ عن طريق تحديث ما اكتسبه بالوراثة الاجتماعية وما اكتسبه بالخبرة الوجودية .

والجديد هو الإصلاح ، الذي يحاول إعادة الأصيل إلى طبعه الأول ، وذاك من خلاله رفض العارض والشوائب والدخيل .. والإصلاح هو محاول اكتشاف الخلل وطبيعته من أجل إعادته إصلاحه ورده إلى صورته الأولى، يقول أبو يعرب المرزوقي: "الإصلاح فعل نقدي ملازم لفعل الوجود ذاته وليس هو مرحلة من مراحله. ذلك أن الفعل الإنساني لمجرد كونه إنسانيا لا يحصل حتى في أقصى درجات اللاوعي الفردي والجمعي إلا وفيه قدر معلوم من رؤية الفعل السابقة والمصاحبة واللاحقة لحدوث الفعل نفسه، أعني ما يميزه عن مجرد الحركة الطبيعية. وهذه الرؤية السابقة والمصاحبة واللاحقة هي التعديل الذاتي الدائم للفعل الإنساني خلال حصوله وليس فقط بعده."[12]

والجديد هو ثورة على القديم والمألوف من أجل خلق جو ثقافي واجتماعي متحرر من سلبيات ما كان .. وعندئذ تصبح كل ثورة هي محاولة تغيير جذري لوضع تاريخي سابق اتسم بالركود والاستكانة للسلف أو القيم العتيقة. ومن حيث اللعبة اللغوية ، يصبح الاجتهاد مرادف للجهاد ترادف تطابق لوحدة الغاية ، والتي تكمن في التغيير والثورة على الاستكانة التاريخية والاستقالة الحضارية، فالجهاد الغاية منه تغير وضع سائد ينتج المفاسد ويلحق الأضرار.  والاجتهاد من حيث العمق هو محاولة الثورة على مكامن  الخلل ضمن المنظومة السلوكية والفكرية . ولهذا السبب لا نتفق مع أبي يعرب المرزوقي  حين عرف الاجتهاد على أنه إصلاح …. والفرق يكمن في مفهوم الإصلاح نفسه، الذي يعتمد على ما هو قائم ويحاول إصلاحه وبين التجديد الذي هو خلق وابتكار. ونلاحظ أن دعاة التجديد الجُدد تجاوزوا مفهوم الإصلاح لصالح مفهوم التطوير والتجديد، أي أن المحاولات الفكرية المعاصرة لا تبحث في كيفية تحقيق الإصلاح، باعتباره هدفا مباشرا لطموحها، بل نجدها تنصب على محاولة فهم الإسلام بهدف صياغة أو إعادة صياغة مشروعه الحضاري بلغة عالمية معاصرة وبمفاهيم علمية معاصرة تهدف للحداثة والمعاصرة وفق قيم الأصالة.

     والجديد يعنى الانقلاب من أجل إعادة ترتيب الأشياء والأفكار ضمن أنساق جديدة تعطي للإنسان حقه في ممارسة الاستخلاف.

     ومن خلال كل المفاهيم المطروحة يمكن القول أن الاجتهاد من حيث الجوهر هو كل تجديد يهدف لوضع الذات ضمن فضاءات الكينونة والشاهدية.

     كما أن المفهوم من الوجهة الأصولية يحمل بعض الدلالات المشار إليها أعلاه ، ومن ذالك أن الاجتهاد عندما يُقرن بالتجديد فهو يؤدي وظيفة بعض المصطلحات التقليدية  كإحياء الدين وإحياء العقل وإحياء النص … لكنه يعود إلى نفي تلك المعاني لما يُربط الاجتهاد بمفهوم إتباع السنة، إتباع السلف… فالإتباع المطلق ضد التجديد  وبالتالي ضد الاجتهاد.( الإتباع المطلق فساد مطلق)

2- الاجتهاد الثوري

      إن البارديغم ليس معيارا أو أنموذجا كاملا ، بل هو وسيلة إبستيمية نستعملها من أجل أن نتقدم معرفيا عندما تصل الأزمة في بنية العلم نقطة الحرج . أو البارديغم هو الأنموذج الذي استحضره من أجل تجاوز إكراهات الواقع ، بحيث لا أجعله يُفكر لي بل أفكر من خلاله. 

