الرئيسية » حضاريات » انتفاضة الوصفاء – الجزء الأول من دراسة ثورة الشيعة – تأليف احمد صبري /خصيصا للموقع/
fy_lkwf.jpg

انتفاضة الوصفاء – الجزء الأول من دراسة ثورة الشيعة – تأليف احمد صبري /خصيصا للموقع/

ويبقى السبب الأخيرة وهو ما استطاعت السلطتان العباسية والأموية فرضه على الواقع الإسلامي سواء المؤيد والمعارض فيما يخص كافة الحركات الاجتماعية الثورية التي قامت في وجههما، وهو الاتهام بالغلو والكفر والإلحاد(!)(1)، وقد استجابت الأدبيات الشيعية في فترة لاحقة لهذه الاتهامات لعدة أسباب لعل أهمها الصراع الذي نشب بين الاتجاهات الإثنى عشرية المُختلفة(!)(2) عقب اختفاء الإمام الثاني عشر (260 هـ)، وقد احتوت المصادر الإثنى عشرية الموالية للوكيل الأول عثمان بن سعيد العُمري(!) على العديد من الاتهامات تجاه قيادات الاتجاهات الأخرى والتي لم يقدر لها البقاء سوى مجموعة محمد بن نصير النميري(!)(3)، كما شهد العالم الإسلامي عقب اختفاء الإمام الثاني عشر صعود بعض الأسر الإثنى عشرية إلى السلطة والسيطرة على الدولة العباسية(4)، وعلى الرغم من ولاء هذه الأسر للمذهب الشيعي كمذهب فقهي إلا أنها لم تعد تستطيع الارتباط بتراث أئمة هذا المذهب بعد أن ارتبطت مصالحها كأسر حاكمة بالوضع الطبقي السائد، وأصبحت الثورية التي يتميز بها المذهب تمثل خطورة عليها، وبالتالي فقد وجدت الكثير من الافتراءات عموماً على هذه الاتجاهات الثورية وقد صبت في مصلحة العباسيين والأسر الشيعية الحاكمة.

   إننا لا نستطيع فهم دوافع هذه الانتفاضة أو خلفياتها بعيداً عن دراسة الأوضاع والتطورات الاقتصادية والاجتماعية السائدة في المنطقة، ووضع الشيعة الطائفي والسياسي في الكوفة، والتي قد تبرر سبب الذعر الذي انتاب الوالي الأموي بعد سماعه لهتافات الموالين للانتفاضة، ثم الوسيلة البشعة التي لجأ إليها لعقاب قياداتها(5)، كما لا يمكننا الاعتماد بكل ثقة في هذه الدراسة على ما هو سائد حول شخصيات قيادات الانتفاضة وما تحويه كتب الفرق والرجال من مرويات منسوبة إلى الأئمة من آل البيت تثير حولهم قدراً كبيراً من التعتيم المقترن بالتشويه لمبادئهم، والواقع أن مقارنة هذه التصورات السائدة عن رموز انتفاضة الوصفاء بالأحداث التاريخية سوف يظهر قدراً كبيراً من التعارض يثير الشك في مدى مصداقيتها. ويبدو إن من الضروري على الباحث التاريخي القيام بدراسة الأوضاع الطبقية والطائفية لأصحاب هذه المصادر والمؤلفات لتحليل أسباب تبنيهم ونشرهم لهذه الآراء.

   لقد أفدت في هذه الدراسة من المادية التاريخية كمنهج يمنح الصراع بين القوى المنتجة التأثير الأكبر في حركة التاريخ، مع الوضع في الاعتبار أهمية العوامل البيئية والحضارية والتي انتبه إليها ماركس في رصده لأسباب اختلاف تطور أنماط الإنتاج في الشرق عن الغرب :- " إن كل نمط إنتاج قابل لأن يتطور في اتجاهات متباينة تبعاً للظروف الخارجية وتبعاً للوسط التاريخي الذي تواجد فيه "، ويشير إلى أن " البنية الداخلية لكل نمط إنتاج بما ينطوي عليه من تعارضات تتطور تبعاً للظروف في اتجاهات وأشكال وسرعات متباينة "(6)، وهو بالتالي المنهج الأكثر صلاحية للتعامل مع هذا الكم من النصوص والآراء المتضاربة التي احتوتها كتب علم الرجال والفرق، والتي لا يمكن التعامل معها باطمئنان إلا في إطار البحث عن بعض أحوال الشخصيات الفاعلة، كالانتماء الاجتماعي والسياسي، وربما كان ما تحويه هذه المصادر من مرويات متضاربة تدليل على أنها تخضع في أحكامها لانتماءات المؤلفين الاجتماعية والسياسية والعقائدية.

