الرئيسية » سياسة واقتصاد » أولمبياد ريو 2016 يكشف عوراتنا الرياضية – أحمد مصطفى
أولمبياد ريو 2016 يكشف عوراتنا الرياضية – أحمد مصطفى

أولمبياد ريو 2016 يكشف عوراتنا الرياضية – أحمد مصطفى

نجحت فى تحقيق الهدف، وهو أنها نظمت واحدة من أكثر الدورات الأولمبية بهجة في التاريخ، كما أعلنت غالبية وسائل الإعلام المحايدة فى العالم. وعلى الرغم من وجود النشل، والزحام الكبير في ريو، إلا أن المشاهدين الذين يتابعون فرقهم الوطنية من جميع أنحاء العالم، يستمتعون بأوقاتهم.

 

ليس ذلك فحسب، ولكن أيضا حتى في الرياضات التي لا يوجد للبرازيل لديها سجل حافل فيها، مثل الجمباز والسباحة، حيث إنها لم تحرز ميداليات، لكنها حققت الأداء المشرّف، المتوافق مع المعايير الإحترافية الدولية.

أما في ما يتعلق بالعامل الاقتصادي الخاص بالأولمبياد، نعلم أن دورة الالعاب الأولمبية لا تقيّم كمشروع صناعي أو تجاري، لأنها وفق تقديرات المؤسسات الاقتصادية العالمية، فلتكلفة الإجمالية المتوقعة لأولمبياد ريو تبلغ نحو 11 مليار دولار، والتقديرات إلى أن الإيرادات المتوقعة تصل إلى نحو تسعة مليارات، مع الأخذ في الاعتبار أن الاقتصاد البرازيلي في نموّ متسارع. والبرازيل واحدة من دول "البريكس"، والقضية الرئيسة هنا في كيفية استدامة الاستخدام المربح في المستقبل للمرافق والبنى التحتية في ريو، بحيث تنعش اقتصاد المدينة، وتجعل السكان يحصلون على الربح من تلك المرافق، لأن الأرباح في معظمها في الوقت الراهن تعود على المستثمرين وليس الشعب، الذى يعانى جزء كبير منه من البطالة والفقر. فكما جرى في أولمبيادي سيدني واثينا، تعتبر مشكلة الاستخدام اللاحق للمرافق الأولمبية بمثابة كابوس بعد انتهاء دورة الالعاب الاولمبية، فعلى السلطات المحلية أن تخطط بشكل جيد لذلك وخصوصا قبل إنطلاق الأولمبياد.

بعيداً عن كل ذلك، الأولمبياد يعد متعة وترفيهاً لا يوصفان، عند مشاهدة لاعبين محترفين من 206 بلداً، يتنافسون تحت شعار "اللعب النظيف – الأعلى والأسرع والأقوى"، وتحت تسليط أضواء وسائل الإعلام العالمية، عندما ينتظر أي بلد أبطاله الرياضيين ليسجلوا رقماً قياسيا أولمبيا أو عالميا جديداً، أو الحصول على إحدى الميداليات الثلاث الأولى فى الترتيب، حيث سيرفرف علمه أعلى من أعلام 205 دولة أخرى، با له من شرف!

بالإضافة إلى ذلك، تعتبر الألعاب الرياضية حالياً، واحدة من مقاييس تقدم وحضارة البلدان، لأنه في الأولمبياد لم تحقق بعض البلدان أي ميدالية من قبل، وقد حققت فيه ميداليات ذهبية، مثل فريق فيجي في رياضة الركبي، وكذلك بعض دول الشرق الأقصى حقق رياضيوها ميداليات في الألعاب الفردية، مثل الرماية الحية، والرماية بالنبال، ورفع الأثقال والملاكمة. ونحن لا نتحدث هنا عن الصين واليابان، لأنهما تتنافسان بالفعل مع الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا، وبريطانيا، وكندا، وألمانيا، وأستراليا، وفرنسا؛ لكننا نتحدث عن إيران، والبرازيل، وكوريا الشمالية، وماليزيا، وتايلاند، وفيتنام، حيث حلت محل بعض الدول العربية مثل مصر والجزائر والمغرب وتونس في الترتيب، والتي تعكس إلى أى مدى تكافح هذه البلدان للفوز بميداليات في الألعاب الأولمبية، وكذلك في توفير الظروف المناسبة للأبطال للفوز، لأهمية الألعاب الأولمبية باعتبارها حدثاً يجري فقط كل أربع سنوات، وأنه أعظم وأكبر من بطولات العالم، لأن الميداليات الأولمبية تسجل في التاريخ.