    والعالم الإسلامي بعد الصدمة الاستعمارية وجد نفسه أمام موقف تاريخي يفرض عليه التقدم والنهضة. لقد كانت الثورة العلمية في الغرب تعتمد على المرحلة الأنوارية كبارديغم يضع سؤال التقدم ضمن مقولات العقلانية. لذا حدثت جملة من التحولات في بنية النص الديني المسيحي والعلمي على السواء. فالباريغم اللاهوتي تراجع مع سقوط النص المسيحي أمام الاكتشافات العلمية التي كانت بمثابة ثورة على المنظومة العلمية المُشكلة من الآراء الأرسطية في الطبيعة والكون وبعض الآراء الكنسية.

  لقد حاول الفكر العربي أن يستثمر النهضة الغربية كتجربة حضارية لكن دون أن يلجأ إلى تغيير البارديغم الذي تأسست عليه أصلا ، بل حاول أن يصنع لنفسه بارديغم نفسه،وهذا هو سبب فشل مشروعات التحديث في العالم الإسلامي.

     إن الاجتهاد في الحركة الإصلاحية لم يكن بالمعنى الثوري أو الانقلابي ، ذلك أن إصلاحية محمد عبده بشكلها التوفيقي والتركيبي وقعت في عدة تناقضات تاريخية ، فهي لم تستطع أن تبدع البارديغم الذي ينقل الفكرة إلى مرحلة الاجتهاد الخارق. فمحمد عبده لم يهضم البارديغم الغربي ولم يستطع في الوقت نفسه صياغة البارديغم الإسلامي، وهذا ما نفسره بتحول تلامذته من مقولات الإصلاحية التوفيقية إلى المقولات الإصلاحية الانقلابية ، إذ أصبح التجديد منذ 1919 يتجه نحو الحركة الانقلابية على العقل الإصلاحي وتبني المقولات التنويرية التثويرية  كبارديغم قطعي يمكنه أن يحدث القطيعة مع عتاقة الشرق المقيتة. ونلاحظ ذلك من خلال كتابات قاسم أمين، وأحمد لطفي السيد، وسعد زغلول.. وقد وسم هذا الاتجاه نفسه باسم حركة التجديد لكن في شكلها الانقلابي الذي يضع القطيعة مع الدين المطلب الأول لأي تقدم في مجال الفكر والحضارة.

   إن البارديغم المؤسس على التنوير لم يستطع أن يقدم نفسه كبديل من حيث المضمون وإن قدم نفسه كبديل من حيث الشعار.

     في المقابل حاولت بعض بقايا حركة الإصلاح الاستعانة بالبارديغم السحري والمتمثل في استثمار البارديغم التاريخي ونقصد السلفية التراثية التي لا زالت لحد الساحة لم تتخل عن البارديغم السحري بالرغم من التحولات التي طرأت على المجتمع الإسلامي.

   والحركة السلفية نفسها انشقت إلى كثير من التيارات ، فالتيار الثوري هو الذي مثله محمد إقبال (تجديد التفكير الديني) وعبد المتعال الصعيدي (المجددون في الإسلام – من القرن الأول إلى الرابع عشر) وفي كتابه (تاريخ الإصلاح في الأزهر) ،  حيث يُنَّظر للمصلح الثائر كبارديغم يخلف المصلح التقليدي ثم مصطلح المجدد الثائر باعتبار أن : «الإسلام يتسع للتجديد في كل زمان».

