الرئيسية » سياسة واقتصاد » أمريكا وتحديات ترامبية – كه يلان محمد
أمريكا وتحديات ترامبية - كه يلان محمد

أمريكا وتحديات ترامبية – كه يلان محمد

كما أن مشروع إنشاء التحالفات لا ينجح إذا لم توفر له أمريكا غطاء مُحْكماً، من هنا نتفهم لماذا يراقب العالمُ عن كثب حملة الإنتخابات الأمريكية ولا نُغالي في القول بأن عملية الإنتخابات هي جزء من القوة الناعمة للولايات المُتحدة.

لا يبدأُ الإهتمام بالإنتخابات الأمريكية مع معرفة هوية من يكون مرشحاً رئاسياً في كل من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بل يهتمُ المراقبون بالإنتخابات التمهدية لفهم المبادىء التي يبني عليها الحزبان سياستهما لأربع سنوات قادمة.

في عام 2008 قد جذب باراك أوباما وهو من أصل السود نظر العالم إلى درجة قال أحدُ المتابعين بأنه لو حق لغير الأمريكيين التصويت لما فاز غير أوباما فالأخير قد أراد فتح صفحة جديدة في السياسة الأمريكية ويطوي سجل الحروب، وبذلك قد إستعادت أمريكا إعتبارها المعنوي لما تمتلكه من القدرة على التجدد وتلافي الثغرات في نظامها السياسي ،لكن منذ إنتخاب أوباما قبل ثماني سنوات حتى الآن قد جرت مياه كثيرة تحت الجسور قد تعقدت الأوضاع في بعض دول الشرق الأوسطية وفضلت الإدراة الأمريكية سياسة عدم التدخل المباشر في الأزمات ما فسر بعضُ المحللين هذا الموقف بأنه ناجم من فشل أمريكا في أفغانستان والعراق. بجانب ذلك يهدد خطرُ التفكك المجتمعات الأوروبية بعد صعود التيارات اليمنية. وهذا الخطاب المُعادي للأجانب هو ما يعتمدُ عليه المرشح الجمهوري في حملته الإنتخابية للفوز بمقعد الرئاسة الجمهورية، في مستهل جولته قد توقع المراقبون بأن ترامب فقاعة ستنقشع لاسيما أن نسبة كبيرة من نخبة الحزب الجمهوري ما إقتنعت بجدارة الملياردير بأن يكون رئيسا للولايات المتحدة لكن إعلان ترامب مرشحاً رسمياً للحزب الجمهوري في السباق نحو البيت الأبيض بعد نهاية مؤتمر الحزب الجمهوري في كيلفلاند بولاية أوهايو يُعتبر مفاجأة كبيرة ،إذ خيّبَّ ترامب آمال خصومه عندما تحروا عن البدائل لحؤول دون تنصيب ترامب مرشحاً للجمهوريين.

الآن قد تبين الخيط الأبيض من الأسود فأصبح إسم المرشحين الرسميين ترامب من الجمهوريين وهيلاري كلينتون من الديمقراطيين مُهيمناً على كل وسائل الإعلام وسيترقبُ العالمُ إقامة المُناظرات بين الأثنين، يُذكر بأنَّ هيلارى كلينتون سبق لها أن تنافست مع أوباما لتكون مرشحة الديمقراطيين في إنتخابات عام 2008 كما قضت أربع سنوات في البيت الأبيض كسيدة أولى إضافة إلى تمثيلها لنيوريوك في مجلس الشيوخ وإدارتها لوزارة الخارجية في الدورة الأُولى من ولاية أوباما. وذلك يعنى أنها ليست شخصية مجهولة على المستوى العالمي لكن هذا الأمر يخدم كلينتون من جانب كما يعطي الفرصة لخصمها لإنتقاد مسيرتها السياسية من جانب آخر، ويضيق مساحة مناوراتها.لذلك ثمة من يعتقدُ بأن هيلاري لن تَخرجَ من جلباب أوباما وإذا فازت ستكون سياستها إمتداداً لما إنتهجه سلفها.