 

   تمهيــد : أوضاع الشيعة عقب فشل ثورة المختار بن أبي عبيد :

   كانت النتيجة الأكثر أهمية لثورة المُختار هي بروز تيارات متباينة العقائد والرؤى السياسية والتنظيمية داخل الصف الشيعي، وعلى الرغم من أن هذه التيارات كانت جميعها تدين بالولاء للأئمة من نسل الحسين كما تتفق في المعتقدات الدينية والسياسية الرئيسية، إلا أن الخلافات نشبت بينها في تفاصيل هذه المعتقدات وألقت بظلالها على الأوضاع التنظيمية والتي اختلفت بالأساس في موضوع كيفية قيادة ثورة كبرى تعيد للأئمة حقوقهم المسلوبة.

   إن مكمن هذا التفتت التنظيمي الذي أصاب الشيعة تمثل في الخلاف العقائدي حول " طبيعة الأئمة "، والذي يبدو أنه أثير على مستوى واسع أثناء وعقب ثورة المختار بن أبي عبيد، خاصة أن البيت الإمامي عقب ثورة الحُسين إضطُر للانقطاع لفترة عن ممارسة دوره التقليدي في الأوساط العلمية بسبب خضوعة للرقابة الشديدة من قبل مخالفيه، ومن الممكن ملاحظة أن التيارات الشيعية انقسمت حول هذا الخلاف ما بين يمين ووسط ويسار، وقد ضمت خارطة اليمين العناصر البورجوازية والإقطاعية المُنضمة إلى التشيُع وعلى الرغم من تأثرها بالروح التقليدية للتشيع والتي تنحاز إلى الطبقات الكادحة إلا أن انتمائها الطبقي كان مؤثراً بوضوح في عقائدها فقد رفضت بعض شرائح هذا التيار الإيمان بعصمة الأئمة() واكتفت بالإيمان بطهارتهم عن الرجس كما نصت الآية القرآنية(7) وقد اضطرهم هذا الخلاف للفكرة السائدة عند الشيعة عن العصمة إلى خلاف آخر حول علم الأئمة، فاعتقدوا بأن الأئمة هم الأعلم وإن كانوا يلجئون في بعض الأحكام إلى الرأي(8)، كما رفضوا الأيمان بعقائد أخرى مرتبطة أيضاً بالأئمة كالبداء والرجعة(9)(!)، وثمة شرائح أخرى لم تجنح في الخلاف إلى هذه الدرجة، وخاصة فيما يتعلق بعصمة الأئمة، فسلمت بأن الأئمة معصومون إلا أن ذلك لا يمنع من إمكانية سهوهم في غير الأحكام الدينية(10)، ووجد تيار آخر اتفق مع الغالبية الشيعية في الاعتقاد بعصمة الأئمة من ارتكاب الذنوب إلا أن أقطابه ناقشوا مسألة علم الإمام بالأحكام الدينية واعتقدوا أن الأئمة لم يكونوا يعلمون الكثير من الأحكام حتى ينكت في قلوبهم(11)، وهو ما يعني جبرية كل من عصمة الإمام وعلمه، كما نفت تيارات أخرى قدرة الأئمة على الإتيان بالمعجزات(12).

   الواقع أن دوافع معظم المنتمين لهذا التيار كانت مرتبطة بقرابة العلويين للنبي(ص) أكثر من أي شيء آخر، كما اقتصرت برامجهم السياسية على المطالبة بحق الأئمة في الحكم، وبالتالي فقد كان رفض المنتمون لهذه التيارات اليمينية المشاركة في الثورات والانتفاضات الشيعية التي لم تخضع للقيادة المباشرة للأئمة أو على الأقل لقيادة علوية تنوب عن الأئمة يمثل انحيازاً للانتماء القبلي لهؤلاء الأئمة أكثر من الإيمان بالمبادئ والعقائد التي يدعون لها(!).

   بالنسبة لتيار الوسط العقائدي فقد ضم أكثرية من التجار والحرفيين(13)(!)، وقد حظت شخصيات الأئمة بقدر أكبر من القدسية في عقائد هذا التيار كالإيمان بعصمتهم الكاملة وعلمهم التام بأحكام الشريعة والاعتقاد بالبداء والرجعة(14)(!)، وعلى الرغم من تميز هذا التيار من الناحية العقائدية إلا أن قيادته لم تشكل تنظيماً سياسياً مستقلاً ومن الممكن أن يكون المنتمون له قد شاركوا في بعض الانتفاضات الشيعية بمختلف اتجاهاتها العقائدية، مما يجعلنا نرجح أنه كان منتشراً فقط في أوساط مجموعة من المثقفين والمنظرين ولعل ما يؤيد هذا التصور هو أن الشخصيات الكبرى المؤثرة في هذا التيار كلها من المناظرين والمتكلمين والذين تخصصوا في الرد على الشبهات التي يثيرها أتباع الفرق الأخرى ضد التشيع(15)، كأبو جعفر الأحول(!)، وهشام بن الحكم(!)، وتشير المصادر التاريخية أن بعضهم كان من العاملين في البلاط العباسي(16)، وربما كان ذلك من أسباب عدم وجود حركة سياسية منظمة لهم.