      ويمكن اعتبار أنصار أسلمة* المعرفة أكثر الحركات في تفعيل الاجتهاد عن طريق نقد المدرسة التقليدية التاريخية التي لم تستطع تغير الواقع أو على الأقل التحكم بآلياته، والسبب في الفشل يعود إلى تمسكها بالمنهج التاريخي التقليدي، والفشل يعود أيضا ظاهرة الاستلاب للغرب في فكر وثقافة الأنتلجنسيا العربية والإسلامية.

    وفلسفة التجديد تتجه نحو :" الخروج من الحلقة المفرغة من التقليد التاريخي، أو التقليد الدخيل الأجنبي." وثانيا إصلاح مناهج الفكر، وإسلامية المعرفة، والتي تقوم على التالي:

1- إصلاح مناهج الفكر الإسلامي: إعادة تشكيل العقل المسلم من خلال ممارسة النقد والمراجعة للذات لتحديد موطن الخلل والإصابة وإدراك آليات التوليد فيها ثم التركيب الذي يحقق الأصالة الإسلامية والمعاصرة معاً، ويمكّن(الأمة من الشهود الحضاري).

2- إسلامية المعرفة: منهج يهدف للاستفادة من المعرفة الإنسانية، على أساس أنها إرث فكري إنساني مشترك الرابط هو الإيمان، والضابط هي الكليات.

   ومن خلال ذانك الأصلين حاول أنصار الأسلمة الاجتهاد في تخريج العلوم المساعدة على التجديد "كعلم النفس الإسلامي"، "علم الاقتصاد الإسلامي"، "علم الاجتماع الإسلامي". و" علم الجمال الإسلامي."..

3- أنصار الحداثة الدينية

       يحمل مشروع الحداثة الدينية اليوم جيل من المفكرين الجدد ، ينطلقوا من فكرة ضرورة الاجتهاد ضمن فضاء المكان والزمان ، فعلماء المهجر ( دار الشهادة) يرغبون في وضع أسس للاجتهاد تختلف عن نظريتها في دار الإسلام ، لأن المكان يختلف وطبيعة العلاقات متباينة ، وهذا ما يدعو إليه أ. طارق رمضان وصهيب بن الشيخ. وتلك الدعوة نجدها في خطاب لأبي عمر الجاحظ الذي حاول أن يحرر الاجتهاد من أصول المالكية القائمة على عمل أهل المدينة.[13]

       و عليه يحاول المجددون الجدد بالمهجر رفض التأسيس الإنساني لمعايير الاجتهاد ، فلك ظرف تاريخي مقاييس معينة يفرضها الواقع المعاش. ومنه سنذكر أشهر النماذج التي حاولت الاجتهاد عن طريق خلق بارديغم ذاتي وفق الترتيب التالي :

أ- المرزوقي والبارديغم الإصلاحي

     يحاول المرزوقي من خلال نظريته أن يؤسس الاجتهاد على أرضية إبستيمية تقوم على ما يلي :

1 اللحظة المؤسسة أو لحظة الصدر ( القرن الأول) وهي لحظة إصلاحية نقدية بالأساس وتبقى النموذج المؤسس لكل استئناف في تاريخنا حتى عند الثائرين عليها من نفاة معالمها وقيمها سواء كان ذلك باسم ما تقدم عليها عند السعاة إلى بعث التاريخ القديم أو باسم ما تأخر عنها عند السعاة إلى زرع التاريخ الحديث.

2 – ولحظة استئناف التأسيس الجذرية أو لحظة ابن تيميه وابن خلدون ( القرن الثامن) وهي كذلك لحظة إصلاحية نقدية بالأساس وتبقى النموذج المؤسس لكل تساؤل عن معطلات الاستئناف في تاريخنا حتى عند الساعين إلى الاستئناف عن عدم بالبحث عن النموذج الذابل في بعض المزابل.

