الرئيسية » حضاريات » عرب بلا فضائيات – امينة حيري
bl_fdyyt.jpg

عرب بلا فضائيات – امينة حيري

فوجئ الجميع بأن أعصاب السكان قد استرخت وملامح وجوههم قد استكانت ومصدراً ما للبهجة قد استشرى في الأرجاء وذلك على رغم بقاء الأوضاع الاقتصادية على صعوبتها، والأحوال الاجتماعية على تعقدها.وفي عاصمة عربية أخرى، عاد رجال القرية يجتمعون حول أكبرهم سناً في المقهى حيث يحكي لهم ما سمعه في المحطة الإخبارية، ويحلل لهم ما فاتهم من أخبار.وفي مقهى في وسط المدينة، اضطر العاملون إلى تضييق المساحات بين المقاعد المتراصة لتستوعب أكبر عدد ممكن من الزبائن الذين قدموا من كل حدب وصوب ليشاهدوا المباراة التي لا سبيل لمشاهدتها إلا من خلال اشتراك لا يقوى على دفعه سوى صاحب المقهى. وقد ساهمت هذه الجمهرة الشعبية في توطيد أواصر الصلة المفقودة بين أبناء المنطقة وذلك بفعل التكنولوجيا وتحت وطأة الشبكة العنكبوتية التي فرقت ولم تجمع بينهم.وفي عمارة رقم سبعة اجتمع أفراد الأسرة الممتدة الذين لم يجتمعوا منذ ما يقرب من عقد ونصف العقد أمام شاشة يتيمة في بيت الجد والجدة حيث تابع الجميع من أبناء الأجيال الثلاثة المتعاقبة أحداث المسلسل الجديد. تبادل الجميع الحديث، وتكهن البعض بالأحداث، وترحم الكبار على زمن فات، وضحك الصغار على فروق جذرية بينهم وبين الأجداد.وفي منتصف نهار الإجازة، هرع الصغار ليتمركزوا أمام الشاشة الفضية التي تعرض برنامج «عالم الحيوان» مصحوبة بتعليق صوتي عربي يشرح ما يحدث ويربطه بقدرة الخالق.وينتهي البرنامج ليتمسك الصغار بتلابيب الشاشة رغبة في متابعة «توم وجيري» التي لا تبث إلا في يوم الإجازة. ولكن ما أن دقت الساعة التاسعة حتى وجدوا أنفسهم مضطرين للخلود إلى النوم، حيث نشرة الأخبار الرئيسية التي لا تعاد أو تعوض. يظهر المذيع ببدلته الأنيقة سارداً الأخبار التي ينبغي أن تصل إلى مسامع المواطن. التقى الرئيس فلان. وأجرى مكالمة هاتفية مع علان.انتهت النشرة والجميع معتقد أنه بات ملماً بما يجري حوله وإن كانت الحقيقة أنه ملم بما يكفي أن يكون ملماً به من دون خسائر أو مكائد أو فتن.لقد انتهى عصر السموات المفتوحة، وعاد زمن السموات الموصدة، وولت سنوات الأخبار بنكهة الجماعات والمجموعات والميليشيات، وآبت سنوات الأخبار التي تضمن وحدة الشعوب وتدرأ فتن تكاثر الفضائيات لمن يملك المال في شرق أوسط جديد.