الرئيسية » سياسة واقتصاد » عن غياب الديموقراطية وسبات العقل – علي نسر.
عن غياب الديموقراطية وسبات العقل

عن غياب الديموقراطية وسبات العقل – علي نسر.

إلا أنّ هناك شبهَ اتفاق يفرض نفسه، وهو ضمور الفكر بسبب تحجيم العقل، الأداة الأساسية للتفكير. وهذا يعود إلى العناصر البنيوية التحتيّة والمركّبات التكوينية لهذه الأداة، وبهذا لا يمكن أن نحدّد ماهيتها وهويتها من خلال نتائجها، بل ينبغي النظر في تلك الجبلة التي انبثق من صلصالها ذلك العقل القانع بعدم تبديل الثوابت، فيعمل على تثبيت المتغيّرات. وكثيرة هي الأسباب التي غاص المفكّرون في أعماقها، مستعرضين العوامل التي تحول بين العقل العربي/ الإسلامي وحركة التطوّر أو التقدّم. ومن هذه الأسباب التي تستوقفنا، تلك التي يردّها الباحث صقر أبو فخر في كتابه «الدين والدهماء والدم»، إلى أسباب جغرافية وبيئية، أسهمت في تشكيل العقلين العربي والغربي. فقد نشأ العقل الغربي، والإغريقي بشكل خاص، ضمن بيئة بحرية تحرّض على حبّ الاكتشاف لما وراء تلك الجبال المائية. وقد أسهم ذلك في ولادة ما يُعرَف بالبطل التراجيدي فلسفيًّا وفنّيًا، ذلك البطل الذي تحرّكه آلهة ترسم له أقداره. وبرغم هذه الأقدار المحتومة، لم يستسلم لها بل حاول التحكّم بقدره وعمل على تغييره، فاستجابت الآلهة التي كانت تعدّل على ما ترسمه استجابة لحركة الإنسان، وحين انتهى من صراعه مع الآلهة، توجّه إلى مقارعة الطبيعة، فسخّرها لخدمته. بينما حصل العكس في بداية تكوين العقل العربي، ذلك العقل الذي نشأ في صحراء كلّ ما فيها تحرّكه انفعالات كالخوف والقلق والاستماتة في الحفاظ على الوجود. صحراء كرّست حالة الاستسلام العقلي والاستكانة والاقتناع بأن لا يكون للمرء دور في تحديد مساره واختياراته. فجلّ ما كانوا يفعلونه انتظار الفرج، سواء الفرج الآتي من المطر النادر، أم من خلال الحصول على واحة صدفةً أو بعد حروب لا تعير للعقل أي اهتمام… فنما العقل على صدر الاستسلام والدعاء والاستسقاء من دون البحث عن ابتكار شيء من مقوّمات الحياة واستمرارية الوجود علميًّا بعيدًا من العنف.

وبرغم الانقلاب الجذري الذي أحدثه ظهور الإسلام، وبرغم الحثّ على التفكّر والتدبّر، إلا أنّ العقل ظلّ مسجونًا في قفص لا يتجاوزه، فهو الجوهر المفصول عن الكائن البشري، وجلّ ما يمكنه القيام به هو إثبات الدليل على قدرة الخالق ومشيئته. وبهذا، أصبح الإنسان كأي شيء مصنوع، له تصوّر وتحديد مصير قبل ولادته، برغم أنّ الله ميّز خليفته على الأرض بما يتحلّى به من قدرة على التطوّر والتعلّم منذ أن اقتنع الملائكة بتميّزه وبأنّه يستحقّ السجود.

لقد جنى المفكّرون المسلمون، الغيورون على الدين والمتآمرون على الجوهر الديني، حين تعاملوا مع الانسان المختلف، باحتقار كما فعل المسيحيون في الغرب قبل الثورات المدنية التي أعادت الاعتبار إلى الإنسان والدين معاً. فقد نسي هؤلاء أنّ الإنسان هو غاية الغايات، وما تفضيل الله البشر على غيره من الكائنات، ومنها الملائكة، إلا لأنه يحمل بذرة منه. فالآدمي شريك في المعجزات السماوية على اختلاف أنواعها وأنبيائها، وعلى رأسها المعجزة الإسلامية التي تقوم على ركيزة بشرية أساسية وهي فعل الكلام. لقد تجاهل هؤلاء بحجة الدفاع عن صفاء النبع والارتداد إليه، الإنسان، لما يحمله من قدرة على التعلّم والتطوّر حين اكتفى الملائكة والراسخون في العلم بما يعلمون قائلين آمنّا به كلّ من عند ربّنا، بينما تعلّم الإنسان المتفلّت من القوالب الجاهزة، الأسماء كلّها وطُلب منه أن يسير في الأرض لينظر كيف بدأ الخلق وكيف كانت عاقبة الأوّلين. لقد عمل هؤلاء على تكسير أجنحة الإنسان، الذي تميّز ببحثه عن هويته وماهيته عبر اختياراته وتحديد مساراته الصعبة، فأقنعوه بأنّ الإقرار بالعجز عن اقتحام الماورائيات يعدّ رسوخاً في العلم بحدّ ذاته.

تجيء كرامة الانسان، كما يرى المفكّر السوداني المسلم، والّذي اتّهم بالردّة فأُعدم (محمود محمد طه)، من كونه، أي الإنسان، أقدر الأحياء على التعلّم والترقي، وليس من وسيلة يمكن أن توفّر للإنسان فرصة بلوغ منازل الكرامة والشرف، مثل الديموقراطية. لأنّ المجتمع الديموقراطي، يقوم على التجارب والتعلّم من أخطاء الأفراد. وهذه هي الطريقة المثلى للتعليم. لكنّ حكم الفكر الأوحد ذي الحقيقة الوحيدة الجانب، والزعيم الذي لا بديل عنه، من خليفة وإمام وحاكم ديكتاتوري، يمنع الفرد من التجربة بنفسه، ما يؤّدي إلى تعطيل للنموّ الفكري والعلميّ والفنيّ. لأنّ العقل يتوقف نموّه على ممارسة العمل، وتحمّل المسؤولية قولاً وفعلاً. وهذا يحتاج إلى جوّ من الديموقراطية الّذي يوفّر بيئة حاضنة تسمح بارتكاب الأخطاء حتى في معالجة الثوابت الجوهرية وفلسفتها. وفي هذه البيئة، يستطيع الفرد أن يمارس الأمانة التي حملها، وهي حرية الاختيار وتصحيحه باستمرار. وهذا ما دعا إليه رسول المسلمين نفسه حين قال: إن لم تخطئوا وتستغفروا فسيأتي الله بقوم يخطئون ويستغفرون فيغفر لهم.

 

المصدر السفير