      ب- فريد إسحاق البارديغم الخلاق

       يمثل فريد إسحاق المسلم الأسمر من جنوب أفريقيا الثائر على السكونية الدينية الوراثية، فهو لم يقبل أن يُقدم الإسلام كتراث وماضي فقط، بل حاول أي يقدمه ضمن  إشكاليتين أساسيتين: الأولى تقديم الإسلام في سياق تعددية فكرية خلاقة لا تعرف الثبات أو السكون. والثانية التبشير بالإسلام كمنهج لمقاومة العولمة، والظلم الاقتصادي تحديدا.

    ونحن نعلم أن جذور كلتا الإشكاليتين نجدها منغرسة في أعماق تاريخه الشخصي وتاريخه الاجتماعي، والذي دفعه للبحث عن الحل داخل الإسلام نفسه. 

   لأجل ذلك اجتهد فصاغ للمسلمين السود مقاصد دينية تتناسب وواقعهم المترع بالظلم المزدوج، وتلك المقاصد لها أبعاد روحانية وهي : الحق ، العدل ، الإحسان. وهي مفاهيم داخل النص القرآني نفسه. فمفاهيم الإحسان والتكافل والرحمة أو العدل تساعد الظلوم النضال الفكري المفتوح على أفق الإنسانية جمعاء ، ونقصد أن العمل يتم بمعية دعاة الخير والإحسان العالميين، والغاية إخراج السود المعذبين من مأزق اليأس الإنساني.

     إن البارديغم الذي  وظفه سماه بالإسلام التحريري، وهو موقف اجتهادي حاول من خلاله التأسيس لطريق ثالث غير مرفوع بين الموقف الأصولي الذي يخلط بين السياسة والدين والموقف الاستغرابي الذي يحاول أن يفصل بينهما فصلا نهائيا.

     إن نظريته الاجتهادية  تؤسس استقلالية الدين عن السياسة كممارسة، وارتباطهما من حيث مباحث العدالة الاجتماعية  أو حوار الحضارات  أو التعايش بين الأديان …

د- عبد الكريم سورش البارديغم المتلاحق

يوظف عبد الكريم سورش نظرية توماس كون لأحداث قفزة نوعية في بنية العلوم الدينية،  فهو يعتقد أن تاريخ الفلسفة والفكر الإنساني بشكل عام والفكر الإسلامي يشكل خاص ، يمكن فهمه كنوع متلاحق من الباراديجم.  والمثال على ذلك أن معالجة النص القرآني ببارديجم متغير من شأنه أن يُخرج القرآن من حالة الفهم السوي ( العادي) إلى حالة من الفهم الخارق( العجيب) ، فالقرآن قتلته التفاسير : " إن المعرفة الدينية، كأي معرفة أخرى، هي حصيلة جهد البشر وتأملهم، وهي دائما مزيج من الآراء الظنية واليقينية، ومن الحق والباطل، ولا مجال لإنكار تطور هذه المجموعة وتكاملها. نحن لا نقول إن الوحي الذي أتى به الأنبياء يكمله البشر إنما نقول إن فهم البشر لمفاد الوحي يتطور. ولا نقول إن هذا التحول كان مقترنا، في كل مكان وزمان، بظهور آراء قيمة ومحكمة، ولكننا نقول إن السير في الطريق الصعبة غير المعبدة، والسقوط والنهوض، والصلح والحرب، والخطأ والصواب، والتخطئة والتصويب، هو الذي يصحح المسار وييسر الارتقاء.".[14]

      إن الذي يتغير ليس النص ولكن تفسيرات وتأويلات البشرعليه أو فهمنا لتفاصيله وعمومياته، وبذلك فأي تغيير ممكن في التصورات الدينية تحتاج  إلى تغيير ضروري في الباراديجم.

