الرئيسية » اكتشف روسيا! » أزمة العدالة العالمية
zm_ldl_llmy.jpg

أزمة العدالة العالمية

 
يقترح هذا الكتاب بعنوان «العدالة العالمية و الوكالة السياسية الطليعية» حلاً جديداً من خلال مفهوم الوكالة السياسية الطليعية؛ حيث يكون السياسيون هم الوكلاء في العملية السياسة؛ لترسيخ الديمقراطية؛ وتفعيل عمل المؤسسات. أما الطليعية فتشير إلى الأشخاص أو الأعمال التجريبية أو المجدّدة، تطورت في القرن العشرين، وهي مستمدة من اتجاهات سياسية ثقافية للقرن التاسع عشر. تمثّل الطلائعية الخروج عن حدود الوضع الراهن في السياسة أو الفن. ويشير المصطلح أيضاً إلى تعزيز الإصلاحات الاجتماعية بشكل جذري.
تتناول الكاتبة مبادئ المساواة، والمطالبات الناشئة عن النزاعات، وتوزيع السلع الموضعية العالمية، وتوضح دور الوكلاء الطليعيين في تشكيل الصراعات، وكيفية تعزيز دور التحولات السياسية الديمقراطية في الاستجابة لها. وتقدم الكاتبة مثالاً جديداً من النظرية السياسية التي تكون في وضع نشط، عبر مجابهة المدافعين عن سيطرة الدولة، ودفاعها عن نهج العدالة العالمية؛ حيث يتدخل الوكلاء الطليعيون المحليون سياسياً؛ من أجل تقييد وتحفيز المواطنين؛ لدعم التحولات الكوزموبولاتينية. كما توضح الرواية الجدلية للكاتبة كيفية إمكانية تفاعل المبادئ والوكالة حقاً؛ وذلك من خلال وضع النقاش المعاصر حول العدالة العالمية في سياق النزاعات المنهجية الأخيرة على العلاقة بين التنظير المثالي وغير المثالي. 
 
 
تقدم الكاتبة في عملها دفاعاً جديداً عن المساواتية العالمية بأسلوب فلسفي سياسي، وتقترح رواية مفيدة عن الصلة بين النظرية السياسية والممارسة، كما تلجأ إلى استخدام مواد تاريخية بارزة، وتستخلص مقارنات للمناقشات في فلسفة العلوم والجماليات. هذا الكتاب يأخذ الفلسفة السياسية كمشروع مترابط ثقافياً وفكرياً كما ينبغي أن يكون.
 
النظرية السياسية النشطة
 
تتمحور مناقشة الكتاب حول الدفاع عما تسميه الكاتبة «النظرية السياسية النشطة»، التي يمارسها «الوكلاء السياسيون الطليعيون»، كما يكشف العنوان نفسه. ومن خلال الكتاب يتوضح أن تعريف المصطلحين أعلاه ليسا بالمهمة السهلة، والكاتبة نفسها تدرك تماماً ذلك كما توضح. وبصفة عامة، فإن النظرية السياسية النشطة تسترشد بالممارسة من خلال وضع حدس مألوف لاستخدامات جديدة، في حين أن «الوكلاء السياسيين الطليعيين» لهم دور إبداعي، كالعلماء أو الفنانين الذين يضعون المعارف والتقنيات الحالية في خدمة التجارب الجديدة، وتشكيل أسئلة جديدة وتطوير نماذج بديلة.
وتوضح سياق استخداماتها للمصطلحات السياسية في مقدمتها، ونقتطف أجزاء منها تقول فيها: «في يوم كباقي الأيام بتاريخ 26 إبريل/نيسان 1937، قامت وحدات نازية من المتطوعين من الجيش الألماني والقوة الجوية الألمانية بقصف قرية غرنيكا في إقليم الباسك شمالي إسبانيا. كان الهجوم؛ لدعم القوميين الإسبان في حربهم ضد الحكومة الجمهورية مؤثراً للغاية. فقد تحطمت أنابيب المياه الرئيسية، ودمرت الطرق والجسور، وتهدمت أعداد لا تحصى من المنازل. وبلغ عدد القتلى من المدنيين أكثر من 1600 مدني، وحوالي 900 جريح، بحسب إفادة سلطات الباسك. تم تسوية غرنيكا بالأرض في أقل من ثلاث ساعات. عندما حدث القصف، كان الفنان بابلو بيكاسو في باريس يحضّر لوحة جدارية، بتكليف من الحكومة الجمهورية الإسبانية؛ لأجل عرض دولي خصص للفن والتكنولوجيا في الحياة الحديثة. بعد قراءته عن المجزرة التي وقعت، تخلّى بيكاسو عن الخطط السابقة المتعلقة باللوحة، وبدأ بالعمل على قطعة جديدة من العمل تحت عنوان «غرنيكا»، سرعان ما أصبحت من أكثر الشهادات المؤثرة عن فظائع الحرب العالمية الثانية، وربما المثال الأكثر شهرة عن الفن الطليعي في القرن العشرين».
محنة السلام
 
