الرئيسية » سياسة واقتصاد » التراث المقدسي… نقاط تحت حروف القانون الدولي – د. رياض ياسين
التراث المقدسي

التراث المقدسي… نقاط تحت حروف القانون الدولي – د. رياض ياسين

فقد جاء النص ليحدد هذه المؤسسات فاشترط» معاملة ممتلكات البلديات وممتلكات المؤسسات المخصصة للعبادة والأعمال الخيرية والتربوية، والمؤسسات الفنية والعلمية كممتلكات خاصة عندما تكون ملكاً للدولة، ويحظر كل حجز أو تدمير أو إتلاف عمدي لمثل هذه المؤسسات والآثار التاريخية والفنية والعلمية، وتتخذ الإجراءات القضائية ضد مرتكبي هذه الأعمال».

ويلاحظ من نص المادة (56) بأنها جاءت بعبارة بالغة الأهمية وهي أن الممتلكات والمؤسسات الواردة ذكرها في هذا النص تبقى من قبيل الممتلكات الخاصة حتى وأن كانت مملوكة للدولة، حيث تفيد هذه العبارة بأنه لا يمكن لأطراف النزاع الاعتداء أو تدمير أو إتلاف هذه الممتلكات وذلك لأنها ممتلكات خاصة لا يجوز الاعتداء عليها، فالممتلكات الخاصة محمية من أي اعتداء أو أي هجوم عليها سواء كلي أو جزئي.

كما اشتملت معاهدة جنيف في الاتفاقية الرابعة منها بشأن حماية الاشخاص المدنيين وقت الحرب المؤرخة في 12-8-1949 وحسب المادة (49) بأنه لا يحق لسلطة الاحتلال نقل مواطنيها الي الأراضي التي احتلتها، أو القيام بأي اجراء يؤدي إلى التغيير الديموغرافي فيها. كما نصت المادة (53) على أنه لا يحق لقوات الاحتلال تدمير الملكية الشخصية الفردية أو الجماعية أو ملكية الافراد أو الدوله التابعة لأي سلطة في البلد المحتل.

وجاءت اتفاقية لاهاي لعام 1954، لتختص بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نشوب نزاع مسلح، وقد اشتملت على بروتوكولين الاول صدر سنة 1954، والثاني صدر عام 1999م، وقد صادقت إسرائيل على الاتفاقية وبرتوكولها الاول 3-10-1957 واصبحت منضمة بتاريخ 1-4-1958.

ونذكر من هذه الانتهاكات والاعتداءات على الممتلكات الثقافية والدينية التي تعتبر من قبيل جرائم الحرب، العدوان الإسرائيلي المستمر في أعمال الحفر الواقعة في الجهة الغربية من المسجد الأقصى وفي ساحة البراق وفي أماكن أخرى أثرية من مدينة القدس المحتلة منذ احتلالها القسم المتبقي من المدينة المقدسة عام 1967 وحتى هذا التاريخ، في محاولة منها لطمس المعالم العربية والإسلامية عن المدينة وإخفاء الآثار التي تؤكد عروبة المدينة.

ويتمثل الخطر المحدق والحقيقي الواقع على المدينة المقدسة في عبث سلطات الإحتلال الإسرائيلـي بتراث المدينة الثقافي والحضاري والهـادف إلى طمـس معالم السـيادة الفلسـطينية عنها من خلال المخططات الإسرائيلية الهادفة إلى تهويدها منذ عشرات السنين والتي أخذت منعطفاً خطيراً بعد احتلال ما تبقى من المدينة بعد عام 1967م استمرت فصوله تباعاً حتـى أصبح خـطراً داهماً على المدينة يوشـك أن يوقع كارثة كبيرة بالمدينة وبتاريخها وبثقافـتها وبمنجزها الحضاري حيث تقوم سياسة سـلطات الإحتلال الإسرائيلي في هذا المجال إلى محـاولة نفي الوضـع القـائم، وإثبات الواقع الخرافي الزائف من خلال محاولة تهويدها لكل الآثار الفلسطينية ليس في القدس الشريف فحسب بل في كامل الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث لا تزال تواصل أعمال الحفر أسفل المسجد الأقصى المبارك من خلال إزالة وطمس الآثار العربية الإسلامية الواقعة حاليا في ساحة البراق وهدم مسجد البراق وحفر الأنفاق الهادفة إلى زعزعة وخلخلة اساسات المسجد الأقصى سعيا لبناء الهيكل المزعوم على أنقاضه.