4-عوائق الثورة الاجتهادية

        يعتقد الإبستيمولوجيون أن العلم مهما كانت طبيعته ، تعتريه جملة من العوائق والأزمات التي تعيق حركة تطوره، وأن الوعي الإبستيمي يتمثل في إدراك تلك المعوقات من أجل تجاوزها . وبما أن الاجتهاد موضوعه العلوم الدينية المحددة سالفا، فإن التأويل والتوظيف المذهبي يجعلها من اهم المشاكل التي تعيق إنشاء فكر أصولي ( فلسفة الأصول)يقول د. عبد المجيد الصغير: " ولعل من السهل – ونحن نتابع تجليات الدولة في عالمنا المعاصر – أن نلاحظ أن نفس المفاهيم الأصولية التي سبق سبق لنا بيان مدى حرص رجل العلم على ضبط دلالاتها، لا تزال إلى اليوم – وعبر وسائل التواصل الحديثة – ضحية ذلك التأويل والتوظيف المكثف، وذلك من قبيل مفهوم الطاعة، البيعة،  الإجماع، البدعة،.."[15]    التأويل  فكان لا بد أن نتعرف على تلك العوائق ، والتي نقسمها على النحو التالي: 

** عوائق البِّنية

1-عائقية فهم القرآن 🙁 التفسير ) تحول القرآن من كتاب تحرير وتجديد إلى كتاب استعباد وتقليد، ليس بسب نصه ومتنه بل بسب الفهم الذي غرسه أنصار السلفوية، فبنية القرآن من حيث الأصل بنية ثورية ترفض التقليد، وذلك ما أكده الترابي في كتابه ( تجديد علم الأصول ) إذ يدعو إلى تحرير القرآن من سطوة الفقه، ومن القراءة الفقهية الصارمة والمتعصبة للنص القرآني. لقد أصبحت التفاسير تكتسب صفة الثبات وبالتالي القدسية والعصمة، بينما نحن ندرك أن لحظة التفسير كان المفسر الأول – وكما يؤكد في مقدمته – يحاول الفهم لا العلم ، وأن ما تعلمه لا يخرج عن ما أدركه من خلال القرائن التي اكتسبها من ثقافته.

2-عائقية السنة: ( الصحاح ) تحولت مدونات السنة النبوية إلى قيد وعائق بفعل التّدوين الذي لم تراع فيه أصول التدوين أصلا، فالنّقد المعاصر يثبت أن منطق الصحة الذي وسمت به المدونات الستة  لا يخرج عن الدافع الإيديولوجي الذي فرضته الصراعات المذهبية بين أهل السنة وغيرهم من المذاهب، مع العلم أن المحاولات الجادة لنقد الحديث من أجل تحديثه تسير وفق تراتبية محتشمة.*

3-عائقية الإجماع: ( إجماع من؟؟) منذ الانقسام الحاد في تاريخ الأمة الإسلامية، وبعد حل جماعة الحل والعقد عقب سقوط عاصمة الدولة الإسلامية الأولى وتحولها لدمشق، لم يوجد اتفاق بين العلماء لا على مستوى المؤسسة الاجتهادية ولا على مستوى المذهب الواحد.

4-عائقية القياس: القياس من حيث البنية هو مجرد  تحصيل الحاصل، لا ينفع الغبي والذكي، بل يرد الأشياء إلى أشباها وليس إلى نظائرها، فالنظير هو في حكم صاحبه.

5- عائقية الوسطية:  إن التّحجج بالوسطية كعلامة من علامات الاعتدال دال على فقدان الموقف أكثر من التأكيد على النظرة التصالحية مع العصر. وبالرغم من الدعوة المستمرة  لتجديد "المناهج" الإسلامية في عملية الاجتهاد المفتوح كالدعوة لتجديد أصول الفقه، وأسلمة العلوم الاجتماعية، إلا أن خطاب الوسطية ظل وفيا للنزعة التراثية العتاقية، بالرغم من امتلاكه للمناهج الغربية. ونحن في حاجة ماسة اليوم إلى تفسير قوله تعالى { وجعلناكم أمة وسطا}* تفسيرا بعيدا عن نظرية أرسطو التي فُسرت بها الآية منذ أمد بعيد.