تتحدّث الكاتبة في سردها، الذي يبدو فنياً في بدايته؛ لكنه سياسي بالمطلق عما حملته هذه اللوحات من رمزية متعلقة بالعنف والمعاناة الإنسانية ومحنة السلام قائلة: «حكاية اللوحة التي توضح إحساس الفنان بعمله في زمن الاحتلال النازي لباريس تشير إلى الروح التي شكّلت اللوحة. وهي تكشف الموقف الذي تأمل فيه العديد من رواد الفن الطليعي الأوائل العلاقة بين الفن والواقع، الملاحظة والإبداع، والانعكاس بشأن الحالات الموجودة من العلاقات والتفسير الموضوعي لتأثيرها. كما أنها مهمة للتعريف بقضية ستشغلنا بشكل كبير وهي: العلاقة التي تورط فيها أولئك الذين انشغلوا بنوع من الثناء النقدي للأحداث السياسية والاجتماعية جعلتهم يتأملون الأحداث بأنفسهم: كم يعتمدون على وصف الملامح الراهنة للعالم، وإلى أي درجة يجب أن يبتعدوا عنها، وينظروا إليها من خارج الإطار. منذ زمن ظهوره العلني في باريس إلى معرض الوقت الراهن لنسخة اللوحة على قماش النجود في ممر حجرة مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، اعتبرت«غرنيكا» أيقونة للدمار الذي أثارته التكنولوجيا العسكرية ورمزاً لمحنة السلام، فقد ألهمت الجماهير بإحساس مأساوي على فاجعة قتل الأبرياء، وأظهرت موقفاً مسلحاً بالتمرّد ضد قسوة المعاناة الإنسانية. هذه اللوحة الأسطورية توضح أنه على النقيض مما هو مفترض، لا يقتصر العمل الطليعي المؤثر (سواء في الفن أو السياسة أو المجتمع) على تدمير كل الشرائع الموجودة، وأساليب الحياة، وعادات التفسير. كما يجب ألّا تختلط مع طموح التخلي عن الواقعية وخلق عالم مختلف بشكل راديكالي، مع أنه لا يمكن فهمه في نهاية المطاف، عالم مسكون فقط بمآزق من خلق الفنان وخيالاته ومثله. العمل الطليعي، الذي يغامر المرء بالنقاش فيه، يتم فهمه على أنه نوع من النشاط الذي يهدف إلى تنقية العدسة التي يتم من خلالها مراقبة الحقيقة؛ لتحديد وتفسير المخاوف والتزامات، ولتحليل الأحداث الراهنة مع توجيه عين لكل من الابتكار والنقد. فقط من خلال القيام بذلك، يمكن لهؤلاء المنغمسين فيها أن يلهموا أشكالاً حيوية من المقاومة، والسياقات المتماسكة للتحولات السياسية والثقافية والاجتماعية».
وتطرح الكاتبة تساؤلات بعد موقف بيكاسو في لوحته: «تكمن المشكلة في فهم كيف يمكن للمرء أن يسيطر على التطور من وجهة نظر معيارية، وليست توضيحية بشكل نقي؟ ما نوع المعايير التي يمكن تبنيها في مجموعة من الآراء التي تدعي المساهمة في المهمة التحررية للمنظرين؟ ما الطريقة التي يجب تبنيها عند محاولة تطوير تفسيرات موضوعية للوظيفة والغرض من المؤسسات السياسية القائمة؟ من أين تأتي النماذج السياسية، وكيف ترتبط بالتوضيحات القائمة للوكالة السياسية؟ ما أكثر الطرق المثالية لفهم الارتباط بين العلاقات التجريبية غير الرسمية والالتزامات الأساسية بشكل معياري؟ تحت أي ظروف، إن وجدت، يمكن للمبادئ الأخلاقية أن تصبح التزامات سياسية؟ كيف تكون الالتزامات السياسية مستدامة بشكل تحفيزي؟ ما مفهوم الوكالة السياسية الذي يدعم الابتكار المعياري والتحول السياسي؟».
 
