الرئيسية » حضاريات » أورهان باموق: الأدب مصنوع من الشياطين والملائكة – ترجمة: أحمد الزبيدي
أورهان باموق: الأدب مصنوع من الشياطين والملائكة

أورهان باموق: الأدب مصنوع من الشياطين والملائكة – ترجمة: أحمد الزبيدي

ولا ينساق إلى السلوك الجماعي لها، بل هو يفكر بالأشياء ويحكم عليها استنادًا إلى ثقافات مختلفة وليست تلك التي يعايشها فقط . وما دام وعيه يختلف عن ذلك المجتمع الذي ينتمي إليه، فهو منعزل، ومنفرد. وثراء نصوصه ينبع من رؤية لشخص متفرد يراقب المجتمع وأفراده.

بمجرد أن تنمي لديك عادة النظر إلى العالم بهذا الشكل والكتابة عنه بهذه الطريقة، ستكون لديك الرغبة في النأي عن المجتمع. هذا هو النموذج الذي كنت أفكر فيه في روايتي (ثلج).

الصحفي: (ثلج) هي أكثر رواية من رواياتك التي صدرت حتى الآن فيها محتوى سياسي. ما هو تصورك لها؟

 باموق: عندما بدأت أصبح مشهورًا في تركيا في منتصف 1990، في وقت كانت فيه الحرب ضد مقاتلي الأكراد على أشدها، فإن قدامى المؤلفين اليساريين والليبراليين والمعاصرين الجدد أرادوا مني مساعدتهم، بتوقيع العرائض، وبدأوا يطلبون مني فعل أشياء سياسية لا علاقة لها بكتبي.

 بعد فترة وجيزة تم شن هجوم مضاد مع حملة لاغتيال عدد من الشخصيات. بدأوا يشتمونني. كنت غاضبًا جدًا. بعد حين تساءلت، ماذا لو كتبت رواية سياسية أستلهم فيها مأزقي الروحي حيث كنت أنحدر من عائلة من الطبقة المتوسطة العليا وكنت اشعر بالمسؤولية لأولئك الذين ليس لديهم تمثيل سياسي؟ آمنت بفن الرواية. إنه لأمر غريب كيف يجعلك ذلك منعزلًا. قلت لنفسي بعد ذلك، سأكتب رواية سياسية. فبدأت بالكتابة حالما انتهيت من رواية (اسمي أحمر).

 الصحفي: لماذا قمت باختيار بلدة صغيرة مثل قارص؟

باموق: من المعروف أنها واحدة من أبرد المدن في تركيا. وسكانها من أشد الناس فقرًا. في بداية الثمانينات، خصَّصت الصفحة الأولى بأكملها لواحدة من الصحف الكبرى للحديث عن الفقر في قارص. وقام أحد الأشخاص بإجراء حسابات بينت أنك يمكنك شراء المدينة بأكملها بحوالي مليون دولار. وكان المناخ السياسي صعبًا عندما رغبت في الذهاب إلى هناك. محيط البلدة ومعظم سكانها من الأكراد، ولكن مركزها كان يضم خليطًا من الأكراد، والآذريين، والأتراك، وجميع الأنواع الأخرى. وكان هناك عادة الروس والألمان أيضًا. وكانت هناك اختلافات دينية كذلك، الشيعة والسنة. كانت الحرب التي تشنها الحكومة التركية ضد المقاتلين الأكراد شرسة حيث كان من المستحيل أن تذهب كسائح. كنت أعرف أنني لا يمكنني ببساطة الذهاب إلى هناك كشخص روائي، لذلك طلبت من رئيس تحرير صحيفة كنت على اتصال معه أن يحصل لي على إذن مرور كصحفي لزيارة المنطقة. كان شخصًا مؤثرًا واتصل شخصيًا برئيس البلدية وقائد الشرطة ليعلمهم بقدومي.

 وحالما وصلت قمت بزيارة رئيس البلدية وتصافحت مع قائد الشرطة حيث أنهم رافقوني إلى الشارع. في الواقع، بعض من رجال الشرطة الذين لم يكونوا يعلمون بوجودي هناك قبضوا علي واختطفوني، ربما بقصد تعذيبي. لكني على الفور ذكرت لهم الأسماء، أنا أعرف رئيس البلدية، وأنا أعرف رئيس.. كنت شخصية مشبوهة. لأن تركيا حتى وإن كانت من الناحية النظرية بلد حر، فإن أي أجنبي كان مشتبهًا به عادة، واستمرت الأمور هكذا إلى حوالي عام 1999. ونأمل أن تكون الأمور أسهل بكثير اليوم.

