الرئيسية » اكتشف روسيا! » الثقافة الفلسطينية إلى أين؟ و صراع الأسطورة والهوية – إلياس خوري / الجزء الثالث
sr_lstwr_wlhwy_-_lys_hwry.jpg

الثقافة الفلسطينية إلى أين؟ و صراع الأسطورة والهوية – إلياس خوري / الجزء الثالث

فالأسطورة اليهودية ككل الأساطير الدينية لا مكان لها سوى في مشروع فاشي إلغائي أكان مضمراً أم معلناً، أما الهوية الفلسطينية فلم تكن سوى دفاع عن الوجود والبقاء، لذا اكتفت بمجموعة من الشعارات والشعائر الوطنية من الكوفية إلى فكرة الفدائي إلى رموز الأرض كي تعلن أن مشروعها الحقيقي هو البقاء على هذه الأرض، والدفاع عن هذا البقاء، ووضع جميع المكونات الثقافية من دين شعبي، إلى فلكلور إلى حكايات إلى أدب رفيع في خدمة هذا المشروع الذي حين تبلور على المستوى السياسي تشكل كجبهة وطنية مفتوحة، وكإطار جامع".

وتابع: كان دور الثقافة الفلسطينية على هذا المستوى تأسيسياً، ولغة العلاقة بالأرض هي إنجاز شعري أولاً، والرموز الوطنية هي حصاد ثقافي قبل أن تتحول إلى لغة سياسية، وصورة اللاجئ العائد تتعايش مع صورتي المتشائل والمثقف الطليعي في الرواية .. ولقد وجد المشروع الأيديولوجي الذي مثله الإسلاميون لحظة استيلائهم على السلطة في غزة نفسه مضطراً إلى اعتمار الكوفية بعد ما سبق له أن خلعها، كي يستعيد فلسطينيته التي كانت عصية على الابتلاع الأيديولوجي.

وشدد خوري: إنجاز الهوية المفتوحة، إذا صحّت التسمية، كان البداية التي تسمح لنا اليوم بأن نعيد النظر في ثقافتنا كي تكون ملائمة لـ ومعبرة في وعن واقعنا اليوم، فالتحدي الذي تواجهه الهوية الفلسطينية في مرحلة صعود اليمين القومي الديني في إسرائيل، لا يختلف كثيراً عن تحدي المعنى الذي تواجهه الثقافة في المشرق العربي أمام كارثتي الاستبداد والأصولية اللتين فتحتا الباب أمام انهيار القيم، وتدمير المدن والقرى، وتحويل الناس إلى جموع من اللاجئين والمشردين .. تحديّان يتشابهان في الدلالة، ويختلفان في الإطار، لكن لا يمكن مواجهتهما في مكان بمعزل عن المكان الآخر.

البقاء اليوم

وفصّل خوري: في هذه المواجهة المعقدة، علينا اكتشاف الأشياء من جديد، فالحياة مثل الكلمات التي تتغير معانيها، حتى وإن كانت مواسمها لا تتغير، لكن نقطة منطلق الثقافة ومآلها هي الدفاع عن الحياة، أي الدفاع عن البقاء عبر إعطائه معاني متجددة.

وأضاف: البقاء في الأرض، وفي كل أمكنة الشتات هو التحدي الدائم، خصوصاً وأن الشتات الفلسطيني كالشتات العربي يمتد اليوم ليشمل قارات جديدة، ولغات وثقافات جديدة  .. البقاء اليوم يعني كتابة الحاضر ليس بهدف تأكيد الهوية فقط، بل بهدف أن يكون النتاج الثقافي ابن الحاضر شاهداً ومقاوماً يكتب الصمود والألم والمعاناة، ويصير وعاء لمقاومة طويلة تتشكل في إطارين: الأول قيمي أخلاقي، فالصراع ليس على الأرض بصفتها رمزاً دينياً وطوطمياً أسطورياً .. الصراع هو على أرض يعيش فيها البشر، ومن هنا يصبح المرجع القيمي الأخلاقي أساس المقاومة الأول، في وقت تكشف فيه الصهيونية اليوم عن عنصريتها وعدائها للقيم الإنسانية، فمقاومتنا لها ليست دفاعاً مشروعاً عن النفس فقط، بل دفاع عن القيم الأخلاقية أيضاً، قيم الحرية والمساواة.

وتابع في ذات الإطار: لم يقاوم الفلسطينيون الهجرة اليهودية لأنهم كانوا لا ساميين، بل قاوموها بصفتها مشروعاً كولونيالياً، وإذا كنا قادرين اليوم على الاعتراف بأن لغة تلك المقاومة كانت مشوشة بمخلفات أيديولوجية قومية ودينية، فإنه لا يحق لنا اليوم أن نسقط أمام رواية اللغة الجاهزة .. وإذا كانت البنى السياسية عاجزة اليوم، وخصوصاً بعد نهاية وهم أوسلو، عن مقاومة اللغة الجاهزة، بل إن جزءاً كبيراً منها يتبناها، فإن الثقافة والفكر والفن والأدب تستطيع أن تلعب دور حارس القيم كي تجعل من نفسها، في لحظة هذا النكوص التاريخي منصة لبناء وعي جديد.

ولفت خوري: فكرة فلسطين، والتعبير لإدوارد سعيد هي فكرة أخلاقية أولاً، وأفقها كوني وإنساني، والمقاومة التي تقودها على كل المستويات هي أفق للحرية والتحرر .. في مقاومة الابارتهايد الإسرائيلي الزاحف الذي يتقاطع مع انهيار سياسي في المنطقة، تكون المقاومة صراعاً أخلاقياً، ولا خيار أمام الضحية سوى التفوق الأخلاقي، وإلا فإنها ستهزم في الصراع على الحياة وعلى البقاء.

أما الإطار الثاني، وحسب خوري، فهو بنيوي، ويتعلق بالمقترب الثقافي، فالثقافة اليوم كما تشير إلى ذلك البذور الجديدة التي تنمو في حقولها، هي ثقافة الحاضر .. نقرأ الماضي بعيون الحاضر، ونعيد اكتشاف الحاضر عبر مقاومة الاحتلال والاستبداد .. قبل أن يختم مداخلته بالتأكيد مجدداً على أن "النكبة ليست ماضياً كي تعيش في الذاكرة فقط .. النكبة حاضر يجب مقاومته بلغة الحاضر، وليس بالوقوف على أطلال ماضٍ مضى .. ماضٍ يرفض أن يمضي .. القيم الجديدة في حاجة إلى أشكال جديدة، والحاضر لا يخوض صراعه مع المحتل على الذاكرة، بل على الحق في الرواية .. من يروي الحكاية الفلسطينية، ورواية من سنتنصر في النهاية؟ .. لا يفترض هذا السؤال تمييزاً بين مشروعين قوميين، لأن الصراع كما يتشكل في حاضرنا اليوم هو على الانحياز لقيم الحقيقة والعدالة .. الصراع على من يروي هو اسم آخر للصراع على من سيرث هذا الأدب الفلسطيني العظيم".