وتراهن كيلنتون على كونها أول مرشحة في سباق الرئاسة وذلك تبين بوضوح في خطابها بفيلادلفيا. وتفهم من خطابها بأن أمريكا إذا أرادت فعلا تجاوز الحاجز الذي يفرق بين الجنسين فلابُدَّ للناخب أن يصوت لهيلاري كما صوت لصالح إنتهاء التفرقة العُنصرية بإنتخاب أوباما. بالمقابل يتبنى ترامب أسلوباً إستعراضياً فشعاره الأساسي (لنجعل أمريكا دولة عظيمة مُجدداً).كما أنَّ شعاراته تَنمُ عن التعصب والعدائية ضد اللاتينيين والمسلمين فهو يعدُ بمنع دخول المسلمين إلى أمريكا وطرح فكرة بناء سور عازل بين أمريكا والمكسيك لمعالجة مشكلة المهاجرين.صحيح قد تبدو سلوكيات ترامب تهريجية غير أنه قد فرضَ نفسَهُ في دائرة الأضواء وكسب مساحة واسعة إعلامياً ،يحاول أنصار الحزب الديمقراطي تصوير ترامب كخطر على العالم وإقناع المواطن الأمريكي بأن بلادهم ستخسر كثيرا من مصداقيتها بفوز ترامب. بمعنى سيكون الرأي العام العالمي أداة في حلبة الإنتخابات الأمريكية.

وقدعبر قادة بَعض الدول عن آرائهم حول كلا المرشحين.

 وتفاوتت مواقِفُهم طبعاً كل دولة تُحددُ رؤيتها من القادم إلى الأبيض بناءً على مصالحها الإستراتيجية. ما هو مؤكد في هذه العملية الإنتخابية أن التركيز سيكون على الميليادير دونالد ترامب كونه وجهاً جديداً وصاحبَ تصريحات ومواقف صاخبة ولولا وجود ظروف مواتية داخل الولايات المُتحدة ما كان قاب قوسين أو أدنى من البيت الأبيض إذ تصاعدت النبرة العُنصرية في المُجتمع الأمريكي وتفشت ظاهرة الإعتداء وقتل السود ما دفع بباراك أوباما إلى الإعتراف بأن ظاهرة الفصل العنصري في أمريكا لم تنتهِ فضلاً عن ذلك هناك مناخ عام على المستوى العالمي يخدم الخطابات العُنصرية ويُهدد مفهوم التعايش بين قوميات متعددة داخل مجتمع واحد. وإذا كان هناك ما يوحد العالم في الوقت الراهن فهو محاولات لدرء خطر الإرهاب بينما المشاريع الأخرى آخذة في الأفول يعملُ ترامب بهذا الإتجاه فهو لا يرى ضرورة ً في تحمل أمريكا لتكاليف حماية دول وكيانات أخرى كما إنتقد مشروع الإدارات السابقة لتصدير الديمقراطية لمناطق تحكمها أنظمة دِكُتاتورية على مر التاريخ وبذلك تبدو أمريكا ترامب مُنكفئةً أكثر. من هنا نرى تفوق المرشح الجمهوري على هيلاري كلينتون لناحية وضوح الرؤية والأجندة في حين أنَّ هيلاري تعيدُ طرح ما قد سبق إليه غيرها. كأن دونالد ترامب راغب بأن لا يكون شبيهاً للسياسيين الآخرين لأنَّ المواطنين قد ملَّوا من تشابه المرشحين في برنامجهم بل قد صارت الخطوط الفارقة بين التيارات السياسية باهتةً.يريدُ ترامب المتراوح بين الحزبين قبل إنضمامه إلى الحزب الجمهوري أن يظهر بصورة إنسان عصامي أو أن يتحول لنموذج جديد للولايات المُتحدة الأمريكية.

أياً كانت التفسيرات لظاهرة ترامبية وإحتمالات تتويج هذا المرشح المثير للجدل رئيسا للولايات المتحدة فإن ما لا يمكن التغافل عنه أنَّ ترامب إنتاج للمجتمع الأمريكي وأن شعاراته الحادة التي يطلقها في مناسبات جماهيرية وفي سياق حملاته الدعائية ما هي إلا إنعاكس لما يسود في أمريكا من مزاج متوتر وعقلية إقصائية لذلك لا يصح الإستناد إلى التحليلات العابرة والعاطفية لفهم ما يشهده المجتمع الأمريكي من منازلة إنتخابية بين ترامب وهيلاري.

 

الكاتب: كه يلان محمد (كاتب عراقي)

المصدر   القدس العربي

 

كلمات مفتاحية: الانتخابات الأميركية، المصالح الإستراتيجية، ترامب، كلينتون، الشرق الأوسط،