الشيء السيئ الذي يمكن أن يحدث هو إحالة الخلافات السياسية إلى الألعاب الأولمبية أو الرياضة، لأن الألعاب الأولمبية هي الحدث المهم الذى يوحد العالم كله بغض النظر عن الدين، والعرق، والجنسية، والنوع، وبالتالي فقد تدخل الرئيس الروسى بوتين بنفسه لوقف القرار الجائر الصادر عن " اللجنة الأولمبية الدولية"، القاضي بمنع جميع الرياضيين الروس للمشاركة في ريو، لبعض حوادث تعاطى المنشطات الفردية، في حين مارس بوتين ضغوطاً فى وسائل الإعلام الدولية والمؤتمرات التى حضرها للتأكيد على هذه النقطة، أن الرياضة لا يمكن أن يتم تسييسها على أي حال، وأن ذلك يعد جزءاً من العقوبات التي تمارس من غالبية الغرب على روسيا. وقبلت اللجنة الأولمبية الدولية بمشاركة الرياضيين الروس بشرط استبعاد لاعبي ألعاب القوى، وكذلك أصرت اللجنة الاولمبية الدولية على أخذ عينات الدم اليومية من الرياضيين الروس المشاركين لتحليل المنشطات كإجراء هجومي جداً، فضلا عن أنها أصرت على منع الرياضيين ذوي الإعاقة الروس المؤهلين من المشاركة في دورة الألعاب البارالمبية المخصصة للمعوقين.

وعلى الرغم من ذلك، حققت روسيا ما لا يقل عن 20 ميدالية، ولم يمتثل رياضيوها أبدا لمثل هذه الضغوط التي يمكن أن تجعلهم يفقدون تركيزهم أو أهدافهم، ولكن كما قلت أعلاه أن مستوى الرياضيين أصبح أعلى وأكثر تنافسية من ذي قبل، لأن الصين واليابان تحتلا الآن المرتبة الثانية والثالثة على الترتيب بعد الولايات المتحدة الأمريكية، في حين أن روسيا ليست في الرقم واحد بعد، كما كانت من ذي قبل لعدة سنوات، في ألعاب مثل الجمباز والسباحة، لكن روسيا هي حالة كبيرة جدا في مجال الرياضة ويجب أن تدرس وتراجع جيدا من قبلنا كدول عربية.

 

على العكس من بعض الدول العربية بما في ذلك حتى بلدي مصر، عندما كان هناك نضال للرياضيين المصريين للمشاركة في ريو، وكانت الحالة الأولى للآنسة سارة أحمد، الرباعة المصرية، 18 عاما، التي فازت بالميدالية البرونزية، عندما كان لديها مشكلة قبل معسكر التدريب مع وزارة التعليم بشأن حضور امتحانات الثانوية العامة للقبول فى الجامعة، وكيف كان هناك غياب للتنسيق ما بين اللجنة الأولمبية المصرية، ووزارة الشباب والرياضة ووزارة التربية والتعليم، في وجهة نظري كل منهم مسؤولا عن التقصير، حيث إنه يجب أن تحل جميع مشاكل البطل الأوليمبي وخصوصا عندما تكون فقط المشكلة مشكلة إدارية، الأمر الذي سيجعلها تركز، وكان يمكنها جلب الميدالية الذهببية أو الفضية.

الحالة الثانية أيضا لحامل الميدالية البرونزية الرباع المصري السيد محمد إيهاب، 25 عاما، الذي جعلنا نبكى وفقا لإصراره على الفوز بميدالية، وبعد ذلك عندما تمت استضافته من قبل بعض القنوات الرياضية العربية، فأقر أنه قد عانى كثيراً مالياً لحضور أولمبياد ريو، وأنه قد إقترض المال من كل الناس من حوله لإعداد نفسه جيدا لدورة الألعاب الأولمبية ورفع اسم مصر عاليا، الأمر الذي جعلني أتساءل، أين هو دور اللجنة الأولمبية المصرية ووزارة الشباب والرياضة؟ أين هم أصحاب البليونات المصرية، الذين يملكون وسائل الإعلام، وأصحاب العقارات الكبيرة، والمجموعات التجارية والصناعية الكبرى من هؤلاء الشباب الجادين؟ لماذا يجب علينا اللجوء إلى القوات المسلحة المصرية لرعاية الرياضيين لدينا، فى حين أنه ليس دورها؟ وبعد ذلك نطلب من القوات المسلحة البقاء بعيدا عن حياتنا المدنية.