 معظم الاشخاص والأماكن في الكتاب لها نظيرها الحقيقي. على سبيل المثال، الصحيفة المحلية التي تبيع 252 نسخة هي حقيقية. ذهبت إلى قارص مع كاميرا ومسجل فيديو. كنت أصور كل شيء، ثم أقوم بعد ذلك بالذهاب إلى إسطنبول وأجعل أصدقائي يطلعون على ذلك. واعتقد الجميع أنني أصبت بالجنون نوعًا ما. كانت هناك أشياء أخرى حدثت بالفعل. مثل المحادثة التي وصفتها مع رئيس تحرير الصحيفة الصغيرة التي يخبر فيها “كا” ما فعله في اليوم السابق، و”كا” يسأل كيف عرف، فيكشف له أنه كان يستمع إلى جهاز اتصال لاسلكي للشرطة وكانت الشرطة تتابع “كا” باستمرار. كان ذلك حقيقيًا. وكانوا يلاحقونني أنا أيضًا.

 قدمني مذيع محلي من على شاشة التلفزيون، وقال إن كاتبنا الشهير يكتب مقالات في الصحيفة القومية وكان ذلك شيئًا مهمًا جدًا. كانت الانتخابات البلدية على الأبواب لذلك فقد فتح الناس في قارص أبوابهم لي. كانوا جميعًا يريدون قول شيء للصحيفة القومية، أن تعرف الحكومة حالة الفقر التي كانوا فيها.

لم يكونوا يعرفون أنني سوف أكتب ذلك في رواية. ظنوا أنني سأكتبها في مقالة. يجب أن أعترف، لقد كان ذلك مضحكًا وقاسيًا بالنسبة لي. على الرغم من أنني كنت أفكر فعلًا في كتابة مقال عن ذلك أيضًا.

 مرت أربع سنوات. أذهب وأعود من وإلى البلدة. وكان هناك مقهى صغير حيث كنت في بعض الأحيان أستخدمه لكتابة وتدوين الملاحظات. وقد دعوت صديقًا لي كان يعمل مصورًا فوتوغرافيًّا، ليأتي معي لأن قارص كانت مكانًا جميلًا عندما تتساقط الثلوج فيها، بعد سماعهم للمحادثة في المقهى الصغير. كان الناس يتحدثون فيما بينهم بينما أكتب بعض الملاحظات، ويقولون: ما هو نوع المقالة التي يكتبها؟ لقد كانت ثلاث سنوات، وكانت وقتًا كافيًا لكتابة رواية. وجعلتني معروفًا.

الصحفي: ماذا كانت ردود الفعل على الكتاب؟

 باموق: في تركيا، كان كل من المحافظين -أو الإسلام السياسي- والعلمانيين منزعجين. ولكن ليس إلى درجة حظر الكتاب أو الإساءة لي. ولكنهم كانوا منزعجين وكتبوا عن ذلك في الصحف اليومية. كان العلمانيون مستائين لأنني كتبت أن ثمن أن تكون علمانيًّا راديكاليًّا في تركيا هو أن تنسى أنك يجب أن تكون ديمقراطيًا. قوة العلمانيين في تركيا تأتي من الجيش. وهذا يدمر الديمقراطية التركية وثقافة التسامح. فمادام الجيش يشترك بشكل واسع في الثقافة السياسية، يفقد الناس الثقة بالنفس ويعتمدون على الجيش من أجل حل جميع مشاكلهم. يقول الناس عادة، البلد والاقتصاد في حالة من الفوضى، دعونا ندعو الجيش لتخليصنا. ولكن عندما يفعلون ذلك، فإنهم يدمرون ثقافة التسامح. يتعرض للتعذيب الكثير من المشتبه بهم. يسجن مئات الألاف من الاشخاص. وهذا يمهد الطريق لانقلابات عسكرية جديدة. وأصبح عندنا حوالي كل عشر سنوات يحصل انقلاب عسكري جديد. وهذا هو سبب انتقادي من قبل العلمانيين. كما لم يعجبهم أنني صورت الإسلاميين كبشر.

