الرئيسية » اكتشف روسيا! » الثقافة الفلسطينية إلى أين؟ – إلياس خوري / الجزء الاول
lthqf_lflstyny_l_yn.jpg

الثقافة الفلسطينية إلى أين؟ – إلياس خوري / الجزء الاول

    كتبت بديعة زيدان:

"يمر المشرق العربي هذه الأيام بظروف يمتزج فيها الدم بالأسى، والخراب بالموت، وحيث تعب استغاثة اللاجئين، ويصير منفانا مزدوجاً، بعضنا منفي داخل بلاده، وبعضنا الآخر منفي خارجها، وكأن هذا الانحدار العربي إلى الهاوية لا قعر له .. الكلمات تفقد بريق معانيها، والمعاني الإنسانية تنتهك، وتبتذل" .. بهذه العبارات بدأ الروائي اللبناني إلياس خوري مداخلته، والتي كانت المداخلة الافتتاحية لمؤتمر مؤسسة الدراسات الفلسطينية السنوي (الثقافة الفلسطينية إلى أين؟)، يوم الجمعة الماضي، هو الذي وصف اختياره لتقديم الكلمة المفتتح بالمهمة الصعبة، قبل أن يضيف: صعوبة الكلام، اليوم، تتأتى من شعور عام بالفشل والإحباط يعمّ الوسط الثقافي والفكري هنا في سورية ولبنان، وهناك في فلسطين.

وشدد خوري: … والهنا والهناك ليسا بعيدين مثلما اعتقد الكثيرون مع انفجار موجات الثورات العربية، التي وأدها التحالف العدائي بين الاستبدادين العسكري والأصولي، فما يجري اليوم في سورية أصاب الفلسطينيين ودمّر مخيماتهم، وما يجري في لبنان من قمع للاجئين السوريين يضع كل اللاجئين والغرباء في موقع واحد، والانسداد السياسي الذي عزل الثقافة الديمقراطية عن الفعل في لبنان يجد داخل الأراضي الفلسطينية ما يشبهه.

أسئلة على الأسئلة

وتساءل: كيف نقرأ واقعنا الثقافي، وبأي أدوات، هل الثقافة مجرد شاهد يسجل المآسي في كلمات أو لوحات أو عروض، أم هي جزء من البنية الأساسية التي تصوغ الوعي، وتواجه الكارثة عبر محاولة رسم أفق جديد .. الجواب عن هذه الأسئلة بالغ الصعوبة، ولا أعتقد أننا نستطيع اليوم أن نصل إلى إجابات متكاملة تنقذنا من الحيرة، وترسم لنا مسارات الخروج من متاهة الأسئلة التي تؤرقنا، فما سأقوله اليوم مجرد محاولة لطرح أسئلة على الأسئلة في سياق بحث الكلمات عن معانيها، لأن أحد معالم الكارثة الثقافية السياسية التي نواجه تكمن في الطلاق بين الكلمات والمعاني، وفي ابتذال الكلام من أجل محو الفوارق بين الجلاد والضحية.

بين الجلاد والضحية

ويرى خوري أن المشروع الثقافي الصهيوني يتلخص، في مواجهة ضحيته الفلسطينية، بالعمل على محاولة محو الفوارق بين الجلاد والضحية، تمهيداً لتحول الجلاد إلى ضحية والضحية إلى جلاد .. لا يخفي الأدب الإسرائيلي هذا المقترب، فاليسار الصهيوني الذي شكل العمود الفقري للأدب الإسرائيلي قام بإخراس ضحيته الفلسطينية جاعلاً منها، هذا إذا اعترف بوجودها أصلاً، ملحقاً بالضحية اليهودية، فانتقلت الضحية الفلسطينية من شبح لا مرئي إلى كائن أخرس لا يتكلم حين يؤذن له بالكلام إلا هذياناً.

وأكد صاحب "باب الشمس": كانت هذه اللعبة الثقافية الإسرائيلية بالغة التعقيد، لأنها حملت موقفين متناقضين: محو ذاكرة، وتأكيد ذاكرة أخرى .. صحيح أن المقارنة بين الذاكرتين لا تصح، غير أن هاتين الذاكرتين تقفان في حلبة صراع لا متكافئ، بحيث تمتلك إحداهما كل أدوات السيطرة من سلطة سياسية وعسكرية، إلى تحكم بالنص التاريخي، إلى تعاطف دولي غربي شامل، بينما لا تمتلك الذاكرة الأخرى سوى كلامها الشفهي، ومحاولة بناء حكايتها من ركام الأمكنة والكلمات.

المحرقة والنكبة

وأضاف خوري: قلت إن المقارنة لا تصح بين الذاكرتين، ليس لأن هول المحرقة النازية بالغ البشاعة فقط، ولا لأن أرقام الضحايا وطرائق إبادتهم بلغت ذروة لا سابقة لها على أيدي النازيين، وهذا صحيح، ولكن لأن المحرقة هي حدث تاريخي جرى في الماضي، بينما النكبة فعل يجري في الحاضر .. المسألة تكمن هنا، وليس فقط في أعداد الضحايا، فالموقف الصهيوني بتجريم ذكرى النكبة خلف الخط الأخضر هو محاولة لتحويل الحاضر ماضياً، أي ذاكرة عليها ألا تتذكر، وهنا يصل تغييب الفلسطينيين إلى ذروته، فالنكبة تنتمي إلى الذاكرة، وذاكرتها لا تقارن بذاكرة المحرقة، وبناء عليه، فإن إحياءها لا مبرر له، لأنه يقلل من مهابة المأساة اليهودية .. هكذا يبتلع الترميز الواقع المعيش، ويتحول جميع الحاضرين الغائبين إلى أشباح آتية من ذاكرة للنسيان.

واستطرد صاحب "أولاد الغيتو": النكبة ليست ذاكرة، صحيح أن حرب النكبة كانت نقطة تحول كبرى في الواقع والوعي الفلسطينيين، لكن الحرب لم تضع نقطة ختامية للمأساة، بل كانت محطة كبرى من أجل أن يستمر فعلها بشكل مباشر خلف الخط الأخضر، لتنتقل بعد هزيمة العرب الكبرى العام 1967 إلى جميع أنحاء فلسطين التاريخية، حيث نشهد في كل يوم ممارسة نكبوية متنامية، بحيث صارت فلسطين كلها أرضاً للنكبة والمنفى.