الحالة الثالثة، هي قضية الرامي الكويتي السيد الديحانى، حامل الميدالية الذهبية في ريو، لأنه وفقا لهذه المشكلة الإدارية الداخلية بين اتحاد الرماية الكويتي واللجنة الاوليمبية الكويتية، تم رفض إرسال أي رام للمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية ريو تحت علم الكويت، الأمر الذي جعل الديحانى يلجأ إلى اللجنة الأولمبية الدولية للمشاركة باللعب تحت علمها، بدلا من الكويت دولته، مثل اللاجئين، الذين شاركوا للمرة الأولى في دورة الالعاب الأولمبية تحت نفس العلم، واضعين في اعتبارنا أن الديحانى حصل على الميدالية البرونزية في الرماية في دورة الألعاب الأولمبية لندن 2012، وتلك الكارثة حرمت الكويت من وضع هذه الميدالية الذهبية فى حسابها لغباء الإدارة، حيث تؤول هذه الميدالية الآن إلى اللجنة الأولمبية الدولية.

الحالة الرابعة، استيراد الرياضيين المغتربين للعب تحت علم بلد ما بمقابل مادي، وخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذى لا نحترمه لأنه إذا كان مثل هذه المبالغ المدفوعة للمغتربين يتم استثمارها في زيادة القدرات الرياضية المحلية، فإنها ستبرز الكثير من الأبطال الوطنيين في المستقبل على المدى البعيد، لأن هذه الحالة تذكرنا باستجلاب المرتزقة، لأنه لا يمكن إقناعنا أن المغتربين سوف يصبحوا مواطنيين أو وطنيين في يوم وليلة، وماذا إذا تعرضت مثل هذا الدول "مجلس التعاون الخليجي" إلى إعسار كبير أو حرب، هل سيبقى المغتربين أم سيغادرون؟!

واقعا، كشفت أوليمبياد ريو عورات العرب الرياضية، لأنها أظهرت مدى تخلف العرب (وأنا أنتمي إليهم) في مجال الرياضة، ومدى أهمالنا شبابنا العربي، وكم لدينا من تخلف ونقص ثقافي وحضاري، و كم بددنا مواردنا في تدمير شبابنا لا تنميتهم ونشر الكراهية الدينية والطائفية، وكم هو عجز الخطط لدينا وأن خطة 2030 هي مجرد مزحة كبيرة، ولدينا شكوك في أن الجامعة العربية قد التقت حتى لمرة واحدة لحل مشاكل الشباب، وأن صندوق الشباب العربي فارغ، وأين هى الإستراتيجية العربية الرياضية حتى لدورة الالعاب الاوليمبية فى طوكيو 2020؟ !

في النهاية، نحن لا نريد إحباط الشباب العربي، ولكن يجب أن نتحرك علميا، مع وضع خطة رياضية جيدة الصنع مع إستراتيجية قابلة للتطبيق لتنفيذ تلك الخطة مع جدول زمني محسوب جيداً، ووجود تنسيق بين الجهات المعنية مثل وزارة الشباب، ووزارة التربية والتعليم، واللجنة الأولمبية الوطنية لحل مشاكل الرياضيين، وبطبيعة الحال الكفالة المالية مهمة جدا للرياضيين، لأن معظم لاعبينا يعانون من الحاجة إلى الدعم المناسب، ومن ثم إما الحكومات، أو القوات المسلحة، أو رجال الأعمال أو الجامعات يتوجب عليها رعاية الرياضيين المؤهلين ماليا وفكريا، لأن الرياضيين يجب أن يعرضوا لبرامج ثقافية تحتوى على مهارات التقديم، والعلاقات العامة والمهارات اللغوية، حيث أنهم يمثلون بلداننا كسفراء وسط الآلاف من اللاعبين من جميع أنحاء العالم، وينبغي أن يكون سلوكهم راق، إلى أقصى حد ممكن، الأمر الذي يترك انطباعات جيدة على الرياضيين من البلدان أخرى.

وأخيرا، دورة الالعاب الاولمبية هي فرصة حقيقية وجيدة بالنسبة لأي بلد مشارك، وتعتبر أيضا بمثابة حملة مجانية للعلاقات العامة الدولية، فهل نغتنم هذه الفرصة بطريقة مثالية؟ وإلا فإننا سوف نبكي على اللبن المسكوب كالمعتاد. وسأقتبس حديث الرسول محمد عليه الصلاة والسلام: "علموا أبناءكم السباحة والرماية وركوب الخيل"، كلمات قيلت قبل 1500 سنة، فهل نحن ملتزمون بما قال النبي؟ !

 

الكاتب:  أحمد مصطفى (باحث اقتصاد سياسي – عضو كودسريا)

المصدر: خاص – "المجموعة الاسترتيجية"

 

 

 

كلمات مفتاحية: أولمبياد ريو، البرازيل، ديو دجينيرو، الرياضيون العرب، مصر، الكويت، مجلس التعاون الخليجي