الرئيسية » سياسة واقتصاد » الولايات المتحدة: اختبار لروسيا في سماء سوريا – بقلم الجنرال ليونيد إيفاشوف، ترجمة: ميشال يمين
sqt_tyr_sw22_fy_ryf_hlb.jpg

الولايات المتحدة: اختبار لروسيا في سماء سوريا – بقلم الجنرال ليونيد إيفاشوف، ترجمة: ميشال يمين

إن الأمريكيين – الشركات الأمريكية والبنتاغون الأمريكي والاستخبارات الأمريكية – هم من يقف وراء الكارثة التي حلت بالشرق الأوسط وسوريا، بل هم عن حق وحقيق منظمو العدوان إياه. وإن أهداف الولايات المتحدة الاستراتيجية هي دفع إيران إلى التصادم مع المملكة العربية السعودية وتركيا، والشيعة مع السنة، وإطلاق مسيرة زعزعة الاستقرار في جميع أنحاء المنطقة – وخاصة البلدان المنتجة للنفط والغاز، بغية السيطرة عليها وخلق "رأس جسر من الإسلاميين" للضغط على روسيا والصين والهند. هذا هو هدفهم، بغض النظر عن اسم الرئيس القابع في البيت الأبيض. والحقيقة البديهية التي يجب أن تكون أمراً مفروغا منه هي أن الأميركيين قد يقبلون باتفاقات ما ويلتزمون على الأقل جزئيا بتنفيذها فقط اذا واجهوا مقاومة حقيقية – عسكرية في المقام الأول – أو تهديدا لمصالحهم في المنطقة.
لذلك، كل دعوة ومناشدة للامتثال لاتفاقات ما أو لميثاق الأمم المتحدة من جانب وزارة الخارجية الروسية والسلطات الرسمية في دمشق وكل إنهاء أو استئناف لمثل هذه الاتفاقات تقوم بها وزارة الدفاع الروسية ستكون بلا جدوى. وفي الوقت نفسه، سيكون أي رد بالمثل من جانب سوريا – بما في ذلك محاولات تدمير أو مهاجمة الطائرات العائدة للولايات المتحدة الأمريكية أو لـ"التحالف المناهض للإرهاب" الذي تترأسه – غير مناسب من وجهة النظر السياسية والعسكرية، لأن رد الولايات المتحدة سوف يكون لا ضربة واحدة، بل عدة ضربات قوية ستؤدي إلى إضعاف قوات الجمهورية العربية السورية. وهنا لا بد لروسيا من أن تتصرف.
إن إنهاء سريان مفعول المذكرة الروسية الأميركية حول منع الحوادث وضمان سلامة الطائرات في أثناء العمليات في سوريا لخطوة صحيحة، ولكن من الواضح أنها ليست خطوة كافية. أنا لا أفهم لماذا لا تطلب وزارة الخارجية الروسية عقد اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي، تطرح فيه مسألة العدوان الأمريكي؟ لماذا لا تطرح على التصويت قراراً يطالب بالحفاظ على وحدة أراضي سوريا؟ لماذا لا تطرح مسألة توسيع قائمة المنظمات الإرهابية الإسلامية؟
قال الامريكيون انهم اسقطوا الطائرة السورية سوخوي- 22 وفقا لـ"قواعد الدفاع عن النفس". ولكن ما هي هذه القواعد؟ كانت للأمريكان في فيتنام صلاحيات قانونية أكبر حتى مما لها في سوريا.أقله أن فيتنام الجنوبية وجهت آنذاك لها دعوة رسمية للتدخل. أما سوريا، فلم تدع الاميركيين. وهكذا كل ما يفعلونه هناك الآن يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة ونظام الأمن الدولي برمته. الولايات المتحدة تتصرف هناك لا من موقع قوة الحق، ولكن من موقع الحق للقوة والقوي، لأن لا أحد يمكن أن يصدها اليوم الصد اللائق. أما كل الباقي فدعاية إعلامية. ما داموا قد اسقطوا طائرة عائدة لدولة ذات سيادة، فإن عليهم أن يشرحوا ويفسروا هذا بذريعة ما، أن يشرحوا للناس حجتهم في "الدفاع عن النفس". نعم، جاء في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة أن ثمة حقاً ثابتاً لكل دولة في الدفاع عن نفسها فردياً أو جماعياً. ولكن الفعل الأمريكي في سوريا هو عمل من أعمال العدوان، وبالتالي لا يمكنه أن يخضع لأي قاعدة من قواعد القانون الدولي، وما إسقاط الطائرة سوى انتهاك للسيادة، بل عمل من أعمال الحرب ضد سوريا.
