الرئيسية » اكتشف روسيا! » “بلا حب” لزفياغنتسف الفائز بجائزة لجنة التحكيم في كان: روسيا الْيَوْمَ المجردة من إنسانيتها كما يراها ابن الكلاسيكية
ndrh_zfygyntsf.jpg

“بلا حب” لزفياغنتسف الفائز بجائزة لجنة التحكيم في كان: روسيا الْيَوْمَ المجردة من إنسانيتها كما يراها ابن الكلاسيكية

 

جديد اندره زفياغينتسف يبقى وفياً لأسلوب معين فرضه منذ بداياته، وهو الاستعارة التي تقوم على المزج بين العام والخاص، وبين الحياة الشخصية للبشر وتطورهم في بيئة اجتماعية تمتلك اطرها السياسية والاخلاقية الجامدة. "بلا حبّ"، حكاية بوريس وزنيا، اللذين اقترنا في فترة من الفترات، ثم لم يبقَ من الحبّ شيء (هذا إذا كان موجوداً في الأصل)، فتحوّلت علاقتهما واجباً يُمارَس بالإكراه بحكم وجود ابن يجمعهما. ناهيك بأن كلّاً منهما، أعاد تشكيل حياته وفق متطلباته. يبقى الابن الذي يعاني من هذا الانفصال، الذي يسع وصفه بأكثر من انفصال، انها حالة كراهية يعيشها الزوجان السابقان، أحدهما للآخر، تنعكس سلباً على حياة الابن التعيس ذي السنوات الـ١٢، إلى ان يختار الهرب والاختفاء، فور علمه بأن لا أحد من الطرفين المتخاصمين يريده، بل ينويان وضعه في ميتم، ما ان تتم تصفية آخر شيء مشترك بينهما: البيت العائلي. يبدأ البحث عنه، ولكن هل سيأتي بنتيجة؟ 

أشياء كثيرة يقولها المخرج في هذا الفيلم، بمعالجة هادئة ورصينة تفعل فعلتها في المشاهد لقطة بعد لقطة، بدون أن يملي علينا طبيعة الانفعال. الانفعال قد يتولد في داخلنا، ولكن بصعوبة ما. يختار زفياغينتسف الباطنية، جمود المشاعر، الفراغ العاطفي، حتى في مشاهد الغرام. هكذا يرى محيطه، مصوّراً ما آل اليه المجتمع الروسي المعاصر، في زمن الاستهلاك والسرعة والعلاقات الاجتماعية الكاذبة. هناك تفصيلان ضروريان لفهم الأشياء التي يلمّح إليها نصّه الذكي: ربّ عمل الزوج، أرثوذكسي راديكالي لا يوظّف إلا المعمّدين المتزوجين، ثم، في مرحلة هروب الصبي، اكتشافنا لآلية عمل الشرطة التي تنم عن حقارة وعدم احترام المواطن. تكمن قوة فيلم زفياغينتسف في الشخصيات التي يبلورها، وهي شخصيات تجهل المأزق التي تعيشه، ما يخلق لدى المُشاهد شعوراً مختلطاً بالنفور تجاهها. خلافاً للكثير من السينمائيين الذين يغازلون حتى أحط الشخصيات، لا يشعر زفياغينتسف بأي حاجة لذلك. فهو يضع ناسه على باخرة تغرق، بعد تجريدهم من آخر ذرة انسانية، فنرى "الغريق" وهو يتمسّك بأنانيته وعنجهيته وقسوته، حتى حينما يدرك ان النهاية قريبة. على رغم هذا التعامل، لا يضطلع زفياغينتسف بدور المعلّم التنويري، فهو ليس واعظاً مثل ميشائيل هانيكه.

وسط هذا الخراب، هناك صبي يعاني من الوحدة والعزلة والنكران، حتى اختفاؤه يبدو عبئاً على السلطات الأمنية وعلى عائلته (والداه أو جدته)، اذ يشكّل مناسبة جديدة للخصام والتحدي بين كلّ الأطراف. هذا الصبي لن يتسنى لنا حتى ان نرى وجهه جيداً، فهو ليس مجرد شخصية كغيره في الفيلم، بل يمكن اعتباره فكرة. عموماً، الصورة التي يقدّمها الفيلم عن المجتمع الروسي قاتمة جداً، حيث التواصل بات معدوماً، على الرغم من ان الوسائط باتت متاحة أكثر من أي وقت مضى، وهنا المفارقة.