بنية الكتاب
 
بعد المقدمة، يأتي الكتاب الصادر في 2017 عن دار «مطبعة جامعة أكسفورد» باللغة الإنجليزية في 238 صفحة من القطع المتوسط، في ثلاثة أجزاء هي: الأول بعنوان «عن التاريخ والطريقة»، يتناول تاريخ مفهومي الدولانية والكوزموبوليتانية، ويتكون من فصلين أولهما «الجدل التاريخي» الذي يتوقف عند النظريات والفلسفات السياسة خاصة عند الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، والفرنسي جان جاك روسو؛ إذ تعتقد الكاتبة أنه بالنسبة لكانط كما لروسو، الوكالة السياسية هي الوسيلة التي من خلالها يمكن الحديث عن مصادر الصراعات علناً. ويحظى الفصل الثاني تحت عنوان «النظرية السياسية النشطة والوكالة الطليعية» بأهمية كبيرة؛ حيث تعرض الكاتبة منهجيتها التي تحدد ما تسميه «النظرية السياسية النشطة». وتهدف المنهجية إلى التفكير في الصلة الجدليّة بين المبادئ والوكالة. وتتطرق إلى تعريف هذه الطريقة وفقاً لمصطلحات العالم النمساوي – الإنجليزي كارل بوبر، كوسيلة للمحاكمة والفشل والنجاح. 
ويقدّم الجزء الثاني بعنوان «الدفاع عن الدولة وعن الكوزموبوليتانية» نقداً جزئياً ودفاعاً جزئياً عن نظريات متعلقة بسيطرة الدولة والكوزموبوليتانية؛ حيث تطبّق في الفصل الثالث بعنوان «السياسة والعلاقات الارتباطية» الجدل المثالي / غير المثالي على جدل الكوزموبوليتانية/ الدولانية المعاصرة. وفي رأيها أن أنصار الكوزموبوليتانية والدولانية يخلطون بين الاعتبارات المثالية وغير المثالية أو يسيئون إليها، في حين تقترح الكاتبة خلق حالة من المصالحة بينهما.
وينتقل الفصل الرابع بعنوان «المساواتية العالمية» إلى نقاش مفهومي الكوزموبوليتانية والدولانية بشأن مسألة الفقر العالمي؛ إذ توضح أن الدولانيين يميلون إلى التركيز على طبيعة الواجبات التشاركية التي توفر الأساس المعياري لتقييد المساواة داخل حدود الدولة، وبالتالي لا تقدّم أي إمكانية لعدالة التوزيع العالمية؛ بل واجبات المساعدة فقط. ومن ناحية أخرى، يدين الكوزموبوليتانيون الحقائق القائمة بشأن الفقر في العالم، ولكنهم يركزون أيضاً على التخفيف من الحرمان المطلق وصولاً إلى التوصيات نفسها التي يقدمها الدولانيون (وهذا هو نقد لنسخة الفيلسوف الألماني توماس بوج عن الكوزموبوليتانية). 
ويأتي الجزء الثالث بعنوان «الكوزموبوليتانية القائمة على الدولة»؛ إذ تقدّم الكاتبة نسخة من نظرية الكوزموبوليتانية الدولانية والنظرية السياسية الطليعية، وتتكون من ثلاثة فصول: الخامس «عن المبادئ»، وتتعامل فيه مع المبادئ، وتسلّط فيه الضوء على عدم المساواة العالمية، وعلى تحليل مفهوم «السلع الموضعية»؛ من أجل الدفاع عن الفرضية العامة التي تفيد أن تخفيف الحرمان المطلق على الصعيد العالمي يرتبط سببياً بالتخفيف من الحرمان النسبي.
ويتجّه الفصل السادس بعنوان «عن الوكالة» من المبادئ إلى الوكالة؛ إذ تجد الكاتبة أنه يتعين على الوكالة السياسية أن تكون مجدية ومستدامة في الوقت المناسب. وتعود فيه إلى نموذجها الجدلي المفضل؛ رافضة من جهة نموذج المجتمع المدني للمجتمع السياسي ومن ناحية أخرى النموذج الأسري. تقوم بالنقاش في النموذجين، وتشير إلى أنه يجب على مجتمعها السياسي أن يجمع بين السيادة الشعبية والتربية المدنية في تطور ديناميكي يستخدم الاثنين.
وأخيراً، يستند الفصل السابع والأخير بعنوان «الطليعي الكوزموبوليتاني» من الكتاب إلى التشابه بين الابتكار الفني والسياسي؛ حيث تناقش فيه ملامح الحركة الطليعية العالمية. وتشير أيضاً إلى طبيعة وعواقب الوكلاء الكوزموبوليتانيين في العصر الراهن والمنصرم، مثل الحركات الاجتماعية العالمية، وشبكات الدعم، والناشطين في مجال حقوق الإنسان، وما إلى ذلك. وينتهي الكتاب بخاتمة.
 