[1] –  أخرجه أبو داود بسند صحيح.

*  قال الرسول ( ص) : " (يا معاذ! كيف تقضي إذا عرض لك  القضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي بعض الروايات: فبقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو. فضرب صلى الله عليه وسلم بصدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي رسول الله.)

[2] – الجويني، أبو المعالي ،  كتاب الاجتهاد ، تحقيق : د. عبد الحميد أبو زنيد ، الناشر : دار القلم , دارة العلوم الثقافية – دمشق , بيروت  ، الطبعة الأولى  1408هـ ، ص 30.

[3] – الزحيلي وهبة وجمال عطية ، تجديد الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2000،ص 167.

[4] – حسن حنفي،التـراث والتجـديـد، دار مجد- بيروت، ط 5، 2002 .ص 179.

[5] – جمال عطية  ووهبة  الزحيلي ، تجديد الفقه الإسلامي، دار الفكر، دمشق، ط1، 2000،ص18.

* رفض بعض الصحابة محاربة القبائل المانعة للزكاة بحجة أن النص ( القرآن و السنة) منعا مقاتلة من قال لا إله إلا الله . بينما الخليفة الأول اجتهد في الأمر وكان رأيه إعلان الحرب على كل مانع للزكاة ولو تعلق الأمر بعقال ناقة.

[6] –  القنوجي ، صديق بن حسن ، أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم ،تحقق: عبد الجبار زكار، دار الكتب العلمية ، بيروت،1978 ج: 1 ص: 227.

[7] –  عبد الرحمان ، طه ، العمل الديني وتجديد العقل ، المركز الثقافي العربي ، ط 2، 1997، ص220.

[8] – المصدر والمكان نفسه.

[9] – حنفي، حسن  وآخرون ، الخطاب الإسلامي المعاصر، محاورات فكرية، إعداد وحوار: وحيد تاجا، حلب: فصلت للدراسات والنشر، 2000م، ص62.

[10] – المرزوقي، أبو يعرب و سعيد رمضان البوطي، إشكالية تجديد أصول الفقه، دار الفكر، دمشق، ط 1، 2006، ص 31.

[11] – المصدر نفسه ،ص 40.

[12] –  أبو يعرب المرزوقي ( إصلاح الفكر العربي الإسلامي بين ابن تيمية  وابن خلدون ملحق ثقافي) مجلة الثورة الإلكترونية الموقع: http://thawra.alwehda.gov

* – التيار الذي شكله  المعهد العالمي للفكر الإسلامي ، ومن أهم أفكاره ( أسلمة المعرفة) و( العالمية الإسلامية الثانية).

[13] – إذ يعتقد إنما يعرف الحلال والحرام بالكتاب الناطق، وبالسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة، والمقاييس المعينة؛  ولأن عظم حق البلدة ( المدينة) لا يحل شيئا ولا يحرمه، ولأن أهل المدينة لم يخرجوا من طباع الإنس إلى طبائع الملائكة، "وليس كل ما يقولونه حقًا وصوابًا".

[14] – سوروش، عبد الكريم، القبض والبسط في الشريعة، دار الجديد ، بيروت، ط1، 2003، ص 7.

[15] – الصغير، عبد المجيد ، الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام ،دار المنتخب، بيروت، ط1، 1994،ص 630.

* وكان من أشهر من انتقد الصحيحين أحمد بن حجر العسقلاني عند  شرحه للبخاري في كتابه "هدي السّاري" وهو مقدمة "فتح الباري شرح صحيح البخاري"،  ولقد نبه لوجود أخطاء كثيرة في أحاديث البخاري من حيث الأسانيد والمتون. ونلاحظ أن نقد الحديث كان عادة عند الأولين ، فالحافظ  الدراقطني في  كتابه "الإلزامات والتتبع"، انتقد  أكثر من  مائتين حديث بعلل معظمها غير قادح، وقد أجاب ابن حجر وغيره عن بعضها، واستصوبوا أغلبها.  وكتب نقد الحديث كثيرة.