يستخلص من خلال ما تقدم أن سلطات الإحتلال قامت بإقتراف العديد من الجرائم على الممتلكات الثقافية والتاريخية والدينية مخترقة بذلك الحماية الخاصة المكرسة لهذه الأماكن بموجب الأحكام والاتفاقيات الدولية. فالقدس مدينة محتلة بتعريف القرارات والمواثيق الدولية، وإسرائيل باعتداءاتها على الممتلكات الثقافية تكمل شخصيتها الاحتلالية ومروقها علـى القـانون الدولي والمواثـيق الإنسـانية.

يعتبر الاعتداء على الأملاك الثقافية من أماكن دينية واثرية وتاريخية في أكثر من موضع وأكثر من قرار بمثابة جرائم حرب، فقد أعتبرت أحكام المادة (147) من اتفاقية جنيف الرابعة تدمير واغتصاب الممتلكات الدينية والثقافية والتاريخية بصورة لا تقتضيها الضرورات الحربية الأكيدة من قبيل المخالفات الجسيمة، التي كيفت بنص المادة (85) من البروتوكول الإضافي الأول بأنها جرائم حرب.

وهذا ما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار رقم 36/147 بتاريخ 16/ كانون الأول/ديسمبر /1981 فقرة (6) بأن الاعتداء على الأماكن التاريخية والثقافية والدينية هي من قبيل جرائم الحرب، حيث نصت على « أن حالات الخرق الخطير من قبل إسرائيل لأحكام اتفاقية جنيف هي جرائم حرب وإهانة للإنسانية.

أدركت الحكومات الإسرائيلية أن طمس المعالم الثقافية للسكان العرب وتغيير هوية الأرض والعبث بشخصية المدن والقرى الفلسطينية وتزييفها لصالح تراث آخر مهم في استكمال حلقات مشروعها التهويدي لاستبدال روح المكان وأصالته لصالح هوية أخرى،فإسرائيل مثلا غيرت أسماء الأمكنة وتحاول بزيفها الدعائي الميثولوجي خلق ممتلكات ثقافية بديلة موهومة على الارض العربية وذلك يتطلب سرقة الممتلكات العربية الثقافية، وهاهي الآن تفتخر أنها ستغير اسماء الشوارع العربية والحارات عبر محو اللافتات الدالة على ذلك،فاسماء الحارات والشوارع والمدن والقرى والبلدات في حد ذاتها ذاكرة جمعية لأمة ربضت على هذه الأرض لآلاف السنين مرتبطة هناك بشجرة الزيتون المباردة التي ستبقى شاهدا على أصالة المكان وبركته.

ولا يتوقف العبث الإسرائيلي عند هذا الحد، بل تعمل إسرائيل في اكثر من محفل على تسجيل مواقع عربية على أنها إسرائيلية بعد تغيير ملامحها، والمثال بالنسبة لمدينة القدس القديمة المسجلة على لائحة التراث العالمي المهدد بالخطر التي تحاول إسرائيل شطبها عن لائحة التراث بوصفها موقعا عربيا فريدا وتقديمها على أساس أنها مدينة إسرائيلية وتراثها يهودي.

إن اسـتراتيجية العبث بالتـراث الثقـافي لمدينة القدس الشريف لا يمكن قراءتهـا بعـيدا عـن الاستراتيجية السياسية للمشروع الإسـرائيلي الصهيوني، فالأيديولوجيا التي تدفع للعبث بهـذا التراث الجمـعي هي أيديولوجيا دفينة في عقلية احادية منبعها إقصاء الآخر تماما وعدم قبول فكرة أن يكـون له كينـونتـه الثقـافية الـتي تعـبر عن هويتـه.

 

 

الفدس العربي