وكان الإسلامي السياسي مستاءً مني لأنني كتبت عن أحد الإسلاميين الذين كان يستمتع بالجنس قبل الزواج.. الإسلاميون دائمًا ما كانت تأخذهم الريبة مني لأنني لم أنشأ في ثقافتهم، ولأنني أمتلك لغة، وسلوكًا، وحتى إيماءات لشخص غربي أكثر ومتميز. إنهم لديهم مشاكلهم الخاصة بالتعبير ويتسائلون، كيف يمكن له أن يكتب عنا على أي حال؟ فهو لا يفهمنا. وقد ذكرت ذلك أيضًا في أجزاء من الرواية.

لكنني لا أريد أن أبالغ. لقد نجوت. الجميع قرؤوا الكتاب. ربما كانوا غاضبين، ولكنها علامة على تنامي المواقف الليبرالية كونهم قبلوا بي وبكتابي كما هو. ورد فعل الناس في كارس كان منقسمًا. البعض قال نعم، هكذا كانت الأمور. والآخرون، وعادةً القوميون الأتراك، كانوا غاضبين مني لأني أتيت على ذكر الأرمن. فمعلق التلفزيون، على سبيل المثال، وضع كتابي في حقيبة سوداء فيها رمز معين وأرسلها لي وقال في مؤتمر صحفي إن ما أفعله هو دعاية للأرمن وهذا، بطبيعة الحال، منافٍ للمنطق. لدينا مثل ضيق الأفق هذا، وكذلك لدينا ثقافة متعصبة قوميًا.

 الصحفي: وهل أصبحت للكتاب قضية شهيرة مثل ما حدث مع سلمان رشدي؟

 باموق: لا على الإطلاق.

 الصحفي: إنه كئيب بشكل رهيب، وكتاب متشائم. الشخص الوحيد في الرواية كلها الذي يكون قادرًا على الاستماع إلى جميع الأطراف -كا- يصبح في نهاية المطاف، محتقرًا من قبل الجميع.

 باموق: ربما يكون قد تم تهويل وضعي كروائي في تركيا. كان “كا” بطل الرواية وعلى الرغم من كونه يعرف أنه محتقر من الجميع، فقد كان يستمتع بقدرته على التواصل مع الجميع. كما إن غريزة البقاء عنده قوية جدًا. وقد احتُقِر “كا” لأنهم كانوا يعتبرونه جاسوسًا غربيًا، وهو شيءٌ قيل عني أنا مرات عديدة.

 حول الكآبة، أنا أتفق معك. لكن النكتة لا مفر منها. عندما يقول الناس إن الكتاب كئيب، أسألهم، ألم تكن فيه مواقف طريفة؟ أعتقد أن هناك الكثير من الفكاهة في الكتاب. أو على الأقل كانت تلك هي رغبتي.

 الصحفي: التزامك نحو الرواية جلب لك المتاعب. ومن المرجح أن يجلب لك المزيد من المتاعب في المستقبل. وقد يعني ذلك قتل مشاعرك وأحاسيسك. إنه ثمن باهظ عليك دفعه.

 باموق: نعم، ولكن هذا شيء رائع. عندما أسافر، وليس عندما أكون لوحدي في مكتبي، أشعر بالاكتئاب بعد فترة من الوقت. أنا سعيد عندما أكون وحيدًا في غرفة وأكتب. أكثر من الالتزام بفن أو حرفة، والذي أنا مخلص له، بل هو التزام كونك وحيدًا في الغرفة. أنا لا أزال محافظًا على هذه الطقوس، مؤمنًا أن ما أقوم به الآن سيتم نشره في يوم ما، إضفاء الشرعية على أحلام يقظتي. أحتاج ساعات أنفرد فيها في المكتب مع ورقة جيدة وقلم حبر مثل بعض الناس الذين بحاجة إلى الحبوب للحفاظ على صحتهم. أنا ملتزم بهذه الطقوس.

 الصحفي: إذن، لمن تكتب؟

 باموق: كلما أصبحت الحياة أقصر، فأنت تسأل نفسك هذا السؤال في كثير من الأحيان. لقد كتبت سبع روايات. أحب أن أكتب سبع روايات أخرى قبل أن أموت. ولكن بعد ذلك، الحياة قصيرة. ماذا عن الاستمتاع بها أكثر من ذلك؟ أحيانًا يكون لا بد لي من أن أجبر نفسي حقًا. لماذا أفعل ذلك؟ ما معنى كل ذلك؟ أولًا، وكما قلت، إنها موهبة أو غريزة أن تكون لوحدك في غرفة. ثانيًا، هناك غالبًا جانب التنافس الصبياني عندي والذي يرغب بمحاولة لكتابة كتاب لطيف مرة أخرى. أو من أقل وأقل في مسألة خلود المؤلفين. نحن نقرأ قليلًا جدًا من الكتب التي كتبت قبل مئتي سنة. الأمور تتغير بسرعة كبيرة لدرجة أن من المحتمل أن يصيب النسيان كتب اليوم بعد مئة عام. عدد قليل جدًا ستتم قراءته. في مئتي سنة، ربما خمسة كتب مكتوبة اليوم سوف تبقى. هل أنا على يقين من أنني أكتب واحدًا من هذه الخمسة؟ وهل هذا معنى الكتابة؟ لماذا يجب أن أكون قلقًا من قراءتي في وقت لاحق بعد مئتي سنة؟ ألا يجب أن أكون قلقًا حول أن أعيش أكثر؟ هل أنا بحاجة إلى عزاء أنني سوف أُقرأ في المستقبل؟ أعتقد أنني مع وجود كل هذه الأمور فأنا مستمر في الكتابة. لا أعرف لماذا. ولكنني لن أستسلم. هذا الاعتقاد بأن كتبك سوف يكون لها تأثير في المستقبل هو العزاء الوحيد لديك للحصول على متعة في هذه الحياة.

الصحفي: أنت المؤلف الأكثر مبيعًا في تركيا، ولكن كتبك التي تباع في الداخل أقل من مبيعاتك في الخارج. ترجمت أعمالك إلى أربعين لغة. هل تفكر الآن بالعدد الكبير من القراء على المستوى العالمي عندما تكتب؟ هل تكتب الآن لجمهور مختلف؟

باموق: أنا أدرك أن قرائي لم يعودوا في بلدي فقط. ولكن حتى عندما بدأت الكتابة، ربما أكون قد وصلت لمجموعة أوسع من القراء. والدي كان يقول من وراء ظهر بعض أصدقائه من المؤلفين الأتراك أنهم (يخاطبون فقط القراء في بلادهم).

 هناك مشكلة تتعلق بإدراكك نوعية القراءة، سواء كانت محلية أم عالمية. لا يمكنني تجنب هذه المشكلة الآن. وبلغ متوسط قراء كتابيّ الأخيرين أكثر من نصف مليون قارئ في جميع أنحاء العالم. لا أستطيع أن أنكر أنني أضعهم في الحسبان. ومن ناحية أخرى، لم أكن أشعر أبدًا بأنني أفعل أشياء لإرضائهم. وأعتقد أيضًا أن القراء سوف يشعرون بذلك إن فعلت أنا. لقد جعلت من ذلك شغلي الشاغل، منذ اللحظة الأولى، وحين أشعر بتوقعات القارئ. فإنني أتجنبها، حتى في تكوين الجمل، فأنا أهيِّئ القارئ

ومن ثم أفاجئه. ولعل هذا هو السبب في أنني أحب الجمل الطويلة.

 الصحفي: لمعظم قرائك من غير الأتراك، فإن أصالة الكتابة لديك لها الكثير من الخلفية التركية. ولكن كيف تميز عملك عن تلك الخلفية؟

باموق: هناك مشكلة يسميها هارولد بلوم “القلق من التأثر”، ومثل كل الكتاب كانت عندي عندما كنت شابًا. في أوائل الثلاثينات من عمري ظللت أفكر أنني قد اكون تأثرت كثيرًا بتولستوي أو توماس مان. ورغبت بذلك النوع من النثر اللطيف والأرستقراطي في روايتي الأولى. ولكن حدث لي في نهاية المطاف أنني -على الرغم من احتمالية كوني قد شططت في أسلوبي- كنت أعمل في هذا الجزء من العالم، بعيدًا عن أوروبا -أو هكذا كان يبدو لي على الأقل في ذلك الوقت-، وأحاول جذب جمهور مختلف هكذا في مثل هذا المناخ الثقافي والتاريخي المختلف، فإنه سيمنحني أصالة، حتى لو كان ذو مردود قليل. ولكنها أيضًا مهمة صعبة، لأن مثل هذه التقنيات لا تترجم أو تنقل بسهولة. صيغة الأصالة بسيطة جدًا، تضع معًا اثنين من الأشياء التي لم تكن معًا من قبل. انظر إلى كتاب (إسطنبول)، مقال حول المدينة وكيف ينظر إلى المدينة، بعض المؤلفين الأجانب أمثال فلوبير ونرفال وغوته وكيف أثرت آرائهم على مجموعة معينة من الكتاب الأتراك. جنبًا إلى جنب مع المقال حول اختراع المناظر الطبيعية الرومانسية في إسطنبول وتكون عندك سيرة ذاتية. لم يكن أحد قد فعل هذا من قبل. جازف وسوف تأتي بشيء جديد. حاولت مع (إسطنبول) لأجعله كتاب أصيلًا. أنا لا أعرف ما إذا كنت قد نجحت. كان (الكتاب الأسود)، فهو يجمع بين عالم مشابه لذلك أيضا، الحنين البروستي مع الرموز الإسلامية، والقصص، والحيل، ثم يضعها كلها في المكان الملائم في إسطنبول ويرى ما يحدث.

 الصحفي: كتابك (إسطنبول) يوحي أنك كنت دائمًا وحيدًا جدًا. أنت بالتأكيد وحيد ككاتب في تركيا الحديثة اليوم. أنت كبرت واستمريت في العيش في عالم جعلته قائمًا بذاته.

 باموق: على الرغم من نشأتي في أسرة كثيرة العدد، وتعلمت أن أحب الانخراط في الجماعة، لكنني في وقت لاحق أصبح لدي دافع لأنفصل . حدث لي تدمير للذات وفي نوبات من الغضب ولحظات من الغضب أفعل الأشياء التي تفصلني عن متعة مصاحبة المجتمع والناس. في وقت مبكر من الحياة أدركت أن المجتمع يقتل مخيلتي. أنا بحاجة لآلام الوحدة لأصنع عملي وإبداعي. ثم إنني سعيد. ولكن أن تكون تركيًّا، فبعد حين كنت بحاجة إلى حنان المواساة من المجتمع، والتي قد أكون دمرتها. دمرت إسطنبول علاقتي مع والدتي، ونحن لا نرى بعضنا البعض حاليًا. وبالطبع أنا نادرًا ما أرى أخي. وعلاقتي مع الجمهور التركي، بسبب تعليقاتي الأخيرة، فيها صعوبات أيضًا.

الصحفي: كيف تشعر بنفسك كيف ستكون تركيّتك إذن؟

باموق: أولًا، أنا ولدت في تركيا. وأنا سعيد بهذا. وعالميًا، أنا اشعر ومدرك أنني تركيّ أكثر مما كنت أرى نفسي في الواقع. أنا معروف كمؤلف تركي. عندما يكتب بروست عن الحب، ينظر إليه كشخص يتحدث عن حب عالمي. بالنسبة لي وخصوصًا في بداياتي، عندما كتبت عن الحب، كان الناس يقولون: إنني كنت أكتب عن الحب التركي. وعندما بدأت أعمالي تترجم، كان الأتراك فخورون بها. يعتزون بي باعتباري ملكًا لهم. وكنت أكثر من شخص تركي بالنسبة لهم. حالما تشتهر عالميًّا، فإن هويتك التركية ستتعزز عالميًّا، ومن ثم تتأكد هويتك التركية عن طريق الأتراك أنفسهم، الذين يتملكونك. إحساسك بالهوية القومية يصبح شيئًا له آثار ومعطيات أخرى. يفرض عليك من قبل أشخاص آخرين. الآن هم أكثر قلقًا بشأن التمثيل الدولي لتركيا من قلقهم بشأن إبداعي. هذا يسبب مشاكل أكثر وأكثر في بلدي. ومن خلال ما يقرؤون في الصحافة الشعبية، فإن كثيرًا من الناس الذين لا يعرفون كُتبي بدؤوا يقلقون حول ما أقوله للعالم الخارجي عن تركيا. الأدب مصنوع من الخير والشر، من الشياطين والملائكة، لكن قلقهم يزداد يومًا بعد يوم من شياطيني فقط.

 

من صحيفة الـ باريس ريفيو.