نبذة عن الكاتبة
 
ليا يبي أستاذة في النظرية السياسية في قسم الحكومة، كلية لندن للاقتصاد، تحاضر في الماركسية، وتاريخ الفكر السياسي، وهي أستاذ مشارك مساعد في الفلسفة في كلية البحوث للعلوم الاجتماعية، الجامعة الوطنية الأسترالية. وقبل انضمامها إلى جامعة لندن للاقتصاد، حصلت على جائزة زمالة أبحاث ما بعد الدكتوراه في كلية نوفيلد (أكسفورد) وكانت باحثة في معهد الجامعة الأوروبية؛ حيث حصلت على الدكتوراه فيها.
حاصلة على إجازة في الفلسفة والآداب من جامعة روما، لا سابينزا، وقد شغلت مناصب زائرة وبحثية في: معهد الدراسات السياسية بباريس، جامعة فرانكفورت، ويسنشافتسزنتروم برلين، والجامعة الوطنية الأسترالية والمعهد الإيطالي للدراسات التاريخية. وتدور اهتماماتها البحثية حول النظرية السياسية المعيارية (بما في ذلك النظرية الديمقراطية، نظريات العدالة، وقضايا الهجرة والحقوق الإقليمية)، والفكر السياسي التنويري (وخاصة كانط)، والماركسية والنظرية النقدية، والقومية في التاريخ الفكري للبلقان (وخاصة ألبانيا).
 
تأليف: ليا يبي
ترجمة وعرض: نضال إبراهيم
 
– See more at: http://www.alkhaleej.ae/alkhaleej/page/3323c1ce-b628-44b3-ab27-56c6f713a912#sthash.OBrmVAyn.dpuf