الرئيسية » حضاريات » الثورة التكنولوجية الرابعة وآثارها الاقتصادية والاجتماعية (1)
الرئيس عسكر أكايف

الثورة التكنولوجية الرابعة وآثارها الاقتصادية والاجتماعية (1)

 

الجزء الأول

جزيئة النانو رافعة التقدم

يقول الدكتور عسكر أكايف إن مجموعة من الدراسات ظهرت فعلا في العقد الماضي وادعت أن الاتجاه نحو تباطؤ التقدم العلمي وتالياً نحو تباطؤ نمو اقتصادات البلدان المتقدمة والاقتصاد العالمي ككل، ذاك الذي لوحظ على مدى السنوات الأربعين الماضية، هو ظاهرة طبيعية، وأن هذا الاتجاه سيستمر على الأقل حتى منتصف القرن الحادي والعشرين. بيد أن هذه الدراسات لم تأخذ في الحسبان نتائج الثورة التكنولوجية المعروفة باسم ثورة الـNBIC  (مختصر مؤلف من الأحرف الإنجليزية الأولى لمواد علمية وتقنيات هي: N نانو، B – بيو أي حيوي،  IInfo أي معلوماتي و CCognitive أي تقنيات معرفية أو إدراكية) التي شهدها العقد الأخير من السنين، فضلا عن "التقنيات المضافة" (additive technology) في مجال إنتاج المصنوعات والأجهزة المعقدة والتراكيب ذات الطابع المتنوع من خلال مجموعة متنوعة أيضا من المواد. فتقنيات الـ NBIC  سوف تغير، بفضل التأثير التآزري القوي التي ينتجه تقارب النانوي والحيوي والمعلوماتي والمعرفي، الاتجاه نحو التباطؤ إلى اتجاه نحو التسارع . والتكنولوجيا المضافة المعروفة على نطاق واسع كعملية الطباعة الثلاثية الأبعاد أو الحجمية باتت منذ الآن تنتج بالفعل ثورة في الصناعة والتكنولوجيا والتصميم والطب وغيره من المجالات نظرا لرخصها وبساطتها وصداقتها للبيئة وخلوها من النفايات.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن تطوير تكنولوجيات NBIC قد أصبح ممكنا عندما حصل العلماء على العدة والأدوات اللازمة لمعالجة المواد والتعامل معها على مستوى الذرات والجزيئات. وقد كان العام 1986 محطة تاريخية في هذا السياق، عندما صمم الفيزيائي الألماني غيرد بينيغ Gerd  Binnig مجهراً نفَقياً ماسحاً Scanning Tunneling Microscope. ويسمح هذا المجهر بجعل ذرات أي مواد ذراتٍ مرئية، وبالتحكم والتلاعب بها. وإن استخدام هذا المجهر جعل من الممكن بناء هياكل نانوية جديدة تماما. فما عتمت أن ظهرت أدوات نانوية  nanotools أكثر تطورا كمجاهر السبر الماسحة المتحكم بها عبر جهاز الكمبيوتر، مما يسمح بالتلاعب بجسيمات النانو بدقة عالية وسرعة كبيرة، والملاقط البصرية المخصصة لالتقاط ونقل البنى النانوية في فضاء ثلاثي الأبعاد. كل هذا مهد السبيل لتخليق وتصنيع مواد نانوية ذات خصائص فريدة من نوعها على النطاق الصناعي. وبالتوازي مع هذا تم اكتشاف وتخليق مواد نانوية في غاية الأهمية لأجل صناعة تكنولوجيا النانو: فوليرين الكربون carbon fullerene (1985)؛ أنابيب الكربون النانوية (1991) والغرافين graphene (2004)، ورقاقة الكربون بسماكة ذرة واحدة، والتي تعتبر حاليا أكثر المواد الواعدة أهمية بالنسبة لالكترونيات النانو. فعلى أساس الغرافين إياه تم التمكن بالفعل من إنشاء أصغر الترانزستورات الجزيئية وهي بسماكة ذرة واحدة فقط وبعرض عشر ذرات، وهذا أصغر بـ30 مرة من أصغر ترانزستورات جزيئية تم إنشاؤها حتى الآن. وقد أعلنت شركة IBM الشهيرة أنها باتت تتقن تكنولوجيا إنشاء معالج نانوي nanoprocessor  في نطاق الـ1 تيراهرتز (1 ТНz ) على قاعدة الجرافين وستبدأ قريبا إنتاج شرائح نانوية دقيقة جداً ًnanochips.

وتجعل الخواص الميكانيكية الفريدة للجرافين من الممكن خلق مواد جديدة فائقة المتانة، وغاية في الرقّة والمرونة للاستخدام في صناعتي الطائرات والسيارات. والمواد النانوية تمهد الطريق لإنتاج الموصلات الفائقة التوصيل. وهناك أيضا عملية نشطة في مجال حشد (تجميع clustering) تكنولوجيات NBIC . على سبيل المثال، يجري تشكيل ميدان تقنيات نانوية واعد للغاية، تم إنشاؤها باستخدام مكونات بيولوجية والاستفادة من قدرتها على إعادة تنظيم نفسها في منظومات نانوية، وعلى العكس، تقنيات بيونانوية bionanotechnologies  باستخدام منظومات النانو لترشيد العمليات البيولوجية والبيوتكنولوجية.

