الرئيسية » اكتشف روسيا! » الذكرى الثانية لرحيل سميح القاسم الشاعر الذي قبض على شمس القصيدة – نمر سعدي
smyh_lqsm._1.jpeg

الذكرى الثانية لرحيل سميح القاسم الشاعر الذي قبض على شمس القصيدة – نمر سعدي

أجيبه أنني قرأت نصف ديوان "أناشيد مالدورور" وتأثرت جدا بأجواء هذا الشاعر السوريالي. فيطلب مني أن أقرأه بعمق وأن أحاول أن أربط بينه وبين السوريالية والرمزية، وأن أعي الظروف التي أحاطت بهما.


لم يمنع تحمّس سميح القاسم للجواهري من الإعجاب بشعراء كثيرين لقصيدة النثر العميقة والمركبَّة، وقد حدّثني مرَّةً أنه كان في أمسية شعرية في لندن برفقة نزار قباني، فلفته شاب لبناني يكتب قصيدة النثر ويحمل دفتراً صغيراً فيه بعض القصائد التي أعجبته جدا إلى درجة أنه طلب من الشاعر الناشئ أن يصعد على المنصة ويلقي شعره إلى جانب الشعراء الكبار في ظلِّ تململ نزار.

لم يقل لي سميح اسم هذا الشاعر الشاب، لكنني بعد شهور اتصلتُ به وذكرتُ له اسماً لشاعرٍ لبنانيٍ شاب آنذاك، عرفتهُ بطريق المصادفة وكثرة المتابعات الشعرية على الشبكة العنكبوتية. لم يكن متأكداً حين قال لي ربما هو.كان يحب أمل دنقل كثيراً رغم هناته العروضية في الكثير من قصائده الموزونة ويقول إن شعلته انطفأت في أوج توهجِّها. وكان يعتبر محمود حسن اسماعيل آخر الشعراء المصريين الكبار بعد أحمد شوقي، ويكنّ احتراماً خاصا لأحمد عبد المعطي حجازي ومحمد عفيفي مطر. ولأنه كان التلميذ الوفيّ لبدر شاكر السيَّاب الذي رثاه بمرثيَّة أبوية عندما رحل في 1964 فإنه سار على نهجه التجديدي ولم يجدِّد إلاَّ على أساس الموروث الشعري العربي. فلم يتخلَّ حتى أواخر أيامه عن القصيدة العموديَّة المكتوبة بنفس حداثي جميل.أكثر ما كان يميِّز الشاعر سميح القاسم في أمسياته الشعرية حضور روح الدعابة والنكتة والثقافة العامَّة إلى جانب الشعر الرصين ذي المعاني الإنسانية العميقة والروح الوطنيَّة في إلقائه الهادر كأنه على قمة الأولمب. كان قادراً على جذب انتباه الجمهورِ للشعر وإثارة كوامن فرحه وحزنه وتأمله وتتبعه لآثار الجمال بقصائد طازجة وطالعة من خميرة الحياة كالزنبق الحارِّ. كانت مهمته إصلاح الخراب الذي يجتاح العالم بالشعر، أو بناء ما ينهار من روح الحياة بالورد.قصيدة سميح القاسم هذه لا تفارق بالي منذ رحيله، لا لحرارتها وجمالها وعفويتها وشعريتها فحسب بل لأنها أوَّل قصيدةٍ أحفظها له، وأنا ربما دون العاشرة من عمري أتلمَّس بعينيَّ وقلبي طريق الشعر. كان التلفزيون السوري يذيعها بحماسة في بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى.خلّوا الشهيـد مكفنـا بثيابـه… خلّوه في السفح الخبيـر بما بـهلا تدفنوه وفي شفـاه جراحـه… تدوي وصيـة حبـه وعذابـههل تسمعون؟ دعوه نسرا داميـا… بين الصخور يغيب عن أحبابـهخلّوه تحت الشمس تحضن وجهه… ريح مطيبـة بـأرض شبابـهلا تغمضـوا عينيـه إن أشعـة… حمراء ما زالـت علـى أهدابـهوعلى الصخور الصفر رجع ندائه… يا آبها بالمـوت لسـت بآبـهخذني الى بيتي، أُرح خدي علـى… عتباته وأبـوس مقبـض بابـهخذني إلى كرم أمـوت ملوعـا… ما لم أكحِّـل ناظـري بترابـهكان سميح القاسم صديقي. أقولها الآن بصدق. شاعر متمرِّس ومجرِّب فذّ يصادق إنساناً بسيطاً مهتماً بالشعر من عامة الشعب ويقاسمه القهوة وسجائر البرلمنت الفاخرة ويتحدَّث معه بعفوية تامة في أول لقاء عفوي بينهما. كنت أنشر حينذاك في جريدة نصراوية وكنت أحمل العدد الأخير منها وفيه قصيدة منشورة لي. يطلب مني أن يقرأها وبعد ذلك يقول لي: نمر، قصيدة جميلة جدا، ولكن انتبه هنا في هذا البيت خلل عروضي طفيف. الأفضل أن تحذف حرف الواو لكي تتسلسل موسيقى الشطر الشعري. كنت أظنّ نفسي الخليل بن أحمد حينها، لكنه علَّمني برفق كيف ألتقط اللحظة الموسيقية وأوظِّفها في القصيدة. منذ اتصالي الأول به كانت هناك لغة روحية مشتركة بيننا.عندما قدَّمت واجب العزاء لذوي الراحل العزيز بكيت في الطريق الى الرامة الشمَّاء التي تستند على سفوح جبل حيدر كالعنقاء. بكيتُ لسببين، أولاً لأنني عانقت روح الشاعر المرفرفة في فضاء قريته الرامة. ثانياً لأنني لم أستطع أن أودِّعه حيَّاً وهو يذوي كمجرَّة من الحدائق والنجوم حين قال لي في آخر حديث هاتفي بيننا: نمر، خلّينا نشوفك.قال لي مرَّةً إنه ذكرنا نحن شعراء فلسطين الشبَّان في قصيدة جميلة فيها سخرية لاذعة من الموت بعنوان "المستشفى" يواجه بها مرضه وقال إن كتابتنا تكفكف دموعه.سنقول يوماً ما بافتخار إننا عشنا في زمن سميح القاسم الشعريّ. كما يتحدَّث الإسبان عن لوركا والتشيليانيون عن بابلو نيرودا والفرنسيون عن بودلير ومالارميه، سنتحدث عن شاعرنا الحبيب سميح القاسم الذي كان إنساناً عظيماً أيضاً يمتلك حسّاً إنسانياً يبلغ أقصى درجات النبل والكمال والتواضع. سميح يشرِّف وطناً ويشرِّف أمَّةً بأكملها.

 
المصدر : النهار