يقول زفياغينتسف انه لم يتسنّ له اختيار اللحظة التي انطلق فيها. خلال الحقبة السوفياتية، لم يكن مسموحاً للمخرج بالعمل في السينما اذا لم يكن يحمل شهادة في الاخراج، خلافاً لزمننا الحالي حيث من الممكن صناعة فيلم بلا شيء كثير. "سابقاً، كانت السينما صناعة تتطلب ترسانة، كان الأمر أشبه بالذهاب الى حرب!"، يقول المخرج الخمسيني الذي يعترف بأنه، حتى بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، ظلت السينما لفترة طويلة تعيش كما لو كانت في النظام القديم. لم تُمنح فرصة لأيّ أحد لم يكن متخرج معهد السينما. هو كان أحد ضحايا هذا النهج. في العام 1990، عندما تخرج في معهد التمثيل في سيبيريا، التحق بالجيش لسنتين، ثم امتهن التمثيل لمدة ثلاث سنوات وكان دائم الاقتناع بأنه سيكمل في التمثيل لبقية حياته. فكان عثر على ذاته في ذات الآخرين. "سنوات التسعين اتسمت بالفوضى على الأصعدة كافة، كل شيء كان يتحول في محيطنا. الجميع وجد نفسه بين ليلة وضحاها في مهن تتناقض مع ما كانوا يمارسونه من قبل. أمّا أنا، فوجدتُ نفسي فجأة أقف خلف الكاميرا، أصوّر الدعايات لمنتوجات تجارية. هكذا بدأ كلّ شيء، على غفلة من الزمن. بعد فترة أمضيتها في الاعلانات، لفت عملي أحد المنتجين فاقترح عليّ العمل في التلفزيون، وهلم جرّاً. انجزتُ مسلسلاً من ثلاث حلقات، وهكذا بدأتُ أدنو شيئاً فشيئاً من السينما". 

في مقابلة سابقة مع "النهار"، حكى زفياغينتسف عن كيفية انبثاق الأفكار في رأسه: "بدايةً، أقرأ النصّ الذي أريد أفلمته. عادةً، أحتفظ به في ذاكرتي، في مكان ما داخل ضميري. عندما أفهم ان الحكاية ضرورية بالنسبة لي وانني هضمتها كلياً، انساها وانتقل الى شيء آخر. عندئذٍ، تتحرك القصة في داخلي على المستوى الروحي. ليس في رأسي فحسب بل في روحي وقلبي. مع الوقت، تنبثق الصور الذهنية من مكان ما وتصبح مرئية. هناك صور بصرية وصور انفعالية، ويدخل بعضها في اتصال مع بعضها الآخر. فجأة، أشعر بأنه آن الآوان كي افسح المجال امام الفيلم كي ينتقل من الخيال إلى التجسيد، وهنا تدخل مرحلة التقنيات إلى الخط. أنبذ الخطاب المباشر في الأفلام. من الغباء أن تقول للمُشاهد "هكذا هي الحقيقة، ولا يمكن أن تكون الا هكذا". ليس من حقي الحكم على الأشياء من منظار موضوعي. أن تمنح المُشاهد طرف الخيط ليلحق به، وتجعله يكمل القصة من خلال العناصر التي تضعها في تصرفه، فهذا يعني انك تضع ثقتك المطلقة فيه". 

يعتبر زفياغينتسف نفسه ابن السينما الكلاسيكية حيث تجتمع كل مكوّنات هذا الفنّ الطليعي، وحيث الشكل يستوعب الزمن والحركة والمساحة. "أفضّل البنية التقليدية للصيغة الدرامية، أي الحكاية التي تبدأ من هنا وتنتهي هناك. لا أحبذ اللفّ والدوران ولا الـ"فلاشباكات". أميل إلى الاستمرارية بلا أيّ عنصر يتدخل لقطع النبرة. هذا اسلوبي في العمل. في "يلينا"، وصلتُ الى ذروة هذا الشكل الفني الذي اعتبره نموذجياً لي. لا نستطيع أن نقول عن أفلامي انها واقعية مئة في المئة، أفضل تسمية "الواقعية الشعرية". يحب الناس معرفة اذا كانت سينماي روسية أو أوروبية بهدف تأطيرها. يبدو انني أنجز أفلاماً أوروبية أكثر منها روسية. صحيح انني أنتمي الى بلاد حدودها واضحة وملامحها مقطعة، لكن وطني الحقيقي هو السينما وكلّ هؤلاء السينمائيين الكبار من برغمان إلى كاسافيتس فبروسون وأنطونيوني وكوروساوا الذين صاغوا ذائقتي البصرية. أشعر بأنني ابنهم، مع ان الدمّ الذي يجري في عروقي دمّ روسي".

 

هوفيك حبشيان

النهار:
١-٦- ٢٠١٧