وتضم التكنولوجيا النانوية الحيوية (النانوبيوتكنولوجيا) في ذاتها، عبر روابط وصلات متنوعة، العديد من الميادين المرتبطة بالطب والصيدلة، وهو أمر واضح جدا على صعيد تطوير أحدث المنتجات الطبية والأعضاء الاصطناعية لإصلاح الأعضاء البشرية التالفة الخ. وثمة مستقبل باهر خاصة للآليات النانوية التي سوف تنقل جزيئات الدواء مباشرة إلى مكان الالتهاب المرضي. وإن دور تكنولوجيا المعلومات لكبير خاصة في مجال تحسين تشخيص الأمراض تحسينا كبيرا جداً. على سبيل المثال، التشخيص باستخدام شرائح النانو الحيوية nanobiochips  كمِجَسّات منمنمة ترصد تركيز المواد المختلفة في الجسم وتميز بين الخلايا السرطانية وتلك السليمة. ساعتئذ يستطيع الطبيب أن يدمرها باستخدام الروبوت النانوي الجرّاح nanobot   من دون الإضرار بصحة المريض، وهو ما يدشن مرحلة إمكان القضاء على السرطان كليا. وستكون هناك أهمية ثورية لتصنيع واستخدام الشرائح الحيوية  biochips، التي يمكن أن تدخَل في صلب جسم الإنسان للحفاظ على خصائصه الوظيفية. ولقد احتلت مكانة خاصة في تقنيات النانو الحيوية  bionanotechnologies  الهندسة الوراثية المبنية على أساس تصحيح وتنقيح الجينات ذات العيوب. وستحل محل عمليات الزرع الكلاسيكية تكنولوجيا الطب التجديدي regenerative medicine، المسماة أيضاً بهندسة الأنسجة.

في هذا السياق يقول الدكتور أكايف في شأن استخدام جزيئات النانو الدقيقة جداً في مجال الصحة العامة والمعالجة من الأمراض المستعصية حاليا إن اكتشاف الخلايا الجذعية الجنينية البشرية في عام 1998 جعل من الممكن تجديد أي نوع من الخلايا البشرية، وبالتالي، أي عضو في جسم الإنسان. وإن استخدام الأعضاء الاصطناعية الحيوية bioprostheses المستزرَعة من خلايا المريض الجذعية، وبالتالي غير المتسببة بالرفض المناعي لأنها من جسم المريض نفسه وجزء عضوي من جهازه المناعي، على نطاق واسع، سوف يضحي في عشرينيات العام 2000 (سنوات 2020) ممارسة سريرية يومية.

إن ثورة تكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر باستخدام إلكترونيات النانو وأجهزة الكمبيوتر الكمية quantum computers والشرائح الحيويةbiochips  سيتم تعزيزها لتشكل بدورها أساسا لتطوير التكنولوجيات المعرفية وخلق الروبوتات وأجهزة الكمبيوتر الذكية. وإننا لنرى من خلال هذه القائمة المختصرة من الابتكارات التي تولدها تكنولوجيات NBIC أنها سوف يكون لها تأثير ثوري على جميع قطاعات الاقتصاد وجميع مجالات النشاط البشري. ونضيف هنا أيضا أنها كلها باتت على وشك طرحها في السوق. ومن الواضح أنها سوف تؤدي إلى تسارع وتيرة التقدم التكنولوجي.

الطباعة الثلاثية الأبعاد 3D

أما بالنسبة للتقنيات المضافة، فإنها تستند إلى عملية تصفيف مختلف الهياكل والتراكيب على أساس نماذجها الرقمية. ففي كثير من الأحيان تستخدم في تكنولوجيا الطباعة الثلاثية الأبعاد3D  طباعة نفث الحبر ink jet printing تؤديها كتلة من رؤوس الطباعة تحتوي واحدة منها على بوليمر سريع التصلب أو راتينج أو لاصق يوفر لصق الطبقات المصفوف بعضها فوق بعض لصقاً محكماً يشمل ربط جزيئات المساحيق والألياف والأشرطة بعضها ببعض. ويرتبط اتجاه آخر بتغليف السطح بالمواد اللازمة طبقة طبقة باستخدام أشعة الليزر laser تغليفا صلداً. بهذه الطريقة بالذات باتت "تطبع" عناصر الحمل (bearing elements) في الطائرات وفي الأجزاء المهمة المترتبة عنها مسؤولية كبيرة من محركات الصواريخ. ويتوقع خبراء وكالة ناسا أن تضحي ممكنة في مستقبل قريب طباعة هياكل عملاقة يبلغ قطرها عشرات الأمتار وطولها مئات الأمتار في الفضاء الكوني في ظروف انعدام الجاذبية، بمساعدة الروبوتات العنكبوتية الشكل. ولسوف نشهد على تطبيقات مذهلة للطباعة الثلاثية الأبعاد في الطب، كزراعة الأعضاء البشرية، وطباعة الأقراص الفقرية للهيكل العظمي عند الإنسان، وبناء وإنماء العظام في حال حدوث إصابات (كسور) الخ. وإن تطوير تكنولوجيا الطباعة الثلاثية الأبعاد3D  سوف يؤدي إلى تغيير جذري في مبادئ إنتاج وتسليم السلع والمنتجات. فلسوف تتنقل تصاميم المنتجات الرقميةُ، بدلا من المنتجات نفسها بين جميع أنحاء العالم. وسيمكن تنفيذها مادياً من خلال الطباعة الثلاثية الأبعاد3D  في أي مكان في العالم حيث تتوفر تكنولوجيات الطباعة الثلاثية الأبعاد3D  والمواد اللازمة لها.

من المهم أن نلاحظ هنا أن كلا من تقنية الـ NBIC وتقنية الطباعة الثلاثية الأبعاد3D  ترمي بطبيعتها إلى التقليل حتى اقصى حد من استهلاك المواد واستهلاك الطاقة، وهو ما يميزها عن التكنولوجيات القائمة حالياً.

الدكتور عسكر أكاييف – ترجمة د. ميشال يمّين

(يتبع)