الأميركيون يفهمون أن لا أحد سيعاقبهم على فعلتهم تلك. وهكذا بالتمام أهان ترامب الرئيس الصيني عندما ضرب مطار "الشعيرات" خلال الزيارة الرسمية التي قام بها شي جينبينغ للولايات المتحدة. لأن الصين مهتمة جداً بأن تبقى سوق الولايات المتحدة مفتوحة لبضائعها، وقد "بلع" ولو مكرهاً هذه الإهانة. وروسيا، أيضا، لا يمكنها أن تعطي ردا قويا على الاستفزاز الأمريكي.
من الجدير بالذكر أننا دخلنا سوريا فقط عندما أصبح واضحا أن حكومة بشار الأسد يمكن أن تسقط تحت ضربات "الإرهابيين" الموجهين من قبل الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية وغيرها من "ممالك النفط" في الخليج. وبعد هذا كانت الحكومة الجديدة في دمشق ستسمح ببناء خطوط أنابيب الغاز من قطر عبر الأراضي السورية إلى أوروبا كبديل لامدادات الغاز الروسي. وبالتوازي مع هذا بدأت تتكشف الأحداث في أوكرانيا عن الرغبة في بسط السيطرة كاملة على إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، كما بدأت صعوبات تعترض بناء خط "نورد ستريم"، وظهر رفض بلغاريا وتركيا لخط "ساوث ستريم" … وهكذا بدأ الجيش الروسي عملياته في سوريا من أجل ضمان إيصال إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا. وهذا طبعاً إضافة إلى أن هناك أيضاً تفاهما جغراسياسياً على ضرورة وقف تدمير حليفنا، ومنع تشكيل معبر إرهابي اسلامي على شكل شبه دولة هو "الدولة الإسلامية" في الشرق الأوسط.
نتيجة لذلك تم تجنب تحقيق أسوإ سيناريو بالنسبة لنا. ولكن هناك الكثير من الأموال المستثمرة في الأوراق المالية الأمريكية، والكثير من المال استدانته الشركات الروسية في الغرب، ونحن نعتمد على السوق الأوروبية في تسويق نفطنا وغازنا، ونعتمد على أسعار صرف الدولار واليورو وعلى فوائد المصارف الأجنبية للحصول على قروض، وعلى واردات حيوية كمثل المعدات والأدوية وهلم جرا. وبسبب الخوف من أن لا يعيد لنا الأمريكان المال الذي أرسله وزير المالية الأسبق كودرين في وقت مضى إلى الخارج، ومن أن يجري إبعادنا من أوروبا، وأن "يُمنع الأكسجين" عنا، لا يمكن لسياستنا الخارجية أن تكون مستقلة تماما وثابتة ودائبة. والأميركيون يحسبون الحساب لكل هذا ولذلك يضربون السوريين وهم موقنون من أنهم سيستطيعون الإفلات من العقاب. هم، حتى الآن، يضربون فقط السوريين. ولكني أعتقد أنهم سرعان ما سيحاولون أن يلحقوا ضربة بقواتنا إذا ما واصلنا "التصرف بأدب، رغم كل شيء". لقد حان الوقت للاختيار: إما أن نستمر في استرشاد مصالح القلة الأوليغارشية – بما في ذلك، في إطار مشاركة قواتنا المسلحة في الصراع السوري، وإما الانتقال إلى سياسة المصالح الوطنية. ومصالح الأوليغارشيا والمصالح الوطنية في ظل الظروف الحالية تبدأ تتباعد تباعداً كلياً.

جريدة "زافترا" في 22 حزيران 2017

http://old.zavtra.ru/content/view/samolyot-5/

ترجمة: