الرئيسية » حضاريات » التراث الفكري العربي كما رصده الفيلسوف سعدييف- سهيل فرح
lewis_midday-meal.jpg

التراث الفكري العربي كما رصده الفيلسوف سعدييف- سهيل فرح

 و ترك عدد من الكتب التي أغنت مكاتب الأستشراق و الجامعات الروسية. هذه المقالة تضيئ على رؤيته المشرقة للموروث الثقافي العربي الإسلامي في مجال الإنسانيات. كما إنها تبين إجتهاداته الخلاقة في المنهج الفلسفي المقارن بين الفكرالغربي والإسلامي…هناك عدد من الخصائص الفكريّة والسيكولوجية والجماليّة والرّوحية تطبع بشكل نسبيّ حياة الإنسان الغربي والشّرقي ، بيد أنّ هذه الخصائص تصل عند بعض المفكّرين الغربيّين والشرقيّين إلى حدّ القول بالاستقلالية التامّة والانطوائية الإقليميّة ، ممّا يخلق لدى الكثيرين من " النخبة " و " العامّة " مجموعة من الستريوتيبات المشوّهة حول نمط حياة الإنسان الغربي والشّرقي ، وهذا بدوره يشكّل عائقاً جدّياً لتفاعل حضاريّ حقيقيّ بين الشّعوب والأمم ويؤجّج بالتالي المشاعر الإقليميّة والدّينيّة والقوميّة ، بهدف سيادة إيديولوجيا الطرف الأقوى ، ومحاولة إقحام تصوّراته الاقتصادية والفكريّة على ذهن ونمط حياة الطّرف الأضعف . وفي هذا الإتّجاه يساهم بشكل أساسيّ أنصار " المركزيّة الأوروبيّة"، الذين يردفهم أيضاً أنصار " المركزيّة الآسيويّة " ، في ترسيخ مجموعة من التصوّرات غير العلميّة في ذهن القارئ، ممّا يجعل شخصيّته الثقافيّة تتقوقع في إطار تلك التصوّرات، ويضع أمام هذه الشخصيّة " جداراً صينياً عالياً " يحول دون الانفتاح الحقيقيّ على الثقافات الإنسانيّة الغنيّة والمتنوّعة . بينما نرى بأنّ ارتقاء العلاقات الثقافيّة بين الشعوب والأمم يتطوّر نحو الأمام ، في حال سلوك طريق التفاعل والإنفتاح المتبادل، يرافق هذا تثمين واحترام خصائص كلّ أمّة وتعميم كلّ ما هو إيجابيّ وإنسانيّ وجماليّ فيها ممّا يؤدّي في نهاية المطاف إلى إغناء وتطوير معالم الشخصيّة الثقافية القوميّة . هذا وإنّ أهميّة ثقافة كلّ أمّة تكمن في ديمقراطيّتها وفي إغنائها لمعالم شخصيّة مواطنها الماديّة والروحيّة وفي ديناميكيّتها في صنع المثل والقيم العليا التي تساهم في صنع الثقافة الإنسانيّة المستقبليّة الواحدة…

غير أنّ مرحلة التفاعل والتأثّر والتأثير لا تتمّ بشكل صحيح بدون معرفة الذات الوطنيّة والقوميّة . ومعرفة " الذات " المعاصرة لا يمكن تحديدها بشكل دقيق ما لم ندرك العوامل الاقتصادية والثقافيّة والجماليّة والرّوحيّة التي ساهمت ، في كلّ عصر ، في بلورة هذه الذات أو في ذوبانها، في نهضتها أو سقوطها، في ركودها أو استيقاظها.

المستعربون الرّوس الذين كانت تشدّهم ثقافة وحضارة الشّرق، تركوا آثاراً هامّة في دراسة الذات الثقافيّة العربية, على الرغم من أن  معظم الدّراسات كانت تحمل طابعاً وصفياً ، إذ أنّها لم تدخل عمقاً في دراسة الشخصيّة العربية الإسلامية ولم تصل الى مرحلة البحث و الأستنتاج في خصائص تطوّر هذه الشخصيّة البسيكولوجيّة والفكريّة والاجتماعية والاقتصادية ، على الرّغم من هذا ، لعبت تلك الدّراسات والانطباعات دوراً رائداً في تعريف القارئ الرّوسي ومن بعده السوفياتي على تراثنا . وأهمّ الدّراسات الإسلاميّة برأينا كتبها الأكاديمي برتولد ف.ف.

فبعد توقّف قلم وقلب المستشرق الكبير برتولد عن الإبداع، وكان ذلك في أوائل الثلاثينات من هذا القرن، لم تشهد الدّراسات الفلسفيّة الروسيّة السوفياتيّة أبحاثاً على مسوى عالٍ من الأهمية وذلك لعدّة أسباب ، لعلّ أهمّها استشهاد معظم الكوادر الفكريّة ، التي تتلمذت على يد كراتشكوفسكي وبرتولد، على الجبهة في الحرب العالميّة الثانية، وجمود الأبحاث السوسيولوجيّة والفلسفيّة في فترة تاريخيّة محدّدة معروفة أسبابها للجميع . يُضاف إلى ذلك أنّ معظم الكوادر كانت تحضّر للعمل في الميدان السّياسيّ أو في الأبحاث الأخرى التي تخدم الاستراتيجيّة السياسيّة السوفياتيّة الخارجيّة . هذا لا يعني أنّ الفترة الممتدّة من أواخر العشرينات وحتّى أوائل الستّينات ، لم تشهد دراسات فلسفيّة حول التراث الفكري العربي – الإسلامي ، فلقد بدأ المستشرق الفيلسوف كوزمين في ترجمة الكلاسيكيّات الفلسفيّة العربية ونشر كتاب " حي بن يقظان" . غير أنّ موته وهو شاب لم يحقّق أحلامه العلميّة، ودخل عدد من الدراسات الأخرى حول خصائص الفكر الفلسفي الإسلامي في الكتابات الموسوعيّة ككتب " تاريخ الفلسفة " و " الموسوعة السوفياتيّة الكبرى" و " الموسوعة الفلسفيّة " وغيرها. قد تتوجّب الأعمال العلمية الرصينة التي جاءت امتدادا للتقاليد الأكاديميّة القديمة بأعمال الفيلسوف والمستعرب الرّوسي المعروف أرثور سعدييف الذي سنتوقّف عنده وحول نتاجه ستكون مقالتنا هذه .

أعطى سعدييف كلّ جهده وحياته العلميّة لكشف الجوانب المشرقة الإنسانيّة والعقلانيّة والتحرّريّة والجماليّة في تراثنا. فلقد اختصّ في تاريخ الفلسفة ، ودرس اللّغة العربية التي يتقنها بشكل ممتاز . وتربّى في عائلة تترية ذات تقاليد إسلاميّة عريقة. بعد دفاعه عن أطروحة الدكتوراه في عام 1964 " تاريخ الأفكار الجماليّة لشعوب الشرقين الأوسط والأدنى " ، أنصرف لمعالجة أهم السّمات التي طبعت الفلسفة العربية – الإسلامية في القرون الوسطى . وأنتج أكثر من ستّين عملاً بين مقالة وتعليق وترجمة وكتاب.

            نشأت فكرة ترجمة النصوص الفكرية الكلاسيكيّة العربية، بعد أن تأكّد الدكتور سعدييف بأنّ مجموعة من الدراسات والمقالات المدوّنة في الكتب الموسوعية والمدرسية ينقصها الدقّة العلمية . فلقد كان يعتمد أصحابها على الدراسات الغربيّة غير الموضوعيّة. فعلى سبيل المثال، تناول المفكّر السوفياتي تراختنبرغ الفلسفة العربية في كتابه الذي حمل عنوان " موجز تاريخ الفلسفة القروسطية في أوروبا الغربية " (موسكو 1957) . وفي الفصل المخصّص للفلسفة العربية، لم ينظر المؤلّف إلى الكندي مثلاً إلاّ لكونه وقف ضدّ القرآن والإسلام. ويبيّن الدكتور سعدييف بأنّ الكندي الذي كتب عنه تراختنبرغ ، معتمداً على أحد المراجع الإنكليّزيّة الذي نشر في لندن عام 1887 ([1]) ليس الكندي أبا يوسف الذي يعتبر مؤسّساً للفلسفة العربية – الإسلاميّة ، بل هو عبد المسيح الكندي الكاتب والأديب المسيحيّ الأصل، الذي انتقد الإسلام دفاعاً عن المسيحيّة ، والذي جاء في معرض تقييمه للقرآن " بأنّ لغته تنقصها الدقّة في تحديد الفكرة وفيه ضعف منطقيّ في تسلسل السّور، والتناقض في تسلسل السّور ، والتناقض في طرح المسائل الفلسفيّة الواحدة… وإلخ"([2]) . بعد تكرار مثل هذه الأخطاء ، نشأ لدى مجموعة من المستعربين رغبة في ترجمة النصوص الأصليّة عن اللّغة العربية، وبادر سعدييف ومعه عدد من الباحثين في ترجمة مؤلّفات الكندي والفارابي وابن سينا وابن باجة وصدر في عام 1961 كتاب " مختارات من أعمال مفكّري بلدان الشرق الأوسط والأدنى " تتضمّن الأعمال التالية: " رسالة في كميّة كتب أرسطو " ، فيما يحتاج إليه في تحصيل الفلسفة " ، كتاب في الفلسفة الأولى"، " رسالة في الجواهر الخمسة" ، ورسالة في الإبانة عن الصلة الفاعلة القريبة للكون والفساد " ، " عيون المسائل " ، " شرح كتاب المقولات " ، " النجاة " ، " الشفاء" ، " تهافت التهافت " وغيرها . تبع هذا العمل الهام والرائد أعمال أخرى قام فيها الدكتور سعدييف بالتعاون مع روبين وكاسمجانوف وغيرهما بترجمة كتب الفارابي ومنها " الرسائل الفلسفيّة " (آلماتا 1957) ، " في المنطق" (آلماتا 1972) ، " في العقل " (آلماتا 1957) . وفي عام 1980 صدر في موسكو مختارات من كتابات إبن سينا وأهمّها القسم الأكر من كتابه " القانون في الطّب " . أصدر الدكتور سعدييف مشروع ترجمة كتاب الشهرستاني: " الملل والنحل " . وعلى أساس هذه الترجمات والتي جاءت بعدها بدأت تظهر في الأدبيّات الفلسفيّة السوفياتية مجموعة من الأبحاث والكتابات العلمية الرصينة ، والتي تعتبر نقطة تحوّل في التعامل مع تراثنا الفكريّ ، فليس في روسيا فقط، بل وفي معظم توجّه الفكر الأوروبي لدراسة تايخ الآخر – العربي.

وبهذا الصّدد ساهم سعدييف بدوره في تقييم ونقد الأعمال التي تصدر في أوروبا الغربية عن الحضارة العربية. فلقد قدم للقارئ الروسي كتاب الباحث الإنكليزي المعروف منتغمري واط " تأثير الحضارة الإسلامية على أروبا" ، (موسكو 1977) . يتناول سعدييف في مقدّمته تلك تأثير المفكرين العرب على كلّ ميادين الفكر  في أوروبا ويخلص إلى الاستنتاج التالي : " إذا أردنا تلخيص جوهر وتأثير الحضارة العربية الإسلامية على أوروبا لوجدناها في مصطلح (العلمنة) " Secularization" . فمن المتعارف عليه أنّ أيّة حضارة تتمثّل عادةً ، عناصر الحضارة الأخرى عندما تشعر بحاجة إلى هذه العناصر وتكون على استعداد لاستيعابها . وقد كان لدى المجتمع الأوروبي الغربي في العصر الوسيط ما يكفيه من التديّن والروحانيّة . في حين نضجت في أحشائه قوى لم يكن ليشبعها هذا الغذاء الرّوحي ، فوجدت في الحضارة الإسلامية ما يسدّ حاجتها إلى غير هذا الغذاء. فمن السمات البارزة التي أخذتها أوروبا الغربية عن المشرق الإسلامي كانت الرّوح العلميّة والاندفاع نحو التمتّع بمباهج الحياة ( ومنها ما يرتبط عند واط بفن " الحياة الجميلة" ) . فالتفكير الحرّ المتفائل الذي جاء عن طريق العرب والذي تغذّى من الفلسفة اليونانيّة التي بعثت من جديد ، مهد الطريق لظهور ماديّة القرن الثامن عشر".([3])

وسعدييف ينظر إلى الحضارة الإسلامية ليس كدين، وإنّما كشكل للتفكير ولتحديد العلاقة بين الإنسان والكون ، بين الإنسان والواقع وحيثيّات الحياة اليوميّة الاقتصادية والفكريّة والجماليّة والاجتماعية. فالإسلام حسب رأيه ، يعتبر بمثابة الرمز الثقافي والرّوحي للكثير من الشعوب الشرقية . فكما هي الديكارتية بالنسبة لفرنسا، والهيغلية والماركسيّة بالنسبة لألمانيا ، كذلك الإسلام بالنسبة لعدد كبير من شعوب الشرق.

وفي معرض تقييمه للفلسفة العربية – الإسلامية توقف سعدييف في عدد من أبحاثه محلّلاً علم الجمال والموسيقى عند العرب في القرون الوسطى .

ففي الكتاب الهام "موجز تايخ النظرات الجماليّة " (موسكو 1963) ، يتناول النظرات الجمالية عند العرب في القرون الوسطى ، ويبيّن خطل النظريات الغربية التي تنفي وجود الفكر الجمالي عند العرب ، فيبيّن ولأوّل مرّة في تاريخ الفكر والاستشراق الرّوسي، وحتّى في تاريخ الفكر الفلسفي العالمي ، الفكر الجمالي المتبلور والمتطوّر عند العرب. ويتناول آراء الكندي والفارابي وإبن رشيق القيرواني في هذا الموضوع. صحيح عنده أنّ الإسلام حرم جميع أنواع التعبير الفنّي ، كالتصوير والنحت ، عن الله والأنبياء ، وامتدّ هذا التحريم ليمنع تصوير الإنسان وكلّ ما هو حيّ ، غير أنه طوّر في ميدان المعرفة الجمالية العديد من فروعها مثل الموسيقى والشعر والأدب وغيرها. ويتوقّف سعدييف عند النظريّات الجمالية المحافظة والطليعيّة لدى فلاسفة الإسلام . فأنصار النزعة الصوفيّة أولوا أهميّة خاصّة لجمال العالم ، لأنّ الإنسان عندهم ، أثناء عمليّة تقاربه الرّوحي من الله ، يكتشف ؛ إنّ جمال العالم ما هو إلاّ الانعكاس للجمال الالهي . ويعرّج على نظرية الفارابي في علم الموسيقى ، حيث تقول بأنّه يعيد توازن التفكير لمن فقده([4]) ، ويقرّب من الكمال ويغذّي العقل ، ويحفظ صحّة الجسم وسلامة الرّوح . ولقد وسّع أفكاره حول الموسيقى عند العرب ، في كتاب " الجماليّات الموسيقيّة عند بلدان الشرق" (موسكو 1967) . تناول فيه " الجماليّات الموسيقيّة عند شعوب الشّرق الأوسط والأدنى " ، حيث يبرز الدفء العاطفي والإنساني في هذه الموسيقى، ويحدّد خصائص الآلات الموسيقيّة ، ومصدرها ، ومدى تأثيرها على المستمع . وفي هذا الكتاب ترجم أعمال الفارابي وإبن سينا عن الموسيقى وحلّل الأسس الجماليّة في علم الموسيقى عند العرب في القرون الوسطى.

ويستعرض المؤلّف الآراء الشعريّة التي درست الشّكل والمضمون في القصيدة . ويبرز الرّأي الذي يؤكّد على وحدة الشكل والمضمون ، مستعيناً بآراء إبن رشيق القيرواني: " إنّ اللّفظ هو الجسم والمعنى هو الذي يكون بمثابة الرّوح لهذا الجسم. وإنّ العلاقات التي تربط الرّوح بالجسم هي مشابهة للعلاقات التي تربط الشكل بالمحتوى. وإنّ ضعف العنصر الآخر "([5]) .

            وفي كتاب " علم الجمال والحياة" (موسكو 1971) ، كتب سعدييف مقالة تحت عنوان: " العالم المؤنسن في الفلسفة والفنّ الإسلاميّين في العصور الوسطى" . وبالاعتماد على النّصوص الأصليّة العربية يفند الكاتب النظرة المدّعية بأنّ الفكر الإسلامي يستوعب العالم بشكل مجزأ بعيد عن " الهارمونيّة " والوحدة في تصوير الخارجي للإنسان. كما يبيّن خطل الأفكار التي تبنّاه ماسينيون وجيب حول عجز المفكّرين والفنّانين والشعراء المسلمين، عن إيجاد لوحة تركيبيّة منسجمة في تصوّر العالم والطبيعة والإنسان . ويدحض الأفكار التي روّج لها المستشرقون الغربيّون حول أنّ الصّورة الفنيّة الجماليّة عند العرب كانت " متخلّفة" ، كأن يشبه الشاعر عيني المرأة بعيني البقرة ، وعيني البقرة بعين النبات، والنبات ، والنبات بالجماد ، إلى ما هنالك من تشبيهات تقارن الأرقى بالأدنى والأدنى بالأشدّ دنواً . فهو يبيّن بأنّ الفكر العربي والشعر العربي كانا على درجة من الرقيّ في إجلاء الصورة الفكرية والجمالية لم يصل إليها الفكر الأوروبي القروسطي. لقد تقدّم الشعر العربي وأظهر شموليّته ورقيه وديناميكيّة في عكس العالم الخارجي والداخلي في صور فنيّة لا مثيل لها في ذلك العصر .

وفي دراسته عن " هارمونيّة الشخصيّة العربية – الإسلامية في القرون الوسطى"، يقف سعدييف ضد الرّأي القائل بأنّ العرب لم يتوصّلوا إلى مرحلة استيعاب العالم بشكل شموليّ ومنظّم ، ويبيّن بأنّ الأدب العربي والفلسفة العربية تمكّنا من تكوين نظرة شمولية ومنظّمة عن علاقة الإنسان بالكون والحياة . كما أنّ النظرات الفلسفيّة عند المفكّرين العرب كانت ترتكز على العلاقة المنسجمة بين جسم الإنسان ونفسه ، بين شخصيّته المؤنسنة والواقع الاجتماعي. ويتوقّف عند آراء الفارابي في " المدينة الفاضلة" حول كيفيّة وضرورة تطوّر الشخصيّة الإنسانية ، في علاقة الإنسان مع نفسه، ومع العمل والطبيعة والبيئة المحيطة . فالإنسان في " المدينة الفاضلة " يجب أن يكون سليماً معافى مدركاً للوقائع في أشكالها الظاهرة والباطنيّة ، متمتّعاً بذاكرة جيّدة، مبدئياً بعلاقته مع نفسه والقضايا العامّة ، ناطقاً بكلام واضح ومفهوم ، مهذباً في تعامله مع النّاس ، متقناً آداب الحديث والمأكل والمشرب، محبّاً للعدل والمساواة، وكارهاً الاستبداد والظّلم ، حازماً وجريئاً في أيّ قضيّة يقدم عليها ، ألخ . وبعدها يتناول أفكار إبن رشد حول تطوّر الشخصيّة " المنسّق " للإنسان فيؤكّد على ضورة التربية المنسجمة والمتنوّعة للإنسان في المجتمع . وعلى واجبات وحقوق الفرد في الحياة. فعلى الرّغم من طوباويّة عدد من أفكار أرباب الفكر العربي – الإسلامي، يؤكّد سعدييف على موسوعيّة وعيهم ودقّة وتسلسل وانسجام تصوّراتهم الفلسفيّة والجمالية.

وفي تقييمه للأدب كشكل من أشكال الوعي الاجتماعي ، يستدلّ من الجذور التاريخيّة لمصطلح الأدب عند العرب، أنّهم كانوا يولونه أهميّة كبرى في المجتمع المديني. فهو عندم كناية عن هيكل عام منسّق ومنسجم يجمع في داخله النثر والشعر والنظرات الموسيقيّة والنقديّة والأدبيّة ، والمعرفة بالرياضيّات والمنطق ، وقواعد النحو والصرف والفيزياء وعلم النّفس والميتافيزيقا ، والتاريخ والجغرافيا. واتّسع مفهوم الأدب ليشمل توازن شخصيّة الفرد في المجتمع، وحسن الحديث ، والشجاعة ، والشهامة واتقان الألعاب الرياضيّة المختلفة … وفي القرن الثاني عشر تحدّد اصطلاح " الأدب " في إطار النثر والشعر ، ثمّ العلم الذي يساعد على فهم قواعد النحو والصرف والميزان الموسيقيّ ، وطرق الكتابة الصحيحة بمساعدة الفواصل والنقط ونقاط التقاطع وغيرها، وشمل النقد الأدبي . والهدف من هذا كلّه إيجاد الشكل والمضمون الجماليّين الملائمين للنّص الأدبي".([6])

حول مسألة هارمونيّة الشخصيّة العربية الإسلامية ، يخلص سعدييف إلى القول " إنّ إبداع مفكّري منطقة الشرق الأوسط والأدنى كان منصباً حول إمكانيّة تحقيق السعادة التامّة للإنسان على الأرض . ولقد كان محور اهتمامهم يدور حول تطوّر المعالم المتعدّدة والمتنوّعة للشخصيّة الإنسانيّة… إنّ أفكارهم الفلسفيّة الإنسانية هذه تركت تأثيرها الملحوظ على أفكار المفكرين الإنسانيّن في عصر النهضة الأوروبيّة "([7]). لا يترك هذا العالم السوفياتي مناسبة إلاّ ويحاول فيها أن يعرف القارئ الروسي على الفلسفة العربية – الإسلامية . وعلى الاتجاهات العلمية والعقلانية والإنسانية فيها. كتب عن إبن باجة وابن رشد وإبن سينا وابن طفيل والكندي وإبن خلدون ، وعن الفلسفة المشائيّة الشرقية وعن الاتجاهات الفلسفيّة المعاصرة في كلّ من مصر ولبنان. وكتب عن هذا كلّه في " الموسوعة السوفياتية الكبرى" و " الموسوعة الفلسفيّة " و " في تاريخ الفلسفة " . وفي " تاريخ عند شعوب الاتحاد السوفياتي" . كما أنّه نشر في كتاب " أنطولوجيّة الفلسفة العالمية" (موسكو 1969) مقالة علميّة عن " الفلسفة الإسلامية في القرون الوسطى" . وكتب عن الحلاج في " الموسوعة التاريخيّة " . تعتبر أبحاثه ومقالاته المتعدّدة من أهم المراجع الفلسفيّة للقارئ والباحث الرّوسي في تاريخ الفلسفة ، ففيها نظرة علميّة موضوعية مستندة على النصوص الأصليّة العربية . وأصبحت معظم الاستنتاجات والآراء التي يطرحها حول الجوانب المشرقة في الفلسفة العربية – الإسلامية موضع تقدير وتقييم عال. ولم يصل إلى هذه النتيجة إلاّ بعد أن خاض معركة طويلة على الجبهة العلميّة ضد الأفكار المغلوطة حول التراث الفكريّ للعرب في كلّ من الغرب والشرق .

في أبحاثه الفلسفيّة أولى سعدييف اهتماماً خاصاً لإبراز النزعة العقلانية في الفلسفية العربية الإسلامية وبين أن الفلاسفة العرب ، أمثال الفارابي وابن سينا وابن راشد ، مثّلوا الامتداد الطبيعي لتراث الإغريق الفلسفيّ ؛ حافظوا على ذاك التّراث وحقّقوا ودقّقوا فيه واضافوا إليه أفكاراً جديدة ، كانت وليدة تطوّر الفكر الإنساني في عصر سيادة الحضارة العربية في القرون الوسطى  . ليس هذا وحسب بل أنّه يشير إلى أنّ الفكر الفلسفي عند العرب ما كان بتلك الدرجة من الانفتاح على الثقافات القديمة وعلى ثقافات الشعوب التي حكمها لو لم يكن قد توصّل إلى مرحلة من الاستقلالية والنضوج .

            إنّنا نخالف البعض الذين يعتبرون أنّ الفكر الفلسفيّ عند العرب لم يصل إلى مرحلة التبلور والنضوج إلاّ بعد أن نشطت حركة الترجمة عن اليونانيّة أيّام المأمون. بعد مجيء العديد من الفلاسفة اليونان بعد القرن الرابع والخامس ميلادي إلى خراسان وبغداد والإسكندريّة ، أيّ في الفترة الممتدّة من القرن الرابع وحتّى القرن الثامن. ربّما يكون الفكر الفلسفيّ  العربي، قبل حركة الترجمة النشيطة ، وصل إلى مرحلة التبلور والاستقلالية، وإثبات هذه المقولة سيدحض بلا شكّ ، اعتقاد الكثيرين بأنّ الفكر العربي لي يكن إلاّ تكراراً لفلسفة الإغريق، وهذه مهمّة شاقّ تحتاج إلى إعادة دراسة مخطوطات ووثائق عديدة من تاريخ الفكر العربي. يلمح سعدييف في كتابه عن إبن رشد (1973)، وفي كتابه عن إبن سينا (1980) إلى ذلك الموضوع دون أن يبحث فيه… ففي كتابه عن إبن رشد يقدر النزعة العقلانية والطبيعة للمفكّر القرطبي العظيم ، ويبرز آراء الفيلسوف العربي حول العلاقة بين العلم والإيمان التي تركت تأثيرها الكبير على تطوّر الفكر الفلسفيّ في أوروبا الغربية. فساعدت مفكّري عصر النهضة على دكّ أعمدة الأيديولوجيا الميثولوجيّة التي كانت سائدة في أوروبا القروسطيّة . وفي الفصل الثاني من كتاب إبن رشد المخصّص لتبيان أهميّة تفوق العقل على الإيمان ، يعتبر سعدييف أنّ إبن رشد هو بحقّ أحد أهمّ مؤسّسي الأفكار العقلانيّة في تاريخ الفكر الفلسفيّ العالمي ؛ وأفكاره هي امتداد  مثمر وطبيعيّ لأفكار الفارابي والمعتزلة وعقلانية الإسماعليّة وتفكير إبن سينا.

والتيّارات العقلانيّة التي كانت ترتكز على تمجيد دور العقل وقوّة الحجّة في الحياة تعتبر من أهمّ السّمات التي رافقت وطبعت مسيرة الفلسفة العربية الإسلامية في القرون الوسطى . فلقد نشط في كلّ  من بغداد وخراسان وآسيا الوسطى التيّار الذي كان يؤيد أفكار المعتزلة وكان أنصار هذا الإتجاه بعد أن ينتهوا من أعمالهم بمن فيهم التجّار الصغار والمهنيّون وغيرهم كانوا يناقشون في جلساتهم الفكريّة أمور الدّين وعلاقته بالحياة العمليّة وفي الكون، كانوا، يكرهون التعصّب ويؤيّدون أصحاب الحجّة القويّة ، ولقد تناول هذا الموضوع المؤرّخ العربي الكبير السبكي عندما قال عن المعتزلة في إقليم خوارزم: " إذا رأوا من أحد التعصّب، أنكروه عليه، وقالوا: ليس لك إلاّ الغلبة بالحجّة وإيّاك وفعل الجهال"([8]).

ويمضي سعدييف في البحث عن الجوانب المتنوّرة في الفلسفة العربية الإسلامية ويخصّص لهذا عدّة أبحاث أهمّها كتابه عن إبن سينا (1980) وبحثه عن " الفكر الحرّ المتفائل عند شعوب الشرق الإسلامية  " الصادر في مجلّة " العلم والدّين " العدد الثاني 1978. يحلّل الباحث في هذين العملين المراحل الأساسيّة التي مرّ بها الفكر الحرّ المتفائل عند العرب في القرون الوسطى ، ويشير إلى الخصائص التي ميّزته عن الفكر الحرّ في أوروبا الغربية في تلك الحقبة التاريخيّة.

وفي معرض حديثه عن الفكر المتحرّر في المشرق الإسلامي القروسطي يشير إلى ظاهرتين أخريين تميّزنه عن الغربي المسيحيّ : فالسمات المميّزة للفكر القروسطي عامّة وللفلسفة خاصّة في أوروبا الغربية هي الرّجوع إلى الماضي إلى أصول تعاليم الكتاب المقدّس. فحسب رأي مفكّري تلك الفترة ، كلّما كان النصّ أكثر أصالة كان أكثر يقينيّة. وعليه، يكفي استجلاء مغزى نصوص الكتاب المقدّس حتّى نحصل على إجابات لا يشوبها الخطأ . ولكن هذا المغزى يتوارى خلف النصّ . لذا فإنّ مهمّة الفيلسوف ، صاحب التأويل تكمن في فكّ رموز النصوص المقدّسة وشرحه. وكلّما كان صاحب التأويل والشرح ، أقرب عهداً إلى وقت التنزيل كان أحسن اطلاعا على أسرار التأويل  الحق. لذا فإنّ الأسسس التيولوجيّة التي ترتكز عليها تعاليم المسيحيّة والتي كانت امتداداً مباشراً لتقاليد الرّسل هي الأقرب إلى الحقيقة فقدسيّتها في عرف الدّين المسيحيّ تأتي في المرتبة الثانية بعد الإنجيل. هذه هي السّمة المميّزة للوعي القروسطي في أوروبا ، التي كانت تختلف عن مثيلاتها في العالم الإسلامي . ففي العالم الإسلامي يرى سعدييف الفلسفة وغيرها من ألوان الفكر المتحرّر، تشرئبّ بعنقها في فترة ليست ببعيدة عن لحظة انتقال النّبي محمّد إلى جوار ربّه . وفي تلك الفترة ظهر أكثر من " نبيّ " يطمح لتبوّء منزلة محمّد . وكان ينظر إلى النّبي محمّد على أنّه شخصيّة تاريخيّة واقعيّة ، رغم أنّها فذة فالمسافة الزمنيّة و " النفسية" بين نزول الوحي على النّبي ، وبين عصر الازدهار الثقافي ودولة الخلافة لم تكن تكفي لمنع البعض من أن يروا في القرآن مؤلفاً أدبياً عادياً ، إلى جانب ذلك لم يعرف الإسلام فلاسفة أخذوا على عاتقهم مهمّة " آباء الكنيسة" ، في شرح نصوص " الكتاب المنزل" ، وكان لهم ما كان لهؤلاء من حقّ في " القول الفصل" ، فيما يخصّ الشرح والتأويل . فلم يمض قرنان حتّى ازدهرت العلوم الدنيويّة بما فيه الفلسفة. صحيح أنّ القرآن قد لقى على غرار التوراة والإنجيل – الشرح والتأويل في إطار " علم الكلام " غير أن المعتزلة وهم أقرب المشتغلين بالتأويل إلى عهد التنزيل، كانوا، والحقّ يقال، من أوائل ممثّلي الفكر المتحرّر في الإسلام .

أمّا الظاهرة الثانية التي مرّت ميزت الحياة الثقافية والدينيّة القروسطية في الفكر العربي – الإسلامي عن مثيله الأوروبي فيرجعها سعدييف إلى تجانس وعدم تشعّب الفكر الدّيني في أوروبا، في حين يرى العكس في المجتمع الإسلامي . فلقد كان يحفل هذا المجتمع بجماعات من كافة الفرق والشعب، فما فيها الديانات التوحيديّة : الإسلام والمسيحيّة واليهوديّة . فهذا المناخ يخلق بالضرورة إمكانية المقارنة بينها، وإلى الشكّ في أفضليّة هذا المعتقد أو ذاك . ولذا فقد شهد المشرق الإسلامي ظهور موجة واسعة من المؤلّفات التي يقارن فيها أصحابها بين مختلف الأديان . وهذا الذي أعطى على حدّ قول سعدييف- للفلسفة العربية – الإسلامية القروسطيّة نظرة مميّزة للدّين باعتباره فناً سياسياً عملياً صرفاً، يهدف إلى تنظيم العلاقات بين البشر ولكن لا علاقة له بإدراك الحقيقة. فميدان الحقيقة هو من اختصاص الفلسفة البحتة ، غير المرتبطة باللاهوت ، في حين تركت للدّين مهمّة التوسّط في تنظيم حياة " الجمهور" السياسيّة (المدنيّة ) والأسرويّة والأخلاقية. أمّا من حيث المحتوى الإيجابي فلم يكن الفكر الفلسفيّ المتحرّر نتيجة لوجود عدد من العقائد المتباينة في منطقة الشرق الأوسط ، بقدر ما يعود إلى كون هذه المنطقة مسرحاً للقاء مختلف التقاليد الفلسفيّة والعلمية واغتنائها المتبادل . وهذا الفكر ، تحدّد في صيغته الأولى بآراء المعتزلة. فالنزعة التوحيديّة الصارمة لدى المعتزلة قد ارتبطت كما يرى بعض الباحثين بـ " الحوار " بين الإسلام والمسيحيّة ، وكذلك بالنضال ضدّ الحركات المانويّة وبنزعتها الثنويّة.([9])

وفي كتابه عن " إبن سينا" وفي الأبحاث الفلسفيّة الأخرى ، يولي سعدييف أهمية خاصّة للأخطاء المنهجية التي وقع ويقع فيها بعض المفكرّين بمن فيهم " الماركسيّون" حول مسيرة " المشائية الشرقيّة" . يفترض معظم هؤلاء المفكّرين بأن أفلوطين الذي بدأ أرسطي الملامح قد صار معلماً للفارابي وابن سينا ، وإنّ هذه الواقعة كانت وراء خصوصيّة المشائيّة الشرقيّة ، فقد جاءت مزيجاً من الأرسطيّة الأفلاطونيّة المحدثة ، ومن هنا ينطلق هؤلاء من القول بأنّ الأفلاطونية المحدثة صارت عنصراً بنيوياً في المشائية الشرقية، لكون الفكرّين العرب – المسلمين قد استوعبوا المذهب الأرسطي استيعاباً غير نقديّ ، فأخذوه في صورة أفلاطونية محدثة . وإنّ ثمّة مؤلّفات أفلاطونية محدثة نسبت خطأ، في حينها، إلى أرسطو، فاعتبرها مشائيو المشرق مؤلّفات أرسطيّة أصليّة ، وإنّ كتاب " آثيولوجيا" (أو كتاب الربويّة ) المنحول على أرسطو ، والذي هو في الحقيقة ، بعض " تاسوعات " أفلوطين ، قد لعب الدّور الأهم في هذا المجال .

وفي ضوء ذلك يرسم هؤلاء اللّوحة التالية لمسيرة المشائية الشرقيّة . إنّ " آثيولوجيا أرسطو" الذي ترجمه عبد المسيح الحمصي لصالح أستاذه الكندي، كان يعتبر من قبل الجميع، مؤلّفاً أرسطياً أصلاً. وبين المخدوعين بحقيقة " آثولوجيا" كان أيضاً الفارابي، أدخل على الآرسطيّة نظرية الفيض ، فوضع مذهباً متكاملاً ، قام في أساس المشائية الشرقية كتيّار فلسفيّ له أصالته وتفرّده . ثمّ جاء إبن سينا فطوّر ما أتى به الفارابي ، وصاغه مذهباً شاملاً وموسوعياً . فقد في القرن الثاني عشر أمكن للفيلسوف الأندلسي إبن رشد (1126-1198) " تنقية " الأرسطيّة من الشوائب الأفلاطونيّة المحدثة الدخيلة عليها. وذلك لأنّ فيلسوف قرطبة كان " شارحاً كبيراً " ، ففسّر أرسطو ، مثلما كان أرسطو شارحاً ، ففسّر الطبيعة ، يعلّق سعدييف على هذا الرأي قائلاً: " هذه اللّوحة قد ترضي قارئاً أوروبياً من العصر الوسيط ، أو مؤرّخاً من القرن الماضي ، لكنّه تبدو في ضوء معطيات العلم المعاصر ، متهافتة وخاطئة . حتّى في القرن الماضي، بل وفي القرن الذي قبله، كان بوسع مؤرّخي الفلسفة أن يتساءلوا: لماذا لم يستطع أسلاف إبن رشد من مشائي الإسلام ، الذين لم يكونوا أقل فطنة وذكاء أن يقوموا بما قا به من تنقية للمذهب الأرسطي من الشوائب الغربية ، مع أنّهم كانوا أولى بذلك، سواء من حيث الظروف الموضوعية (قربهم جغرافياً وتاريخياً من مراكز إتّصال العالم وإمكانية إطّلاعهم على قدر أكبر من المصادر والأدبيّات ، من جهة ثانية) ، أو الذاتية (حداثة النظر، في العالم الإسلامي، إلى أرسطو بعيني الأفلاطونية المحدثة ، بحيث أنّ نسبة بعض الآراء الأفلاطونية المحدثة إلى أرسطو لم تكن تأصّلت بعد في أذهان المشتغلين بالفلسفة ألخ …)"([10]) .

بعدئذٍ يمضي مستعرضاً مؤلّفات كلّ من الفارابي والكندي ويستبعد ، بالاعتماد على مجموعة من الأدلّة والوقائع ، أن يكون مؤسّس المشائيّة الشرقيّة (الفارابي) ، ومنسّقها ومهذّبها (ابن سينا) ، قد خلطا الأعمال الأرسطيّة بالأفلاطونية المحدثة . ويصل في نهاية تحليله إلى استنتاج مفاده أنّ الأفلاطونية المحدثة ، ولا سيّما نظريّة الفيض، لم تغدُ ركناً في الصّرح المشائيّ الشرقيّ. فلقد كان الهدف من ورائها هو تقديم مذهب أرسطو في صورة يبدو معها وكأنّه يتناقض مع الشرائع (وخصوصاً " الله " و " خلق " العالم)، إذا كان الهدف الرئيسي من نظرية الفيض هو استخدامها " للجمع" و " التوفيق " بين الفلسفة والدّين. ولتحديد مكانة نظريّة الفيض عند فلاسفة المشرف العربي – الإسلامي ، يتوقّف الباحث الرّوسي عند موقف الفارابي وإبن سينا من تصنيف العلوم ، ليبيّن أنّ هذه النظريّة كانت بمثابة أداة لمدّ جسر بين " العلوم النظرية " وبين " العلوم العمليّة" . إنّ مهمّة " العلم الإلهي " القائم على نظرية الفيض هي التعبير بلغة الرموز الواضحة المفهومة عن أفكار فلسفيّة ، بحيث تتوافق، في وشاحها الرمزي هذا مع عقائد الديانة التوحيديّة ، وعليها، من جهة ثانية، ألاّ تتناقض مع الرؤية الفلسفيّة للكون.

من الأفكار الأساسيّة التي رافقت مسيرة الإنتاج الفكري لسعدييف، والتي شغلت محور اهتماماته هو تأثير الفكر الفلسفي العربي – الإسلامي على أوروبا ليس في القرون الوسطى وحسب بل وفي العصر الحديث . لخّص ذلك بالتأثير في أعمال المفكّرين العرب المترجمة إلى اللّغات الأوروبية منذ بداية القرن الحادي عشر ، والتي أوجدت حلاً للعلاقة بين الفلسفة والدّين عن طريق إثبات أولويّة العلم على الإيمان . وهذا ما تجسّد في أعمال ابن رشد وإلى الأعمال العلميّة حول فكرة تطوّر الكائنات بما فيها الإنسان أيّ العلاقة بين عالم الإنسان والحيوان والنبات والجماد عند أخوان الصفا وفي رسالة حي بن يقظان لأبي بكر بن طفيل. وكذلك في الفكر الاجتماعي لدى إبن خلدون ومن بعده المقريزي. ويرى الدكتور سعدييف أنّ الكثير من الأفكار عند بعض الفلاسفة الأوروبيين هي في الحقيقة تكراراً إن لم تكن اقتباساً مباشراً أو غير مباشر لما جاء عند المفكّرين العرب. وكمثل على ذلك المبدأ الديكارتي  "الكوجيتو" أنا أفكّر إذن أنا موجود" الذي نجده قبله عند إبن سينا وذلك في معرض تأكيده على الطابع غير المباشر لإدراك الوجود . كما أنّ مقولة " الإسمية المثالية " عند الفيلسوف الإنكليزي بركلي، قد ردّدها قبله الفيلسوف العربي أبو حامد الغزالي عند تناوله لمسألة " موضوعيّة السببيّة" ، هذا النقد أيضاً نراه في فترة متأخّرة عند دافييد هيوم.

وفي كتابه الأخير عن " ابن سينا " يُظهر تأثير هذا الفيلسوف العربي على الفكر الفلسفي القر وسطي. فيؤكّد بأنّ أعماله العلميّة ، ولا سيّما " القانون في الطّب " ، تركت تأثيرها المباشر على تطوّر العلم الأوروبي . ومن جرّاء تأثير الفكر الفلسفيّ " والسينوي" ظهر في أوروبا التيّار الذي أطلق عليه " الأوغسطينيّة السينويّة " ، والذي أرست بداياته رسالة يوحنّا يوحنّا، أسقف توليدو، " في النفس" وكان هذا في القرن الثاني. أمّا في القرن الثالث عشر فيمكن تتبّع تأثير فكر ابن سينا عند فيلهلم ألأوفرني وعند الأساتذة الفرنسيّين في جامعة باريس، وعند ألكسندر لدى الفرنسيسكان الإنكليز أمثال روبرت جروسيت وجون بيكام. وقد بلغ هذا التأثير ذروته في فلسفة روجيز بيكون (وخاصةً في آرائه السياسيّة، التي تعكس نظرة إبن سينا  إلى سلطة الخلافة العربية) . ولكن شهرة إبن سينا لم تقتصر على الدوائر الأوغسطينيّة فنحن نجد آثاره واضحة في فلسفة ألبير الكبير (تعريف النفس، نظرية النبوة) وعندما توما الأكويني وأعمال دونس بيكون.

وفي نهاية تحليله للتركة السينوية في أوروبا يؤكّد سعدييف تأثير إبن سينا على " الأب الروحي " للعقلانية الفلسفيّة في أوروبا سبينوزا فيؤكّد ، بأنّ معظم المقولات والمفاهيم الأساسية التي جاءت في فلسفة سبينوزا كان قد أثارها إبن سينا قبله ومنذ أكثر من خمسة قرون ، فيعرض لوحة يوازي فيها بين المفاهيم والمقولات الأساسيّة في أنطولوجيا إبن سينا وسبينوزا([11]) :

إبن سينا                                      سبينوزا

واجب الوجود بذاته                                     الجوهر Substancia

واجب الوجود بغيره                                    الأصول Moduses

واجب الوجود بغيره                                    الأشياء الفرديّة أو الجزئيّة Vessingularesparticulares

العقل الأول                                              فكرة الله

الهيولة الأولى                                           الحال Modus ، المتوسّط اللامتناهي، الذي هو صورة

                                                           أو وجه الكون كلّه 

المغرب، أي حدّ المادة القريب                                    صفة الامتداد 

المشرق، أو عقل الكون                                صفة التفكير

العقل الفعّال                                             العقل المطلق النهائي IntelledusInfinitus

النفس الكونيّة                                           مبدأ الحركة والسّكون

 

لم تقتصر اهتمامات هذا العالم على فلسفة القرون الوسطى ، بل امتدّت لتتناول بالبحث والتحليل والإستنتاج الأفكار الفلسفيّة والسوسيولوجيّة لمنظري حركة التحرّر الوطني في العالم الثالث عامّة ، وفي منطقتنا خاصّة. ففي فصل خاص في الجزء الثاني من المجلّد السادس لتاريخ الفلسفة الذي صدر عن دار نشر " العلوم " في عام 1966، يدرج لأوّل مرّة فلسفة وسوسيولوجيا البلدان المتحرّرة من نير الإستعمار الإقتصادي والثقافي. ويؤكّد في هذا الفصل أهميّة التقاليد الفلسفيّة والدّينيّة في تبلور الشخصيّة القوميّة التحريريّة المعاصرة في هذه البلدان ويشير إلى وجود تيّارات فكريّة مختلفة ومتناقضة أحياناً في الإيديولوجيا القوميّة. ويبيّن الجوانب الإيجابية والسلبية في إنتاج بعض المثقّفين المتأثّرين بالتيّارات الفلسفيّة الغربية المعاصرة ، والسلفيّين الذين ينظرون إلى حاضر ثقافتهم بعين قروسطيّة . ويصل الى استنتاج أخير بأنّ النقطة المركزية التي تتمحور حولها معظم الأبحاث هي النضال أمام العالم الخارجي . ويتوقّف عند إنتاج مفكّرين هما عبد الرّحمن بدوي والمفكّر المغربي محمّد عزيز الحبابي . يقيم الفكر الوجودي للدكتور عبد الرحمن بدوي فيصفه " بالوجوديّ المتصوّف" الذي حاول أن يقرب بين الاتجاه المثالي المؤمن في الوجودية الغربية وبين التصوّف الإسلامي. ويقدر موقفه المناهض للفكر " المركزي الأوروبي" الذي ينكر وحدة الرّوح الإنسانية في الفكر العربي – الإسلامي . ويختلف سعدييف مع بدوي حول ميوله الإنسانية التي تبقى أسيرة الفكر المجرّد ، البعيد عن الحياة الواقعيّة الاجتماعية المحسوسة التي تتعلّق بالمسائل الملحّة الفكريّة والسياسيّة لحياة الإنسان المصري المعاصر.

ونشر سعدييف مقالة علمية مع الباحث الرّوسي فيليبوف ، حول الأفكار الفلسفيّة السوسيولوجيّة للمفكّر الشخصاني محمّد عزيز الحبابي. يقيم المؤلّفان إيجابياً نقد الحبابي للأيدولوجيا الكولونياليّة ، ولخطل الفكرة " المركزيّة الأوروبيّة " القائلة بأنّ الفكر العربي مجزّأ غير قادر على استيعاب العالم بشكل كلّ وشموليّ . ويبيّنان في المقالة العلاقة الواضحة بين الأفكار الشخصانيّة عند الحبابي ، وبين الأفكار الوجوديّة في مسألة أنطولوجيّة الشخص عند المفكّر الشخصاني محمّد عزيز الحبابي. يقيم المؤلّفان إيجابياً نقد الحبابي للأيديولوجيا الكولونياليّة ، ولخطل الفكرة المركزيّة الأوروبية " القائلة بأنّ الفكر العربي مجزّأ غير قادر على استيعاب العالم بشكل كلّي وشمولي. ويبيّنان في المقالة العلاقة الواضحة بين الأفكار الشخصانيّة عند الحبابي ، وبين الأفكار الوجودية في مسألة أنطولوجيّة الشخص عند المفكّر الشخصاني الفرنسي عمانوئيل مونيه.

ويعرض في عدد من المقالات لمسألة الفلسفة القومية في إيديولوجيا القوميّة العربية. فيتناول بالبحث والتحليل آراء وأفكار ميشيل عفلق وساطع الحصري وقسطنطين زريق وجورج حنّا وغيرهم. ويخلص إلى استنتاج مفاده أنّ الإيديولوجيا العربية القوميّة المعارة تعيش حالة ازدواجيّة ظاهرة ، فهي من جهة تحاول أن تبيّن هويّتها الحضارية وشخصيّتها القوميّة ، من خلال تأسيس فلسفة قوميّة عربية مستقلّة تجمع بين الفكر الإسلامي القديم وبين النظرّيات الفلسفيّة الغربية المعاصرة ، كالوجودية والشخصانيّة وغيرهما. ويبيّن أنّ الاتجاهات العلمانية الماديّة لم تترسّخ في ذهن الجماهير العريضة، فما زالت تدور في ذهن فئة خاصّة من المثقّفين والقرّاء([12]). ومسألة الصراع الإيديولوجي بين أنصار " المركزية الأوروبية" أي مسألة العلاقة بين الشرق والغرب، كانت موضع اهتمام وتحليل سعدييف. كتب عدّة مقالات حلّل فيها آراء منظري مجلّة                  " Philosophy : East and West" ، التي تصدر في هانولولو . وتصدّى في أبحاثه للستريوتيبات الخاطئة التي يتداولها كثير من المستشرقين في الغرب، وبعض مفكّري الشرق ، وهي القول " بجغرافيّة المفاهيم" وكأنّ الفكر والفلسفة حكر على هذه المنطقة أو تلك يبرهن خطأ النظرية الغربية التي تنفي أيّ تأثير لفلسفة المفكّرين الشرقيّين على الغرب. ويقول بهذا الصّدد: " فيما يتعلّق بسيكولوجيّة الفكر والذات عند شعوب الشرق والغرب ينظر إليها أنصار " المركزية الأوروبية " من وجهة النظر المعاصرة. فمن المعلوم أنّ سيطرة الغرب الصناعي الكولونياليّة قد لعبت الدور الكبير في التخلّف الذي تعاني منه شعوب آسيا وغيرها. إلاّ أنّنا لو نظرنا إلى واقع الشرق والغرب في القرون الوسطى مثلاً، لإنقلبت الصورة وليظهر أمامنا عالم أوروبا والغرب عامّة، عالماً يسيطر عليه الفكر اللاهوتي والرواية الميتولوجية والظلامية الدوغماتية ، ولتبين لنا العالم العربي – الإسلامي أكثر تطوّراً ورقيّاً في ميادين الصناعة والعلم والفكر. إنّ العرب لعبوا دوراً كبيراً في تطوّر العلوم والتكنيك والثقافة عامّة . هذا الدّور الذي لم يقيم حتّى الآن بشكل منصف وصحيح . فمن المعلوم أنّ العرب حضّروا للنهضة الأوروبية التي أرست حجر الزاوية للحضارة الغربية المعاصرة"([13]) .

يحاول البعض أن يجابه الغرب بالشرق، وكأنّهما عالمان مختلفان تماماً لا تجمعهما أيّة سمات مشتركة، فالمركزيّون الأوروبيّون يرون في العقل الأوروبي والغربي عامةً عقلاً علمانياً، مادياً، متحركاً، في حين ينظرون إلى العقل الشرقي ، كعقل روحانيّ ، غيبي ، ميتافيزيقي. أمّا المركزيّون الآسيويون أمام اعترافهم الضمني بتفوّق حضارة الغرب في المرحلة الراهنة من حياة الإنسانية، وأمام إنحنائهم الحضاري الداخلي لتطوّر عجلة التكنولوجيا والصناعة الغربية ، يجدون أنفسهم عاجزين عن مواكبة هذا التطوّر. لذا فلم يجدوا إلاّ التأكيد على بعض المفاهيم الروحية ، الشرقيّة، ليبينوا بأنّ للشرق قوانينه الخاصّة وقيمه ومثله الروحية ، وهي لا تتطابق مع سياق القوانين والقيم والمثل التي تتحكّم في مسيرة تطوّر المجتمع الغربي. فالشرق، شرق ويجب أن يبقى كما هو والغرب، غرب، وله طرقه ونمط حياته الخاص به.

يؤكّد سعدييف بأنّه لا توجد روح ثابتة للغرب ولا روح ثابتة للشرق، إنّ الحضارة العالمية هي من صنع شعوب الشرق والغرب، وهي في تطوّر وتفاعل دائمين . ففكرة معاداة الغرب للشرق والشرق للغرب موجودة منذ القدم، وقد تراكمت تاريخياً وأخذت في كلّ حقبة تاريخيّة شكلاً معيناً من أشكال " الصراع " . لقد طرحت في التاريخ القديم فكرة الصراع بين آسيا وأوروبا. فاتخذ الصراع شكلاً جغرافياً. وتطوّرت هذه الفكرة لتأخذ شكلاً دينياً في العصور الوسطى، ولا سيّما أثناء الحملات الصليبية ضدّ العالم الإسلامي، وأثناء الغزو العثماني لدول البلقان. والشرق آنذاك كان في وعي " الغربيين " يقتصر على الشرق الإسلامي، كانت الكراهية تحكم رؤية الغرب من جهة، وعقدة النقص من جهة أخرى. والتناقض بين الحضارتين الغربية والشرقية، بدأ يتكوّن مع تطوّر القوميّة في أوروبا، وانتقالها إلى مرحلة الكولونياليّة ، ومن هنا نشأت فكرة استعلاء الغرب وعلى الشرق وأخذ " الصراع" شكله العنصري. وفي ذهن المفكّرين الغربييّن الذين يدرسون العلاقة بين الشرق والغرب، في المرحلة الراهنة، مجموعة من التصوّرات المغلوطة يحاولون أن يحولوها إلى قناعات ثابتة في ذهن المثقّف الغربي. ولا يستثنون من هذا تأثيرهم على فئات واسعة من الإنتلجسنيا الشرقية . ويصوّر سعدييف هذه الكليشيهات في اللّوحة التالية([14]) :

الشرق                                                                                       الغرب

الوحدانية                                                                                               التعدّدية

الحدسيّة الصوفية                                                                          العقلانية

الروحانيّة                                                                                               الماديّة

الاندفاع وراء المعرفة من أجل الأغراض الأخلاقية – العملية                       أجل المعرفة بحدّ ذاتها

الغيبيّة                                                                                       العلمانيّة

اللامنطقيّة وحتّى معاداة المنطقية                                                        المنطقيّة

التشاؤميّة                                                                                               التفاؤليّة

التركيز على العالم الرّوحي للإنسان                                                     التركيز على العالم المادّي للإنسان 

التنكّر للحياة الدنيوّية                                                                                  التأكيد على الحياة الدنيويّة

 

بعد تصوير هذه اللّوحة ، يؤكّد بأنّ هذه التصوّرات موجودة عند كلّ الشعوب والأمم. فهي غير ثابتة، بل هي تتحرّك وتتغيّر عند هذا الشعب أو ذاك تبعاً للظروف التاريخيّة – العينيّة التي ترافق هذه المرحلة أو تلك . فبينما كانت أوروبا ترزح في القرون الوسطى تحت سطوة الأفكار الغيبيّة والتشاؤميّة ، كان الشرق الإسلامي يعيش في ظلّ الازدهار الحضاري والعقلانيّ، نتيجة تفاعل الإسلام مع الحضارات التي سبقته من مسيحيّة ويهوديّة وإغريقيّة وفارسيّة ألخ… والغرب ما كان ليصل إلى هذه الدرجة من التطوّر اليوم لو لم يتفاعل مع حضارات العالم القديم والثقافات المعاصرة للشعوب كافة.

 

 

سهيل فرح(أستاذ الفكر الغربي في الجامعة اللبنانية، عضو أكاديمية التعليم الروسية)



[1]) W. Muir. The Apology of Al-Kindy, Written at the Court of Al Mamun (cica A. H, 215; A. D. 8300 in defence Christianity against islam, Longon, 1887.

2) راجع تراخنبورغ أ. " موجز تاريخ الفلسفة " المجلد الأول . موسكو 1957، ص 229 . (بالروسية)

3) راجع الترجمة العربية لكتاب منتغمري واط، تأثير الحضارة العربية الإسلامية على أوروبا" ، دمشق 1981 – ص 32.

4) راجع " موجز تاريخ النظريات الجمالية" دار الفارابي . بيروت 1975 ، ص 55.

5) المصدر نفسه ص 62 .

6) راجع بالتفصيل مقالة سعدييف في كتاب " هارمونية الإنسان " تأليف مجموعة من الباحثين السوفيات موسكو دار نشر " الفن " 1965 – ص 52 – 53 . (بالروسية)

7) المصدر نفسه – ص 60 .

8) راجع : السبكي تاج الدّين . طبقات الشافعيّة الكبرى – الجزء الرابع طبعة الحلبي 1964- 1965 – ص 114 .

9) للمزيد من التفصيل راجع سعدييف ف إ . " إبن سينا " دار نشر " الفكر " موسكو 1980 – ص 39، 41-42 . (بالروسية)

10) راجع سعدييف في " إبن سينا" ص 58.

11) راجع سعدييف عن " إبن سينا" مصدر سبق ذكره ص 218 . 

12) راجع مقالته  مسألة  " القوميّة " في إيدولوجيا القوميّة العربية " المنشورة في كتاب " بعض المسائل المعاصرة لأيدولوجيا حركة التحرّر الوطني" موسكو 1970  ، (بالروسية)  . 

13) راجع الحوار الذي أجراه معه سهيل عامر في مجلّة " الطريق " اللبنانية عدد 1 – 1979 ، ص 104 .

[14]) راجع " الطريق " اللبنانية . مصدر سبق ذكره ، ص 107 .

 

كلمات مفتاحية: فرح، سعدييف، مستعرب، فيلسوف، تراث، ثقافة، إسلام، شرق، غرب