   إن الدافع لنقد الحديث عند القدماء كان هاجس الحقيقة والمعرفة. وبالتالي لم يكن الناقد في وضع حرج مثلما هو الحال اليوم. لقد تحول نقد الحديث اليوم إلى جرم وفتنة ، وكل من تجرأ على نقد حديث من البخاري أوالمسلم اعتبر مضادا للدين . وتلك مفارقة تاريخية ، فكيف استطاع السلف أن يتحلوا بالروح العلمية والنقدية بينما الخلف اليوم أكثر دوغمائية وانغلاقا.؟؟؟

 حاول محمد الغزالي في كتابه ( السنة بين أهل الحديث والفقه ) أن يعيد الحديث لدائرة النقد والدراسة ، لكنه جُبه بحملة شرسة من أنصار السنة من السلفية.

 والغريب أن أحد أنصار السنة والسلفية مارس النقد والجرح في بعض الأحاديث من البخاري ، ويمكن نأخذ تجربته المتواضعة كبارديغم هامشي. لقد حاول الألباني أن يعيد تطبيق منهج الجرح والتعديل على بعض الأحاديث الواردة في الصحاح ، ولقد ضّعف كثير من الأحاديث وأخرجها تخريجا مخالفا لما كانت عليه.

    ونقدم مثالا على النقد من خلال حديث ابن عباس ( رض) : قال:{ تزوج أو نكح رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو محرم.}

 ولنتأمل الألباني كيف ينقد الحديث السالف : " ..والسبب في ذلك أن السند إلى راوي هذا الحديث وهو عبد الله بن عباس لا غبار عليه فهو إسناد صحيح لا مجال لنقد أحد رواته، بينما هناك أحاديث أخرى هناك مجال لنقدها من فرد من أفراد رواته.

مثلاً من رجال البخاري رجل اسمه: فليح بن سليمان ، هذا يصفه ابن حجر في كتابه التقريب أنه صدوق سيئ الحفظ.

فهذا إذا  روى حديثاً في صحيح البخاري وتفرد به ولم يكن له متابع ، أو لم يكن لحديثه شاهد يبقى حديثه في مرتبة الضعيف الذي يقبل التقوية بمتابع أو مشاهد.

فحديث ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم لا مجال لنقد إسناده من حيث فرد من رواته كفليح بن سليمان مثلاً ، لا كلهم ثقات.

لذلك لم يجد الناقدون لهذا الحديث من العلماء الذين سبقونا بقرون مجالاً لنقد هذا الحدث إلاَّ في رواية الأول ، وهو صحابي جليل ، فقالوا إن الوهم جاء من ابن عباس ، ذلك لأنه كان صغير السن من جهة ، ومن جهة أخرى أنه خالف في روايته لصاحبة القصة أي زوج النبي صلى الله عليه وسلم التي هي ميمونة. فقد صح عنها أنه عليه السلام تزوجها وهما حلال.

إذاً هذا حديث وهم فيه رواية الأول هو ابن عباس ، فكان الحديث ضعيفاً وهو كما ترون كلمات محدودات تزوج ميمونة وهو محرم. أربع كلمات ، مثل هذا الحديث وقد يكون أطول منه له أمثلة أخرى في صحيح البخاري.

النوع الثاني: يكون الحديث أصله صحيحاً لكن أحد رواته أخطأ من حيث أنه أدرج في متنه جملة ليست من حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
من ذلك الحديث المعروف في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { إن أمتي يأتون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء.} ، إلى هنا الحديث صحيح وله شواهد كثيرة زاد أحد الرواة في صحيح البخاري : { فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل.} قال الحافظ بن حجر العسقلاني وعلماء آخرون قالوا أن هذه الزيادة المدرجة ليست من كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإنما هو من كلام أبي هريرة.

* – سورة :   البقرة.  الآية: 143.